أولاً - من "الاتحاد البرلماني العربي" إلى "البرلمان العربي" : الواقع والمستجدات
تمر الأمة العربية في هذه الأيام بإحدى أدق مراحل تاريخها المعاصر وأكثرها خطورة وجدية، نظراً للتحديات الخطيرة التي تواجهها والمسؤوليات الجسام التي يتوجب عليها النهوض بها. ولذلك ليس غريباً في هذه الظروف أن ترتفع الأصوات في كل مكان من دنيا العرب، سواءً على مستوى الجماهير العربية، أم على مستوى القيادات والحكومات والمؤسسات القومية العربية، داعية إلى دراسة الواقع العربي دراسة واقعية متأنية ووضع الحلول الناجعة للارتقاء بهذا الواقع إلى مستوى التحديات والأخطار التي تهدد أمتنا وبلداننا مصيراً ووجوداً.
وتطرح في هذا الإطار أيضاً اقتراحات متعددة للنهوض بالواقع العربي، من بينها إعادة النظر في مؤسسات العمل القومي العربي باتجاه تطويرها وتفعيل دورها لتكون رافعة حقيقية تسهم في تحسين العمل القومي العربي في جميع الميادين. ومن بين الاقتراحات المطروحة اقتراح بإنشاء "برلمان عربي"، بوصفه مؤسسة تمثل الشعوب العربية ومرجعية عربية قادرة- عن طريق التدرج والأخذ بعين الاعتبار للخصائص الواقعية في كل بلد عربي -على التحول مستقبلاً إلى سلطة تشريعية عربية واحدة.
لقد أدرك الاتحاد البرلماني العربي، رئاسات وشُعباً وأمانة عامة، دقة الأوضاع العربية الراهنة وخطورة المرحلة التي تمر بها، وأهمية تحسين عمل مؤسسات العمل العربي المشترك وتفعيل دورها في هذه الظروف. ويتضح ذلك بصورة جلية من خلال القرارات والوثائق الصادرة عن مؤتمرات الاتحاد البرلماني العربي ومجالسه. فالاتحاد البرلماني العربي هو إحدى المؤسسات الهامة للعمل العربي المشترك، تأسس في حزيران - يونيو عام 1974 في اجتماع مشترك لممثلي عشرة برلمانات عربية - فكان بذلك أول مؤسسة برلمانية عربية في تاريخ العرب الحديث.
ومن العوامل الأساسية التي شجعت على إنشاء هذه المؤسسة العربية الهامة وسرّعت عملية ظهورها إلى الوجود أجواء التضامن والتفاؤل والثقة بالعمل العربي المشترك التي عمت البلدان العربية إبان حرب تشرين - أكتوبر - 1973، وفي أعقابها. ومنذ ولادته حدد ميثاق الاتحاد الأهداف الأساسية له بتدعيم أسس التضامن العربي، وتعميق المفاهيم والقيم الديمقراطية، وتنسيق التشريع وتوحيده في الوطن العربي، وإتاحة فرص كافية للقاء والحوار بين البرلمانيين العرب وتعزيز الروابط فيما بينهم، وتنسيق جهودهم في مختلف المجالات، وتوحيد أنشطتهم في المنظمات والمحافل الدولية.
من هذه الزاوية يمكن القول أن تأسيس الاتحاد البرلماني العربي، وبروزه على ساحة العمل القومي العربي المشترك، جاء استجابة لضرورة الانتقال بالتمثيل البرلماني العربي من المستوى القطري إلى المستوى القومي الشامل، وتعبيراً عن القناعة بضرورة تدعيم وحدة العمل البرلماني العربي الجماعي في خدمة القضايا العربية المشتركة.
مذكرة الأمانة العامة - محتويات الصفحة الحالية
كذلك جاء تأسيس الاتحاد البرلماني العربي تجسيداً للمبدأ الأساسي الذي يقوم عليه مفهوم الوحدة العربية، وهو وحدة الشعب العربي في جميع أقطاره ووحدة قضاياه ومصيره، وتكريساً لمبدأ الشورى الذي يعد أحد المبادئ الأساسية في تراث الأمة العربية والإسلامية.
وخلال العقود الثلاثة التي مضت على تأسيسه استطاع الاتحاد البرلماني العربي أن يتبوأ تدريجياً، وعن جدارة، مكانته المرموقة عربياً ودولياً، وأن يرسخ دوره على جميع المستويات، وفي مختلف الميادين، كما استطاع أن يحقق العديد من المنجزات الهامة في مختلف الميادين.
ومنذ بداية التسعينات من القرن الماضي شهد العالم الكثير من التطورات و المستجدات التي أحدثت تغيراً نوعياً في الأوضاع العالمية، وفي طبيعة العلاقات الدولية:
فانهيار المعسكر الاشتراكي وانتهاء الحرب الباردة، وتبلور النظام العالمي الجديد ذي القوة المهيمنة الواحدة التي تعمل بصورة واضحة على تهميش الأمم المتحدة، واتباع سياسة المعايير المزدوجة، وترويج مفاهيمها ورؤاها الخاصة حول ما ينبغي أن يكون عليه الوضع الدولي ومستقبله واتجاهات تطوره، والعمل على فرض هذه المفاهيم والرؤى باستخدام كل أشكال الضغط، بما في ذلك الحرب لإخضاع الدول التي لا ترى رؤيتها. في نفس الوقت تذر العولمة قرنها على نطاق واسع في الاقتصاد والثقافة، و يتكرس دور التكتلات الاقتصادية الدولية العملاقة، ما يهدد اقتصادات الشعوب وهوياتها وحضاراتها وتراثها بالانهيار والتداعي والتغييب.
في ظل هذه الظروف الدولية غير المؤاتية يمر الوضع العربي بمنعطف خطير، خاصة بعد تعثر عملية السلام في الشرق الأوسط، نتيجة لاستفحال العدوانية الإسرائيلية ورفض إسرائيل لعملية السلام جملة وتفصيلاً، واحتلال العراق، وتزايد الضغوط والتحديات الإقليمية والدولية التي تستهدف الأمة العربية قاطبة، وجوداً ومصيراً. ومما لا شك فيه أن ضعف التضامن العربي، إن لم نقل غيابه الكامل، يوفر الظروف المناسبة لنجاح تلك الضغوط والتحديات. وفي ظل هذه الظروف تتعقد أيضاً قضايا التنمية، ومسيرة الديمقراطية وأوضاع حقوق الإنسان في العديد من البلدان العربية إلى حد يهدد استقرارها وأمنها.
وإذا كانت الظروف الدولية التي أعقبت حرب تشرين ( أكتوبر) عام 1973 قد جعلت من وجود الاتحاد البرلماني العربي ضرورة قومية ملحة، فإن الظروف الدولية والعربية الراهنة تتطلب إحداث تطوير نوعي في طبيعة الاتحاد و وظائفه ودوره، تطوير من شأنه أن يوسع مهمات الاتحاد ويزيد فاعليته من جهة، ويلاقي المستجدات الراهنة ويتكيف معها، من جهة أخرى. وقد أدرك البرلمانيون العرب هذه الحقيقة، وبدأوا منذ فترة غير قصيرة بالإعداد لهذه التطورات من خلال طرح فكرة تحويل "الاتحاد البرلماني العربي" إلى "البرلمان العربي الموحد"، ومن ثم إلى "البرلمان العربي ".
وقد نظم الاتحاد البرلماني العربي ثلاث ندوات برلمانية لبحث هذا الموضوع الهام، عقدت على التوالي في عام 1983 في بغداد، وفي عام 1986 في عمان، وآخرها كان في بيروت في 1999.
وخرجت هذه الندوات بتوصيات هامة تدعم التوجه نحو إنشاء "البرلمان العربي الموحد".
وعرضت نتائج الندوة البرلمانية العربية حول "البرلمان العربي الموحد" المعقودة ببيروت على المؤتمر التاسع للاتحاد البرلماني العربي الذي عقد بالجزائر فتبنى التوصيات التي خرجت بها.
كذلك طرح موضوع "البرلمان العربي الموحد" مجدداً كبند مستقل في جدول أعمال المؤتمر العاشر للاتحاد الذي عقد بالخرطوم-السودان (فبراير-شباط/2002م) تحت عنوان "البرلمان العربي الموحد": اقتراحات ملموسة حول هيكلية البرلمان الموحد والخطوات التنفيذية لإقامته واتخذ المؤتمر قراراً يدعو بقوة إلى إقامة "البرلمان العربي الموحد" واتخاذ جميع المبادرات والخطوات السياسية والتشريعية اللازمة لتحقيق هذا الهدف القومي الكبير.
ويأتي الاجتماع الراهن في الخرطوم في إطار تنفيذ قرار المؤتمر العاشر للاتحاد وتتويج جميع الجهود التي بذلها الاتحاد خلال أكثر من عقدين لإخراج هذا المشروع إلى حيّز الوجود وتجسيده على أرض الواقع.
مذكرة الأمانة العامة - محتويات الصفحة الحالية
ثانياً - المبادئ الأساسية لإقامة "البرلمان العربي" :
نوقشت فكرة إنشاء "البرلمان العربي" على مستوى الندوات التي نظمها الاتحاد ، وفي المداخلات التي ألقاها ممثلو الشعب الشقيقة في اجتماعات مجالس الاتحاد ومؤتمراته، وفي أوراق العمل و المذكرات التي تقدمت بها الشعب الأعضاء حول هذا الموضوع. ويمكن القول أنه كان ثمة إجماع على عدد من المبادئ والأسس التي ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار عند تشكيل هذا البرلمان. وأبرز هذه المبادئ والأسس هي التالية:
- اعتبار الاتحاد البرلماني العربي نواة "للبرلمان العربي".
- إقامة "البرلمان العربي" من خلال اتفاقية دولية توقعها الدول العربية، بما يتفق مع دساتيرها وتشريعاتها.
- اعتماد مبدأ التدرج والمرحلية في إقامة "البرلمان العربي" من حيث التأسيس، ومن حيث المهمات والاختصاصات. أي يمكن التخطيط لمرحلتين في تأسيس "البرلمان العربي" يكون في الأولى منها معيناً، وفي الثانية منتخباً. ومن حيث الاختصاصات يمكن الانطلاق من اعتباره هيئة ذات وظيفة استشارية متطورة لا تصل إلى حد الوظيفة التشريعية، مع الأخذ بعين الاعتبار إمكانية تطوير هذه الوظيفة في مجالات يزداد عددها وأهميتها مع اتساع العلاقات البينية العربية وترسيخها.
- الأخذ بمبدأ المساواة في التمثيل بين الدول العربية عند تشكيل "البرلمان العربي" لتوفير ضمانات أوسع للدول المشاركة فيه.
- ثمة رأيان حول عضوية "البرلمان العربي":
الرأي الأول : يرى أن تصبح جميع الشعب الأعضاء في الاتحاد تلقائياً أعضاء في "البرلمان العربي" .
الرأي الثاني : دعو إلى جعل العضوية في "البرلمان العربي" اختياراً للبرلمانات الوطنية العربية أي أن تترك لكل برلمان وطني حرية الانتساب إلى "البرلمان العربي" بعد وضع الاتفاقية الخاصة بإنشائه.
- عضو "البرلمان العربي" يمثل الأمة العربية بأكملها، وليس مندوباً لبلاده وحدها في هذا البرلمان.
- يتمتع عضو "البرلمان العربي" بالحصانة البرلمانية في جميع الدول الأعضاء.
- الاستفادة من تجارب الدول التي مرت بظروف مماثلة، لا سيما في أوروبا وأمريكا اللاتينية.
مذكرة الأمانة العامة - محتويات الصفحة الحالية
ثالثاً - الاقتراحات :
- الإعلان في المؤتمر القادم للاتحاد البرلماني العربي عن تغيير اسم الاتحاد إلى اسم "البرلمان العربي".
- اعتماد مبدأ التدرج والمرحلية في إقامة "البرلمان العربي "، أي إقامة هذا البرلمان على مرحلتين على الأقل:
في المرحلة الأولى :
وهي مرحلة انتقالية يمكن أن تستمر من 3-5 سنوات يجري خلالها:
- تغيير اسم الاتحاد البرلماني العربي إلى"البرلمان العربي".
- تبقى الأجهزة الحالية التي يعمل الاتحاد البرلماني العربي من خلالها حالياً كما هي، وتعتبر آلية مؤقتة لعمل "البرلمان العربي". ويمكن إجراء تعديلات مناسبة في ميثاق الاتحاد ونظامه الداخلي لتأطير التغييرات المحتملة.
- تعديل الأهداف والمهمات التي يقوم بها الاتحاد حالياً بأن تضاف إليها أهداف ومهام جديدة تهيئ للمرحلة الثانية. ومن هذه الأهداف:
- وضع تصورات حول الجوانب التشريعية للتكامل العربي، وإصدار توصيات حول القوانين والأنظمة التي يمكن توحيدها في البلدان العربية.
- دراسة الاتفاقات المشتركة بين الدول العربية وإعطاء رأي استشاري حولها، قبل إقرارها من الآليات المعنية في منظومة العمل العربي المشترك.
- التنسيق مع جامعة الدول العربية في جميع القضايا ذات البعد القومي، والتوصل إلى صيغة مشتركة لتبادل التمثيل والحضور في اجتماعات مؤسسات العمل العربي المشترك.
- إقامة هيئات برلمانية في جميع القطاعات العربية المشتركة (على غرار الهيئة البرلمانية للسوق العربية المشتركة).
- زيادة عدد اللجان الدائمة في " البرلمان العربي" بحيث تضاف إلى اللجان القائمة في الاتحاد الآن لجنة جديدة هي: لجنة الحريات العامة وحقوق الإنسان.
- تمثيل الشعوب العربية في المؤتمرات والمحافل العربية والدولية التي تتم فيها مناقشة القضايا التي تهم الأمة العربية.
- تشكيل "البرلمان العربي" في المرحلة الأولى عن طريق التعيين، أي أن يسمى كل برلمان وطني ممثليه (7-10ممثلين) في "البرلمان العربي" المقترح لمدة يتم الاتفاق عليها أو لفترة المرحلة الأولى بأكملها.
- في المرحلة الأولى تكون جميع الشعب البرلمانية العربية الممثلة حالياً في الاتحاد تلقائياً أعضاء في "البرلمان العربي".
مذكرة الأمانة العامة - محتويات الصفحة الحالية
في المرحلة الثانية:
- تبدأ المرحلة الثانية بتقييم شامل لنشاط "البرلمان العربي" وإنجازاته في مختلف المجالات خلال سنوات المرحلة الأولى (الانتقالية).
- تتبع عملية التقييم وضع برنامج ملموس يهدف إلى:
- تعميق وتطوير الجوانب الإيجابية في عمل البرلمان
- سد الثغرات وتلافي النواقص.
- التشكيل النهائي لأجهزة البرلمان وهيئاته في ضوء تجربة المرحلة الانتقالية.
- تطوير الصلاحيات والمهمات الاستشارية "للبرلمان العربي" إلى صلاحيات تشريعية في قطاعات معينة.
- وضع اتفاقية دولية تتفق مع الدساتير العربية توقع من قبل الدول العربية، لتأسيس "البرلمان العربي" في حلته الجديدة.
- وضع مشروع نظام أساسي (ميثاق) ونظام داخلي جديدين "للبرلمان العربي" يتم إقرارهما في نهاية المرحلة الأولى.
مذكرة الأمانة العامة - محتويات الصفحة الحالية
الاجتماع المشترك - صفحة البداية