|
مجلــة البرلمــان العــربي
|
|
|
|
| ||
|
مـــن التقــارب المتوســطي إلى الحـوار 5 زائد 5 |
. |
إلى الحـوار 5 زائد 5 إعداد : المنذر الرزقي إنه المتوسط ذاك البحر الذي لا يضاهيه محيط بما شهدته ضفافه من أحداث على مرّ التاريخ ، وما تميزت به العلاقات شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً من نزاعات وصدامات وحروب أحياناً ومن تقارب وتواصل وتكتل أحياناً أخرى . وإذا كان التقارب المتوسطي قد اتخذ خلال العشرية الأخيرة بُعداً مصيرياً في تمثّل مستقبل المنطقة فإن بوادر نشأة السعي إلى إيجاد صيغ للانسجام المتوسطي قد ظهرت منذ عقود . أولاً – نشأة فكرة التقارب المتوسطي: لقد سجل النصف الثاني من القرن العشرين ظهور عدد من محاولات التقارب الجزئية بين دول المتوسط سواء كان ذلك في إطار خصوصي محدد على غرار الحوار العربي الأوروبي أو في إطار عام أوسع من المتوسط كالذي توفره حركة عدم الانحياز أو مؤتمر التعاون والأمن في أوروبا أو حتى في إطار المنتظم الأممي . 1 – الحوار العربي الأوروبي يشكل الحوار العربي الأوروبي الذي انطلق سنة 1973 أوسع محاولات التقارب المتوسطي انتشاراً جغرافياً وأكثرها جدية . وحتى إن لم تكن لهذا الحوار مطامح متوسطية شاملة بقدر ما كان يرمي إلى تأسيس قناة تواصل بين أبرز مجموعتين دوليتين حول المتوسط إحداهما على الضفة الشمالية وهي المجموعة الأوروبية والثانية على الضفة الجنوبية وهي جامعة الدول العربية ، فإنه كان يغطي أوسع رقعة جغرافية حول المتوسط . ودون الرجوع إلى الظروف التي ألمّت بميلاد هذا الحوار يمكن التأكيد على أن منطلقه تاريخي حضاري على أساس متكافئ ، وأن غايته المباشرة إقليمية وهي خير الإنسان على الضفتين ، وأن غايته المطلقة عالمية وهي تحقيق خير الإنسانية . هذا ما يتبدى من خلال التعريف المشترك لهذا الحوار على أنه : « تفاعل بين حضارتين عظيمتين لكل منهما إسهامهما العظيم في التراث الحضاري الإنساني ومن ثم فإنه يستهدف خير الإنسان العربي والإنسان الأوروبي ويتطلع لبناء عالم أفضل يعمه الرخاء ويسوده السلام القائم على العدل » . وقد استند هذا الحوار إلى ركنين أساسيين أولهما سياسي يتمثل في الانخراط الأوروبي في تحقيق السلام العادل في الشرق الأوسط ، وثانيهما اقتصادي يتمثل في رعاية المصالح المشتركة للجانبين وتطويرها . وشهد هذا الحوار إحداث عدد من الهياكل نذكر منها اللجنة العامة وسبع لجان قطاعية ولجنة ثلاثية . كما تم تشخيص جملة من المشاريع المشتركة الهامة والطموحة التي اصطدم تجسيمها بعدد من العراقيل الناجمة بالخصوص عن :
في مطلع السبعينات بدأ يبرز لدى الدول المتوسطية من مجموعة دول حركة عدم الانحياز وعي بوحدة المتوسط وبضرورة إيجاد أرضية تفاهم بين دول المنطقة واجتثاث كافة مصادر التوتر بينها . وقد تطارحت هذه الدول جملة من الأفكار والبرامج الرامية إلى تحويل المتوسط إلى فضاء أمن وتعاون وسلام نخص بالذكر منها :
3 – التقارب المتوسطي عبر التفاعل مع ندوة الأمن والتعاون في أوروبا . ندوة الأمن والتعاون في أوروبا إطار آخر تتأكد فيه فكرة المتوسط عبر انخراط عديد الدول المتوسطية غير الأوروبية في هذه الندوة التي انطلقت في هلسنكي سنة 1971 . وهذا الانخراط يعكس الطبيعة الشمولية التي تميز نظرة هذه الدول للفضاء المتوسطي كما يترجم سعيها إلى الإقناع والفعل لغاية ربط مسار الأمن والتعاون في أوروبا بمسار الأمن والتعاون بالمتوسط ليشكلا مساراً واحداً . وقد توصلت الدول المتوسطية غير الأوروبية رغم طبيعة مشاركتها إلى دفع ندوة هلسنكي إلى تخصيص باب كامل من بيانها الختامي سنة 1975 للمسائل المتصلة بالأمن والتعاون في المتوسط . وقد تحقق ذلك نتيجة مشاركاتها المتواصلة في الاجتماعات المنعقدة في إطار الندوة وتقديمها لوجهات نظرها في كافة القضايا المطروحة صلب تلك الاجتماعات . وفي هذا الإطار لا يمكن التغاضي عن الدور الإيجابي الذي اضطلعت به جلّ دول جنوب أوروبا في سبيل توسيع الرؤية الأوروبية لمسألة الأمن والتعاون لتشمل المتوسط بحيث شكلت هذه الندوة بدورها إطاراً ملائماً آخر لتشكل رؤية متوسطية أوسع لقضايا هامة مطروحة تتصدرها قضيتا الأمن والتعاون . 4 – التقارب المتوسطي في إطار المنتظم الأممي لم يكن للوعي المتوسطي الذي بدأت تتشكل معالمه في الأطر التي سبق استعراضها أن يغيب عن الدول المتوسطية في الإطار الأمثل الذي يوفره المنتظم الأممي حيث كان لها دور فاعل في إعطاء مكانة دولية لمفاهيم ورؤى جديدة إقليمية المنشأ مثل :
لذلك لا غرابة في أن يشكل الحوض الغربي للمتوسط مسرح المبادرات الجادة لبلورة تمشي متوسطي . إنه يمثل فعلاً نواة المتوسط الصلبة التي يمكن أن يستند إليها أي مشروع متوسطي شمولي . على هذا الأساس بالذات جاءت مبادرة دول غربي المتوسط سنة 1990 بإرساء حوار شامل بينها اصطلح عليه بجوار 5 زائد 5 . ثانياً – الحوار 5 زائد 5 أو البعد المصيري في تمثل مستقبل المنطقة : انطلق الحوار 5 زائد 5 خلال الدورة الوزارية الأولى التي انعقدت بروما خلال شهر أكتوبر سنة 1990 بعد أن مهد لذلك اجتماع سباعي انعقد يوم 22 مارس من نفس السنة بروما وشاركت فيه كل من فرنسا وإيطاليا وأسبانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا ، وذلك في مستوى مديري وزارات الخارجية . وقد انعقدت الدورة الوزارية الثانية لهذا الحوار خلال شهر أكتوبر سنة 1991 بالجزائر وتم إحداث ثمانية فرق عمل وزارية لغاية ضبط برامج للتبادل والتعاون بين دول غربي المتوسط . وكان من المفروض عقد اجتماع في مستوى القمة خلال سنة 1992 بتونس إلا أن هذا الحوار قد تعطل بسبب العقوبات الأممية التي تم تسليطها على ليبيا في جانفي 1992 . تجمّد هذا الحوار على امتداد عشرية كاملة (1991 – 2001 ) لتنبعث فيه الروح من جديد خلال اجتماع وزراء خارجية الدول العشرة يومي 25 و 26 جانفي 2001 بلشبونة ببادرة برتغالية ، وتتحرك آلياته وفق وتيرة تصاعدية لينتهي إلى برمجة أول اجتماع في مستوى القمة ستحتضنه تونس يومي 5و6 ديسمبر 2003 . فما سر هذه الحركية الجديدة بعد سبات عشر سنوات ؟ وما هي الرهانات المطروحة ؟ لا مراء في أن الصدفة وحدها لا تكفي لتفسير تزامن تمسك عشر دول بإعادة تنشيط حوار اقطع بينها في صيغة الجمع طيلة عقد كامل ، فلابد من وجود عوامل موضوعية قد تفاعلت فيما بينها فدفعت إلى مثل هذا الخيار الجماعي . هذه العوامل التي نستشفها بالخصوص من الأحداث التي طبعت مسيرة المنطقة خلال الفترة المنقضية يمكن تلخيصها كما يلي : أ) التحولات العميقة في العلاقات الدولية إن التحولات العميقة التي شهدتها العلاقات الدولية خلال العشرية الأخيرة من القرن الماضي وفي مستهل هذا القرن حيث فقد العالم نظامه المبني على الثنائية القطبية دون أن يتحول تماماً إلى نظام أحادي القطبية خلافاً لما يؤكده عديد المحللين ليبقى في حالة مخاض لا نهاية له مثلما تؤكده الأحداث الدولية ولاسيما المحاولة الأحادية في معالجة الملف العراقي وما آلت إليه من تطورات غير متوقعة بشهادة وزير الخارجية الأمريكي ذاته ، بما يسمح باستخلاص جملة من الاستنتاجات الأولية لعل أهمها :
إن إقدام الاتحاد الأوروبي على قبول انضمام عشر دول جديدة دفعة واحدة بداية من سنة 2004 ودولتين إضافيتين بداية من سنة 2007 لم يشكل مفاجأة لكل من يدرك الرهان السياسي الذي يحمله هذا التوسع وتابع المسار التأهيلي الذي مرت به الدول المرشحة للانضمام للاتحاد وذلك منذ سنة 1993 حيث تم اعتماد مبدأ التوسع لكن مع ضبط شروط مسبقة في الغرض . إلا أن هذا التوسع في اتجاه شرق أوروبا ووسطها قد أثار بعض المخاوف لدى الدول المتوسطية الأوروبية وغير الأوروبية . فالدول المتوسطية الأوروبية التي تولي اهتماماً كبيراً للمتوسط الذي تعتبره امتدادها الطبيعي وتدرك مدى تأثرها المباشر بهذا الفضاء كانت تخشى أن ينبني هذا التوسع الأوروبي في اتجاه الشرق على حساب الاهتمام بالفضاء المتوسطي الذي كرسه مسار برشلونة انطلاقاً من سنة 1995 . أما الدول المتوسطية غير الأوروبية ولاسيما المغاربية منها فقد كانت تخشى أن يكون للتوسع تأثير سلبي مباشر على مسار الشراكة مع الاتحاد الأوروبي . وبقطع النظر عن رجاحة مثل هذه المخاوف فإنها قد شكلت دون ريب أحد العوامل التي حفزت دول الخوص الغربي للمتوسط بضفتيه للعودة للحوار الجماعي في إطار لا يحتاج للإحداث باعتباره موجود مسبقاً وهو الفضاء خمسة زائد خمسة . ج) المنافسة الأمريكية في مجال التعاون مع المغرب العربي : في إطار سياستها الرامية إلى تكريس زعامتها للعالم ، وأمام التشكل التدريجي والفعلي للاتحاد الأوروبي وتعاظم وزنه على الساحة الدولية ، وبروزه كقطب مستقل نسبياً عن الإرادة الأمريكية , واعتباراً للموقع الاستراتيجي الذي يحتله المغرب العربي بالنظر للعملاق القادم ، وسعياً منها للحضور في المتوسط وكسب المواقع في مختلف الواجهات ومواجهة الشراكة الأورومتوسطية , بادرت الولايات المتحدة الأمريكية خلال شهر جوان 1998 بعرض مشروع شراكة أمريكية مغاربية عن طريق كاتب الدولة للشؤون الخارجية ، ستيورات ايزنستات . ويرمي هذا المشروع بالخصوص إلى : وقد تم في هذا الإطار إبرام اتفاق إطاري للتجارة والاستثمار مع الجزائر في جويلية 2001 ومع تونس في أكتوبر 2002 . أما المغرب فقد أبرم اتفاقية للتبادل الحر في جوان 2004 . هذا يعني أن مشروع الشراكة الأمريكي المغاربي قد قطع أشواطاً لا يستهان بها على درب الإنجاز مما يدفع بالدول الأوروبية بالحوض الغربي للمتوسط إلى الاعتقاد في جدية هذه الشراكة التي قد تتحقق على حساب الشراكة الأورومتوسطية عموماً وعلى حساب التقارب بين دول غربي المتوسط على وجه الخصوص . هذا الاعتقاد يشكل في حد ذاته حافزاً هاماً لإعادة تنشيط الحوار خمسة زائد خمسة خاصة في ظل بداية ظهور ملامح الانفصام العضوي بين القوة الأعظم والقارة العجوز . د) إدراك الفتور النسبي في المسار الأورومتوسطي علقت دول غربي المتوسط آمالاً عريضة على المسار الأورومتوسطي الذي انطلق سنة 1995 تحت تسمية " مسار برشلونة " , إلا أن هذا المسار قد واجه ولا يزال صعوبات وعراقيل منها ما هو ظرفي ومنها ما هو هيكلي مما جعله ، رغم ما يحمله من إيجابيات لا يرتقي إلى تحقيق الآمال المعلقة عليه . ويتبين ذلك من خلال :
إذا كانت العوامل التي سبق استعراضها تشكل عناصر تسهيل وتحفيز ودفع فإنها ما كانت لتسمح وحدها بإعادة الروح لفضاء الحوار خمسة زائد خمسة الذي كان يحتاج إلى عنصر أساسي غاب عنه في المرحلة السابقة على الأقل في المستوى الجماعي . هذا العنصر الذي لعب دور المحرك الرئيسي هو الوعي الجماعي بحتمية اعتماد مقاربة مشتركة وشمولية للقضايا المطروحة ، وعي نضج على نار الأحداث الإقليمية والدولية ، وتحت وقع فشل التجارب الأحادية في معالجة قضايا إقليمية الطبيعة عبر مقاربات قطرية أنانية والتي غالباً ما كانت تطغى عليها الحسابات الضيقة . هذا الحوار في مستوى الخطاب على الأقل لا يزعم تشكيل هيكل جهوي أو إقليمي جديد في المتوسط ، بل ينفي مجرد احتمال منافسة مسار برشلونة الذي يبقى " الإطار المرجعي الذي يحظى بالأفضلية" وينحصر في كونه " إطار للحوار السياسي الخصوصي بين المغرب العربي وأوروبا الجنوبية . إطار يسمح بتبادل الرأي بصورة غير رسمية وبناءة بما يعكس تضامن دول غربي المتوسط العشرة وخصوصية الشراكة التي تجمعها " فإنه على ضوء الحركية التي يشهدها منذ جانفي 2001 ، وبالنظر للرهانات التي سبق تشخيصها والمقاربة المعتمدة في مواجهتها ، كل هذه العناصر تدفع إلى القول بأنه أكثر من " فضاء حوار غير رسمي " . إنه فضاء وظيفي للفعل المشترك لا يتطلع إلى مزاحمة الهياكل الموجودة سواء أكانت أفقية أم عمودية بقدر ما ينشد دفعها إلى العمل ويهيئ لها جهوياً الظروف الفضلى للعمل إقليمياً . إنه فضاء على غرار ما اعتبره الرئيس زين العابدين بن علي " سيعزز بلا شك الفضاءات الأخرى ويعطي دفعاً جديداً لعلاقات الشراكة " . |
|
|
||