الاتحاد البرلماني العربي

مجلــة البرلمــان العــربي
السنة الثامنة والعشرون - العدد 101 : أيار (مايو) 2007

شعار الاتحاد البرلماني العربي

تقرير أولي عن أعمال
الندوة البرلمانية العربية الأولى
حـــول :
« الأنظمة الداخلية للمجالس التشريعية : الواقع وتحديات الإصلاح في العالم العربي »


.
تقرير أولي عن أعمال الندوة البرلمانية العربية الأولى حـول :
« الأنظمة الداخلية للمجالس التشريعية : الواقع وتحديات الإصلاح في العالم العربي »

انتظمت ، في الرباط عاصمة المملكة المغربية ، على مدى يومين أشغال الندوة البرلمانية الأولى حول « الأنظمة الداخلية للمجالس التشريعية : الواقع وتحديات الإصلاح في العالم العربي » بتنظيم من « مبادرة التنمية البرلمانية في المنطقة العربية » التابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، وشراكة كل من مجلس النواب المغربي ، والاتحاد البرلماني العربي ، والاتحاد البرلماني الدولي ، وبدعوة اثنتي وعشرين دولة عربية ، ومشاركة فعلية لـ 14 دولة عربية .
توزعت أشغال اليومين – بعد الجلسة الافتتاحية التي خُصصت للكلمات الجيدة والإطلاق الرسمي لدراستي « البرلمان والديمقراطية في القرن الواحد والعشرين : دليل للممارسة الجيدة » و « حقوق النائب وواجباته في المجالس التشريعية العربية : دراسة مقارنة للأنظمة الداخلية للبرلمانات العربية » و « بوابة المعرفة في مجال التنمية البرلمانية في المنطقة العربية » – على ست جلسات خُصصت الأولى لـ «قراءة مقارنة للأنظمة الداخلية للمجالس التمثيلية العربية » ، في حين تناولت الجلسات الثلاث التالية مناقشة قضايافرعية ذات صلة بـ «الأنظمة الداخلية والرقابة الفعالة » ، ودور الأنظمة الداخلية في تشجيع المشاركة التعددية السياسية ،
و « إصلاح الأنظمة الداخلية للمجالس التمثيلية ودورها في تعزيز الديمقراطية » ، أما الجلسة الرابعة فقد بَسَطت « تجارب دولية في إصلاح الأنظمة الداخلية للمجالس التمثيلية » في كل من أسبانيا ، وبلجيكا ، وفرنسا ، والمملكة المتحدة ، قبل أن تعقُبها جلسةُ سادسة وأخيرة هي عبارة عن « طاولة مستديرة للتفكير في أفق إصلاح التسيير الداخلي للمجالس التمثيلية العربية » .
ليس ثمة شك في أن للائحة الداخلية أو النظام الداخلي مكانةً في العمل البرلماني وتنشيط وعقلنة أداء المجالس التمثيلية ، فبقدر ما قد تساعد أحكامُها على تيسير عمل البرلمانيين وصيانة حقوقهم ، وإمدادهم بما يُسعفهم في الوفاء بواجباتهم ، بالقدر نفسه قد تعوق نشاطهم ، وتعقد سُبل الارتقاء بهم إلى ما يستلزم منهم واجبُ التمثيلية من مهنية ، واقتدار ، وفعالية ، ومسؤولية . لذلك ، لا يختلف اثنان في أن مناقشة « النظام الداخلي » والنظر في مضامينه وطبيعة أحكامه ، ليس أمراً تقنياً ، بقدر ما هو مسألة سياسية بامتياز ، وقضية على درجة بالغة من الأهمية من زاوية حسن تدبير عمل المجالس التمثيلية ، بما يُعزز المساعي الديمقراطية وفي صدارتها الديمقراطية البرلمانية .
يُسجَّل للندوة كونها شكلت فرصة لتبادل الآراء والأفكار والمعلومات والمعطيات والتجارب والخبرات حول موضوع مفصلي في تدبير العمل البرلماني على امتداد البلاد العربية ، والحال أنه تبادل وإن حُصرت قصديته في المستوى الأفقي ، أي بين بلاد عربية تنتسب ، من حيث الانتماء ، إلى فضاء تاريخي وحضاري مشترك ، فقد امتدت ، بما يفيدها ، إلى تجارب عمودية راكمت قدراً من الخبرة في الاجتهاد والممارسة [ أسبانيا ، بلجيكا ، فرنسا ، المملكة المتحدة ] ، ويمكن القول ، دون تردد أن الندوة ، وهي الأولى من نوعها أدركت مقصداً بيداغوجيا مهماً ، حين وفرت ظروف استكشاف واقع الأنظمة الداخلية للمجالس التشريعية في البلاد العربية، التي وإن اختلفت وتباينت في الدرجة ، فقد استمرت في جلها مُنشدة إلى الطبية ، محكومة بيئتها العامة ، ومرتهنة بمعطيات ذات صلة بالدولة والسلطة وما يرتبط بهما . فهكذا ، استطاعت المناقشات ، الغنية ، الثرية والمثمرة ، للسادة المشاركين إمكانيات الاقتراب من تشخيص واقع الأنظمة الداخلية للمجالس التشريعية ، وإن اختلفت درجته من قطر إلى آخر ومن تجربة إلى أخرى ، كما نجحت بتقديم اقتراحات لإصلاح حال الأنظمة الداخلية ، بما يُعزز مكانة المجالس التشريعية ، ويساعد على توسيع وتوطين قيمة الديمقراطية في المجال السياسي العربي ، باعتبار المؤسسة التشريعية أحد مكوناته الأساسية .
أولاً : حول القضايا الأساسية المثارة في النـدوة :
فرض الموقع المميز للنظام الداخلي في الهندسة العامة للمؤسسات الدستورية نوعية المناقشات التي تناولتها أشغال الندوة الإقليمية العربية حول « واقع وتحديات إصلاح الأنظمة الداخلية للمجالس التشريعية العربية » ، وإذا كان في مُكنِ مُعـدّ التقريـر – وهذا ما سعى صادقاً إلى إدراكه – الالتزام بأمانة المناقشات وكثرتها ، وتنوع اتجاهاتها ومراميها ، فإن القضايا الأساسية المثارة على مدى اليومين طالت ما له صلة بالنظام الداخلي ، وفي أحيان محدودة تجاوزته إلى ما له علاقة بمتغيرات أعمّ وأعمق :
  • ثمة اقتناع مشترك ، وهذه هي القضية الأولى ، بأن للأنظمة الداخلية مكانة مركزية في البنيان الدستوري والقانوني والمؤسساتي في البلاد العربية . كما أن الوعي حاصلُ بالحاجة إلى تعديل ومراجعة الأنظمة الداخلية بالتدقيق والتحيين ، بما يسمح لها بالمساهمة في ترشيد العمل البرلماني ، وتطويره ، والرفع من قدراته ، وبما يفتح الآفاق الواقعية والممكنة لجعل المؤسسة التشريعية فاعلة وفعالة ، وقادرة على تعزيز المساعي الديمقراطية في المجال السياسي العربي ، وتوطينها في الثقافة السياسية .
  • وفي سياق مناقشة طبيعة الإصلاح المأمول إدخاله في هذا المقام ، أثيرت مسألةُ توحيد الأنظمة الداخلية للمجالس التمثيلية العربية ، ومدى إمكانية صياغة نموذج إرشادي يُهتدى بها في عموم البلاد العربية ، بيد أن الاتجاه الغالب والراجح في النقاشات استبعد الفكرة من أساسها ، لوجود مسارات مختلفة في تجارب الدول العربية وواقع أحوالها ، وإن تم التشديد على أهمية السعي إلى التوافق حول المعايير الجيدة المشتركة التي ينبغي أن تحكم الأنظمة الداخلية وتنظم مقتضياتها ، وتؤطر نشاط ممارسيها على صعيد العمل البرلماني .
  • تأسيساً على الملاحظات التي أثارها مجمل المتدخلين بخصوص غموض بعض أحكام الأنظمة الداخلية ، وعدم وضوحها ، أو عدم دقة صياغتها ، طُرحت قضية « التأويل » التي تطال مقتضيات الأنظمة الداخلية على صعيد التطبيق والممارسة ، والتي قد تنجم عنها أضرار بحقوق وواجبات أعضاء المجالس التشريعية ، وطريقة أدائها . وفي هذا الصدد ، تم التشديد ، كما سيتم بيانه في شق الاقتراحات، على أهمية أن ترد الصياغات متوازنة ، ودقيقة وواضحة ، درءاً لما من شأنه أن يُعرض المبادئ والقواعد المستنبطة في أحكام الأنظمة الداخلية لسوء الفهم وعدم السلامة في التطبيق .
  • من القضايا التي حظيت بنصيب وافر من الاهتمام على صعيد المناقشات ، مكانة المعارضة والأقليات السياسية في متن نصوص الأنظمة الداخلية للمجالس التشريعية العربية ، ومدى تأثير ذلك سلباً أو إيجاباً على العمل البرلماني . فليس ثمة شك، أن من مقاييس الحكم على وجود الديمقراطية من عدمها ، الموقع المخول للمعارضة في سجل الحياة الداخلية للبرلمانات وثقافة ممارسيها .
  • تُحيل قضية المعارضة على أسئلة الفعالية ، والشفافية ، والنزاهة ، والمساءلة، والمشاركة ، وكل ما يدخل ضمن تفاصيل مبادئ الحكامة البرلمانية الجيدة . فمما لا قد يُختَلَفُ حوله أن « الديمقراطية –كما نص على ذلك بيان مؤتمر الأمم المتحدة لسنة 2005– قيمة عالمية لا تنتمي إلى أي بلد أو إقليم بعينه » ، ولأنها كذلك فهي قابلة للقياس والتأكد والمعاينة .
  • وفي السياق نفسه أثيرت أمور متفرقة يجمعها خيط ناظم قوامه المتغيرات المؤثرة سلباً أو إيجاباً في طبيعة الأنظمة الداخلية للمجالس التشريعية ، وعلاقتها الطردية بتعزيز الديمقراطية في العمل البرلماني والعمل السياسي بشكل عام ، يتعلق الأمر بطبيعة العلاقة بين السلطتين السياسيتين التشريعية والتنفيذية في النظم العربية ، وحدود تأثير النظام أو النظم الانتخابية المعتمدة ، ونوعية التقطيع الانتخابي ، وما يدخل في عداد معطيات بيئة الأنظمة الداخلية للمجالس التشريعية ، والتي تمتلك ، دون شك ، أهمية خاصة في إدراك حدود تأثير الإصلاح المرتقب للأنظمة الداخلية في تطوير المؤسسات التشريعية العربية ، بما يجعلها متناغمة مع متطلبات القرن الواحد والعشرين .
  • طُرحت أيضاً قضية التواصل بين المجالس التشريعية وما يرتبط بها ويتصل بها من مكونات أخرى ، وفي صدارتها المجتمع ، الذي يُفترض في أنه مصدر السيادة والممارس الأصلي لها ، وكذا الإعلام بكل تعابيره وأشكاله . وفي هذا الصدد نوقشت المعوقات التي تجعل حضور المجتمع كبعد مركزي في العمل التشريعية محدوداً ، ولماذا لم تتح أمامه مقومات وشروط تيسير ولوجه إلى مصادر عمل البرلمانات ، ويوسع من دائرة شفافيته ، والأمر نفسه ينسحب على قطاع الإعلام والأدوار المنوطة به في المتابعة والتنوير .
  • تم التعريج ، بدون التعميق المطلوب، على قضية بالغة الأهمية في نظر مُعد التقرير ، يتعلق الأمر بالبرلماني نفسه والإطار السياسي أو المجتمعي المنتج له . إن إشكالية النخبة البرلمانية ، من حيث طبيعتها ، طريقة انتقائها وترشيحها ، خلفياتها التعليمية والاجتماعية ، كفاءتها واستقامتها ، إمكانيات محاسبتها ومتابعة أعمالها ، ثقافتها السياسية ، جديرة بالاهتمام والتأمل في سياق النظر في أفق إصلاح الأنظمة الداخلية كمدخل لإصلاح المنظومة البرلمانية والسياسية .
  • طُرحت أيضاً قضية التمثيلية على صعيد المرأة [ النوع ] وقطاع الشباب ، والشروط اللازمة لجعل معيار التكافؤ ممكناً ومحققاً . فمما لاشك فيه أن القطاعين الموما إليهما يكتسبان أهمية استراتيجية في سيرورة السعي إلى إصلاح الأنظمة الداخلية، وتعزيز المساعي الديمقراطية.
ثانياً : بشأن بعض الاقتراحات ذات الشأن:
تخللت أشغال الندوة جملة من الاقتراحات عكست درجة وعي المشاركين مركزية الأنظمة الداخلية ، وحدودها في تطوير العمل البرلماني بما يساهم في توطين قيمة الديمقراطية ويضمن استمرارها. وإن بدا لمعد التقرير رجحان النقاش حول القضايا المشار إليها على تقديم الاقتراحات الكفيلة بتكوين صورة تقريبية عن النموذج الإرشادي للنظام الداخلي المنشود على صعيد البلاد العربية ، فإن ثمة ما تضمنته بعض العروض ذات الطابع القطري [ لبنان – المغرب ] ، أو ما يمكن استنتاجه ، وعبر مفهوم المخالفة ، من متن النقاشات الغنية والمستفيضة أحياناً ، وهو ما تود بيانه تباعاً:
  • ففي باب توضيح نصوص الأنظمة الداخلية للمجالس التشريعية ، تم اقتراح أن تكون لغة الصياغة دقيقة وغير مبهمة ، وأن تتسم بالشمولية في الإحاطة والتدقيق ، درءاً للجوء غير السليم للتفسير والتأويل ، الذي ، كما أسلفنا القول ، غالباً ما يمارس بشكل غير سليم من قبل السلطة التنفيذية .
  • ترتبت عن إثارة قضية وضوح الأنظمة الداخلية مجموعة اقتراحات تتعلق بما يجب أن يكون عليه النظام الداخلي الجيد من حيث المضمون والمحتوى . فمما تم التشديد عليه في هذا المقام ، القواعد والمبادئ التي يجب أن تستنبطها أحكام الأنظمة الداخلية ، من حيث فعالية الأجهزة المكونة لبنية البرلمان من مجلس ولجان وفرق وجلسات عامة ، وما يسعفها في القيام بالمطلوب منها ، ليس لتمكين الأغلبية التي مكنتها صناديق الاقتراع من الاستفادة من ذلك ، ولكن أيضاً لرسم مساحة معقولة للمعارضة والأقليات السياسية في الإعلان عن نقدهم لسياسات الأغلبية وتقويم مظان الازلاق التي قد لا تنتبه إليها على صعيد الممارسة ، فالأغلبية تستقيم وتكون فاعلة بوجود معارضة جيدة ، ولعل أولى شروط الجودة في هذا المقام ، تحظى بشرعية الاعتراف الواعي والمسؤول .
  • استكمالاً لما سلف ذكره ، تم التعرض لمجموعة من الاقتراحات الخاصة بآليات إشاعة قيم الحكامة في العمل البرلماني من خلال إصلاح الأنظمة الداخلية للمجالس التشريعية العربية . وفي هذا الصدد ، وفي ضوء الحالتين اللبنانية والمغربية ، تمت الإشارة إلى سلسلة من الاقتراحات ذات الصيغة العملية ، من قبيل تطوير الفعالية عبر تكثيف وتيرة جلسات المناقشة العامة وسائر أعمال الرقابة ، وتطوير الشفافية بالنسبة للهيئة العامة ، وتطوير الحوار السياسي المؤسسي ، وآليات الولوج إلى المعلومات ، وطبعاً تمتين وسائل المساءلة والمحاسبة ، من خلال الآليات الدستورية المألوفة ، وأيضاً تطوير المشاركة المواطنية ، والاجتهاد في الوسائل المعبرة والضامنة لها ، من قبيل العرائض والشكاوى ، دون نسيان الدور المركز للقضاء في هذا المضمار .
  • تم تقديم اقتراحات عديدة في مجال رفع قدرات الإدارة البرلمانية بتوفير بنية قادرة على دعم العمل البرلماني وتعضيده بالخبرات والكفاءات اللازمة لخلق عمل برلماني فعال وجيد ، سواء عبر التكوين المستمر ، أو الندوات ، والورشات ، أو من خلال الاستعانة بالخبرة وإقحامها كبُعد لازم للعمل التشريعي ، إضافة إلى البنيات اللجستية التي توفرها الآن الثورة المتسارعة في وسائل الاتصال والتواصل ، فالبرلمانية في القرن الجديد تشترط تأهيلاً جديداً يجعلها متناغمة مع متطلبات الألفية الثالثة .
أضفت الجلسة ما قبل الأخيرة طابعاً خاصاً حين صاغت السؤال المعروف : ما العمل ؟ ، وما السبيل لنقل المناقشات من المحسوس إلى الملموس ؟.. لعل قيمة هذا السؤال ، في نظر معد التقرير ، تكمن في كونها ذكرت نسبياً المشاركين في أن رحلة الإصلاح بأفق الدمقرطة لا يشكل النظام الداخلي سوى خطوته الأولى ، وأن رحلة الألف ميل ربما ستبدأ بهذه الخطوة بالضبط.

العدد 101 - صفحة المحتوى


[الاتحاد البرلماني العربي - صفحة البداية] [البرلمان العربي - قائمة الأعداد] [منشورات الاتحـاد] [بريد الاتحـاد]