|
مجلــة البرلمــان العــربي
|
|
|
|
| ||
|
دراسات عولمة السياسة والعولمة السياسية بقلم : عبد الخالق عبد الله قسم العلوم السياسية جامعة الإمارات العربية المتحدة ، العين
ظاهرة عولمة السياسة التي لا تزال في بدايتها هي من الظواهر الجديدة المصاحبة لبروز وتطور العولمة وحركة عولمة العالم كذلك فإن مفهوم العولمة السياسية هو من المفاهيم التي أطلت خـلال الآونـة الأخيرة ، والتي تحتاج للمزيد من التوضيح والدراسة . ورغـم تزايـد تداول هذا المصطلح إلا أنه لـم يتم بعد تعريفه أو حتى تحديد عناصره في الكتابات المتنامية حول العولمة . |
. |
عولمة السياسة والعولمة السياسية(1)
بقلم : عبد الخالق عبد الله(*)
وتشير أدبيات العولمة بوضوح أكبر لتعريف ظاهرة العولمة وتقدم مجموعة من التعريفات المختلفة للعولمة الاقتصادية وربما الثقافية ، إلا أن العولمة السياسية لا تزال مغيبة في هذه الأدبيات حيث لا يمكن العثور على تعريف دقيـق ومتفق عليه لهذا المصطلح الذي يوازي في أهميته مفهوم العولمة والعولمة الاقتصادية . فالأدبيات عامة ما تخلط بين مفهوم العولمة السياسية من ناحية ، ومفاهيم أخرى قريبة الصلة بموضوع عولمة السياسة وبروز النظام العالمي الجديد والاتجاهات نحو الأقلمة والأمركة والاعتقاد بانتهاء عصر السيادة والدولة القومية والمستجدات السياسية العالمية وما إلى ذلك من العبارات والمفاهيم السياسية الجديدة التي أخذت تدخل قاموس علم السياسة ، وخاصة حقل العلاقات الدولية . هذه المفاهيم وأخرى كثيرة تشير إلى تزايد حركة عولمة السياسة والاهتمام البحثي بالأبعاد السياسية للعولمة بعد أن أصبحت أبعادها الاقتصادية والثقافية والتكنولوجية أكثر وضوحاً مما كانت عليه عندما برز مفهوم العولمة أول ما برز خلال العقد الأخير من القرن العشرين . قسم العلوم السياسية جامعة الإمارات العربية المتحدة ، العين لكن على رغم تزايد الاهتمام بظاهرة العولمة عموماً إلا أن البحث في البعد السياسي للعولمة ودراسة حركة عولمة السياسة غير متقدم في البحوث والدراسات السياسية . وعلماء السياسة على غير العادة لم يبذلوا الجهد المطلوب لدراسة تأثيرات العولمة في السياسة ، كيف تتم عولمة العالم سياسياً . ويقول زبيغنيو بريجنسكي في التعليق على هذا التردد من قبل علماء السياسة تجاه الإحاطة بالظواهر والمستجدات السياسية العالمية المعاصرة « إننا في عالم جديد إلا أن علماء السياسة لا يزالون منشغلين بدراسة وتحليل العالم القديم الذي تم تجاوزه في الواقع . وعندما يبدأ هؤلاء العلماء بالتركيز على المعطيات والوقائع السياسية الجديدة يكون العالم قد تغير وتم استبداله بعالم جديد آخر » . تستجيب هذه الدراسة لهذه الدعوة لضرورة إحاطة علماء السياسة بالمستجدات السياسية التي أخذت تتدفق بغزارة غير معهودة . وستركز بشكل خاص على المجال السياسي العالمي الذي يتغير بأسرع من قدرة علماء السياسة وأدواتهم البحثية على دراسته ومتابعته وتحليله واستخلاص اتجاهاته . وتؤكد الدراسة أن السياسة ككل الظواهر التي تكتسح كل المجالات الحياتية الأخرى . فالعولمة تتسع وتتعمق وتشمل كل الأبعاد الحياتية اليومية وتؤثر في كل الجوانب بما في ذلك الجانب السياسي الذي يشمل السلوك والوعي والفكر والحدث والقرار السياسي، الداخلي منه والخارجي. لقد أصبحت السياسة معولمة والبشرية تعيش عصر عولمة السياسة وأصبح من المهم معرفة كيف تتم عولمة السياسة . إن هدف هذه الدراسة هو توضيح مدى تأثير العولمة في المعطيات السياسية كالدولة والسيادة والحكومات والقرارات ومخرجات ومدخلات النظام السياسي وكيف يؤثر بروز الكل العالمي على السلوك والوعي السياسي وعلى الهوية والمواطنة . وكيف تتم عولمة السياسة وما هي أهم تجليات وتجسيدات العولمة السياسية ومساراتها المستقبلية ؟ ثم هل بالإمكان التوصل إلى تعريف لمفهوم العولمة السياسية الذي أصبح من المفاهيم السياسية الواسعة التداول ؟ ستحاول هذه الدراسة الإجابة عن بعض من الأسئلة وستبدأ بالحديث عن حركة عولمة العالم. حركة عولمة العالم لقد أصبح من الواضح أن العالم يتعولم بأسرع وأعمق مما كان يتصور أو يتخيل . فحركة عولمة العالم التي كانت قائمة دائماً في كل المراحل التاريخية المختلفة اندفعت بقوة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة وازدادت اندفاعاً مع بداية الألفية الجديدة . كل المعطيات والمؤشرات والحقائق والتطورات تشير إلى أن الحياة المعاصرة هي اليوم أكثر عولمة والعالم أكثر انكماشاً والدول أكثر ارتباطاً والاقتصادات أكثر اندماجاً والثقافات أكثر انفتاحاً والبشرية عموماً أكثر التصاقاً وأكثر وعياً بانتمائها لكوكب واحد من أي وقت من الأوقات . وعلى رغم المظاهرات الاحتجاجية العنيفة والانتقادات المشروعة ضد العولمة الفجة ، فإن جدلية العولمة مازالت مستمرة ولم تتوقف أو تتباطأ ويبدو أنها لن تتوقف . فالعالم في طريقه لمزيد من الانكماش والدول في طريقها لمزيد من الترابط والاقتصادات تتجه نحو مزيد من الاندماج والثقافات في طريقها لمزيد من الانفتاح في المستقبل القريب . حركة عولمة العالم قطعت شوطاً واسعاً ليس على صعيد الواقع فحسب وإنما على صعيد وعي الأفراد بالعولمة . الواقع الاقتصادي والسياسي والثقافي يتعولم ووعي الأفراد بحركة عولمة العالم يتعمق . إن أكثر ما يميز عالم العولمة الذي هو قيد التشكل أنه عالم بلا حدود . توحيد العالم وتجاوز الحدود الجغرافية والاقتصادية والثقافية وكذلك الحدود السياسية وفي مرحلة لاحقة إلغاؤها ، ربما كلياً ونهائياً ، هو جوهر حركة عولمة العالم بدأت بيد أنها لم تكتمل بعد . كما أن الحدود بكل أشكالها المرئية وغير المرئية آخذة في التراجع التدريجي ، إلا أن العالم لم يصل بعد إلى مرحلة الانتهاء الكلي من الحدود. ووحدة العالم تبدو اليوم كما كانت دائماً فكرة طوباوية لا تمت للواقع بصلة . لكن على رغم أن العالم بلا حدود غير قائم على أرض الواقع، وتصوير العالم على أنه سيتوحد خلال المستقبل فيه كثير من المبالغات ، والاعتقاد بأن بالإمكان عولمة العالم عولمة كاملة يحمل كثيراً من السذاجة المفرطة ، على رغم كل ذلك فإن البشرية على ما يبدو في طريقها لتحقيق الكثير من هذه الغايات والتصورات حول بروز عالم بلا حدود ، والذي لم يعد بإمكان أحد الانعزال بعيداً عن مجرياته كما أكدت أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 المشؤومة . فالقوة الدافعة لخلق عالم بلا حدود والبنية التحتية والمؤسساتية لدمج الاقتصادات والقناعات الفكرية والنفسية لترابط المجتمعات وانفتاح الثقافات أصبحت جاهزة . هذه القوى والمعطيات والاستعدادات التكنولوجية والمعلوماتية التي تدفع في اتجاه النظر إلى العالم كوحدة واحدة والاقتصاد العالمي كاقتصاد واحد والبشرية ككتلة واحدة تعيش في مجتمع عالمي ، هي اليوم وفي هذه الفترة التاريخية أكثر نشاطاً ووضوحاً وتأثيراً من أي وقت آخر . مهما كان الأمر بالنسبة للمدى الذي قطعته حركة عولمة العالم ، فإن المؤكد الوحيد هو أنها ليست متوازية أو متوازنة . فالعولمة تحتوي بطبيعة الحال على فرص استثمارية ومعرفية واعدة كثيرة ، كما أنها تحتوي على مخاطر تنموية وسياسية وثقافية أكثر . الفرص والمخاطر جزء لا يتجزأ من حركة العولمة التي أصبح من المشروع النظر إليها كتطور تاريخي إيجابي أو سلبي في التاريخ الإنساني . فالعولمة قد تبدو لبعض الدول والفئات ومجتمعات أخرى إيجابية . ومن الطبيعي والأمر كذلك أن يستقبل بعضهم العولمة بحماس وانغماس ، وأن يميل بعض آخر للتوجس والانكماش واتخاذ المواقف الدفاعية منها . لكن مهما تباينت المواقف فإن الجميع ، المنغمسين والمنكمشين ، يقرون بوجود معطيات مثيرة وتحولات تأسيسية وحركة ضخمة في اتجاه عولمة العالم . العولمة مستمرة وهناك أكثر من تصور لحقيقة العولمة وأبعادها وتأثيراتها في الحياة . فالكاتب والمفكر البريطاني الاجتماعي انطوني غيدنز يقول أن العولمة هي في الأساس حالة حضارية جديدة ، هي حالة « ما بعد الحداثة » القائمة فعلاً في المجتمعات ما بعد الصناعية . إن من خصائص هذه الحالة أنها آخذة في الانتشار ، كما انتشرت في السابق موجة الحداثة إلى كل أرجاء العالم باستثناء أن انتشار العولمة يتم بأسرع من انتشار موجة الحداثة . ففي الوقت الذي استغرقت فيه الحداثة ثلاثة قرون لتصل إلى المجتمعات غير الأوروبية ، فإن العولمة في المقابل لم تستغرق أكثر من عقد واحد لكي تنتشر على الصعيد العالمي وتتغلغل في كل المجتمعات وتخلق حالة حضارية عالمية تميل لدمج العالم . في عصر العولمة تنتقل الحداثة من إطارها المحلي المنعزل إلى طورها العالمي المندمج . إن العولمة هي انتقال الحداثة من المحلية إلى العالمية ووصول الحداثة إلى أعلى مستوياتها وبلوغها آخر مراحلها . ويتبع ذلك أن المجتمع الإنساني يصبح المجتمع الإنساني العالمي والاقتصاد الوطني يتحول إلى الاقتصاد العالمي وعلى الإنسان الذي اقتصرت علاقته بالمؤسسات المحلية التواصل مع المؤسسات العالمية والتعامل مع القوى والرموز والاتجاهات الاقتصادية والفكرية والسلوكية على الصعيد العالمي. ويضيف غيدنز أن هذه الحالة المتقدمة من الحداثة تختلف عن الحداثة الأولى في كونها خارجة عن السيطرة . الحداثة عززت سيطرة الإنسان على بيئته الطبيعية وجعلته متحكماً في واقعه السياسي والاجتماعي، أما العولمة فإنها تخلق عالماً لا يخضع لسيطرة كائن من كان ولا يعرف من يوجه مساراته ويتحكم في اتجاهاته ، وهو مفتوح على كل الاحتمالات بما فيها أكثر الاحتمالات خطورة في التاريخ . أميركي توماس فريدمان فإنه في المقابل ينظر للعولمة نظرة نظامية حيث يقول أن العولمة هي نظام عالمي وليست حالة حضارية جديدة . العولمة هي نظام جديد يعيد تشكيل الدول والمجتمعات والأفراد والقناعات على جميع المستويات . هذا النظام برز على أثر سقوط الاتحاد السوفياتي وانحسار النظام الشيوعي وتراجع الفكر الاشتراكي وانتهاء انقسام العالم إلى شرق وغرب . لقد حل هذا النظام الاقتصادي والسياسي الجديد محل النظام العالمي القديم التي كانت تحكمه قوى وقواعد ومبادئ وأفكار وتوجهات سقطت جميعها مع سقوط نظام الحرب الباردة . النظام العالمي الذي حل محله له قواعده ومسلماته وقواه المختلفة كل الاختلاف. العولمة هي هذا النظام السياسي والاقتصادي والفكري العالمي الجديد الذي حل محل النظام العالمي . هذا النظام العالمي له عدة خصائص من أهمها أنه يميل لدمج العالم بدلاً من تقسيمه ويعطي الأولوية للحجم الصغير والأصغر والأمور السريعة والأسرع . السرعة المقاسة باللحظة بدلاً من السرعة المقاسة بالساعة هي السلعة الرابحة في ظل العولمة القائمة أيضاً على المنافسة الشديدة، التي لم تكن في أي وقت من الأوقات بهذه الحدة والضرورة للنجاح في كل مجال من المجالات الحياتية . من ناحية أخرى يرى المفكر البريطاني رولاند روبرتسون العولمة لا كنظام أو كحالة ، وإنما مجرد مجال اقتصادي واجتماعي وسياسي جديد يجمع بين المحلي والعالمي والفردي والإنساني ، حيث يصبح حضور وتأثير العالمي والإنساني مثل حضور المحلي والفردي ، المهم من هذا المجال هو البعد العالمي ، الذي يزداد حضوراً في الوعي وفي الوقائع الحياتية والفكرية ، حضوراً يتعايش مع المجال الفردي والمحلي والوطني ولا يحل بالضرورة محلهما . المجال الجديد الذي يتكون هو مزيج من العالمي والمحلي والفردي ، بيد أن المكون العالمي هو الجديد وهو الذي أخذ يزداد حضوراً في الوعي وفي الوقائع الحياتية المختلفة السياسية والاقتصادية والثقافية . المجال الجديد هو مجال متداخل وينقل البشرية إلى طور العالم المنكمش والمجتمع الواحد وربما الحكومة الموحدة والتي تنضوي تحتها البشرية في أنحاء العالم . إن أهم ما يميز العولمة في نظر روبرتسون هو أنها تتكون من شق مادي وآخر غير مادي . الشق المادي من العولمة يشير إلى حقيقة انكماش العالم . فالعالم في الواقع المادي ينكمش ويزداد انكماشاً ويصغر ويزداد صغراً . لكن الأهم من الانكماش في الواقع هو وعي الإنسان بهذا الانكماش . فالإنسان لا يعيش الانكماش فحسب، بل هو يدرك ويعي هذا الانكماش . بُعد وعي انكماش العالم هو البعد الجديد والأهم والذي يميز المرحلة الراهنة من مراحل بروز وتطور العولمة التي هي ظاهرة قديمة قدم الحداثة . هذه القراءات الثلاث تبدو من الوهلة الأولى مختلفة بعضها عن بعض ، بيد أنها تلتقي حول قضية جوهرية واحدة هي بروز الكل العالمي في الواقع وفي الوعي ، والذي لم يعد بالإمكان تجاهله أو حتى التفكير خارجه . فالكل العالمي يكبر والوعي به يزداد . هذا الكل العالمي بكل إيجابياته وسلبياته يتمدد ويتغلغل تدريجياً في الاقتصاد والثقافة والسياسة والجوانب الحياتية الأخرى . لقد أصبح الكل العالمي بارزاً وواضحاً ومؤثراً وهو في طريقه ليصبح بأهمية المحلي والوطني والفردي . لم يكن البعد العالمي والإنساني من قبل بهذا القدر من الوضوح أو الحضور كما أصبح عليه منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي . كما لم يكن هذا الكل العالمي بهذا القدر من التأثير الشامل في كل المجالات الحياتية بما في ذلك السياسة . فالسياسة تتأثر بحركة عولمة العالم وانعكس الكل العالمي على السياسة هو العولمة السياسية. حركة عولمة السياسة إذا استقر الرأي على أن العولمة تشير إلى تزايد حضور وتأثير الكل العالمي في الواقع والإدراك ، فالسؤال الآن هو كيف يبدو هذا الكل العالمي على الصعيد السياسي ؟ كيف يؤثر تزايد حضور الكل العالمي في السياسة ومفرداتها المختلفة ؟ أي كيف يؤثر الكل العالمي في الدولة والحكومات والقرارات والسياسات وفي مدخلات ومخرجات النظام السياسي ؟ هل يدفع في اتجاه إلغاء الدولة وانتهاء السيادة وربما أيضاً نهاية السياسة ؟ هل ستؤدي زيادة حضور الكل العالمي بالضرورة إلى إضعاف الدولة الوطنية ويكون هذا بمثابة بدايات قيام حكومة عالمية مركزية تعالج القضايا الإنسانية المشتركة ، وفي المقدمة قضية حقوق الإنسان ؟ ثم هل سيؤدي الكل العالمي إلى بروز ثقافة سياسية عالمية واحدة وبروز المواطنة العالمية التي ستحل محل المواطنة الراهنة ؟ والأهم من كل ذلك ما هي العولمة السياسية وكيف تتم عولمة السياسة ؟ حركة عولمة السياسة تتجسد في وقائع وظواهر عديدة وتأخذ تجليات كثيرة على أرض الواقع . ربما كان في مقدمتها ظاهرة المجال السياسي العالمي الذي أخذ يحل محل المجال السياسي المحلي ، وظاهرة أن السياسة في كل أرجاء العالم أصبحت اليوم مرتبطة بالسياسة في كل أرجاء العالم ، وظاهرة التدفق الحر وغير المقيد للسياسة على الصعيد العالمي ، ظاهرة تمدد السياسة خارج نطاق الدول القومية، وظاهرة لحظنة السياسة ، وظاهرة الزيادة غير المسبوقة في الروابط السياسية بين الدول والمجتمعات والأفراد ، وظاهرة لبرلة الثقافة السياسية وصعود النموذج الفكري والسياسي الليبرالي على الصعيد العالمي ، وأخيراً ظاهرة الأمركة التي قطعت شوطاً مهماً على أرض الواقع خلال السنوات العشر الأخيرة . هذه الظواهر وغيرها من المستجدات أو الإيحاءات تجسد معاً حركة عولمة السياسة توحي ببعض المعاني المختلفة للعولمة السياسية. إن أول ما تشير إليه العولمة السياسية هو بروز المجال السياسي العالمي . المجال السياسي هو جزء من الكل العالمي الذي يتمدد في الوقائع الحياتية والفكرية المعاصرة . والمجال السياسي العالمي يعني التفكير في العالم وتخيله كوحدة سياسية واحدة . طبعاً العالم كما هو قائم على أرض الواقع ليس وحدة سياسية واحدة ، ومن الصعب أن يتحول في المستقبل المنظور إلى وحدة سياسية واحدة . العالم المعاصر يتكون من وحدات سياسية بعضها منفصل ومنعزل ومتفاعل مع بعض . التجزئة وليست القرية العالمية ، مجزءاً أكثر مما هو موحد سياسياً . لكن التجزئة والعزلة السياسية في طريقهما للتراجع السريع وربما النهائي . ما يحدث على أرض الواقع هو بروز مجال سياسي عالمي يكبر ويزداد حضوراً وتأثيراً ، ويتمحور أساساً حول العالم الواحد وليس حـول الدولة أو الوحدات السياسية المنغلقة. في المجال السياسي العالمي الدولة ليست وحدها مركز السياسة ، وهي ليست مسؤولة مسؤولية كاملة عن أفرادها وأمنها وبيئتها وحتى مصيرها ومستقبلها . ستظل الدولة نظرياً تدعي القيام بهذه الوظائف والمسؤوليات وستتمسك بمفهوم وواقع السيادة ، لكن على الصعيد العملي وعلى أرض الواقع لم تعد الدولة الآن ولن تكون قادرة في المستقبل على الثبات على هذه الأحقية كما كانت تفعل خلال الـ 300 سنة الأخيرة ، منذ بروز الدولة القومية في أوروبا ، التي دخلت دولها مرحلة التخلي الطوعي عن بعض من مظاهر السيادة من أجل تحقيق هدف الاندماج الاقتصادي والسياسي الأوروبي . إن العولمة السياسية مرتبطة ببروز هذا المجال السياسي العالمي الذي يستمد حضوره من بروز مؤسسات وقضايا ومسؤوليات وقوانين وأزمات عالمية تتطلب إدارة عالمية تطرح حلولاً ومخارج مشتركة تتخطى الدول ، مهما كانت كبيرة أو عظيمة . إن الاتجاه المتزايد نحو بروز المجال السياسي العالمي يخلق ظاهرة أخرى من ظواهر العولمة السياسية هي أن السياسة في كل أرجاء العالم أصبحت مرتبطة بالسياسة في كل أرجاء العالم . لقد أصبحت هذه المقولة ، التي هي من أهم تجليات العولمة السياسية ، حقيقة قائمة اليوم أكثر من أي وقت مضى . إن فكرة أن السياسة في كل أرجاء العالم هي فكرة جديدة تعبر عن معطيات سياسية أكثر وضوحاً في ظل عولمة السياسة . وتشير فكرة أن السياسة في كل أرجاء العالم أصبحت مرتبطة بالسياسة في كل أرجاء العالم إلى أمور كثيرة مثل أن القرارات التي تتخذ في عاصمة من العواصم سرعان ما تنتشر إلى كل العواصم والتشريعات التي تخص دولة تستحوذ على اهتمام كل الدول والسياسات التي تستهدف قطاعات اجتماعية في مجتمع من المجتمعات تؤثر تأثيراً حاسماً في كل المجتمعات ، والأخبار والأحداث السياسية المحلية والإقليمية، كأزمة الخليج العربي عام 1990 ، والهجمات الجوية الصاعقة على كل من نيويورك وواشنطن في 11 أيلول/سبتمبر 2001 ، تستحوذ على اهتمام العالم بأسره وتنتقل بسرعة الضوء من شرق الكرة الأرضية إلى غربها ، وتخلق ردود أفعال عالمية تتجاوز الحدود السياسية التقليدية . لم تعد السياسة بهذا المعنى محلية كما كانت دائماً ، كما لم تعد هناك حدود للقرارات والتشريعات والسياسات التي أخذت تنتقل بحرية عبر القرارات ، ويرتبط بعضها ببعض ، لقد أصبحت التشريعات البشرية أمام حالة سياسية جديدة هي أن السياسة هنا ، أصبحت مرتبطة بالسياسة هناك ، والسياسة في الشرق مرتبطة بالسياسة في الغرب ، والقرار السياسي الذي يتخذ في آسيا يجد صداه مباشرة في أوروبا، والتشريعات التي تصدر في واشنطن تكون ملزمة لكل العواصم في العالم ، وقناعات شخص منعزل في كهوف أفغانستان تثير قلق كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين في أهم عاصمة في العالم اليوم ، ومقالة صغيرة يكتبها كاتب في صحيفة نيويورك تايمز تثير اهتمام النخبة السياسية الحاكمة في أبعد منطقة في العالم . مثل هذا الربط للسياسة في كل أنحاء العالم بالسياسة في كل أنحاء العالم وبهذا العمق والكثافة يحدث لأول مرة في التاريخ ويفتح آفاقاً جديدة وغير معهودة في التاريخ السياسي العالمي ، كما أنه يفرض وقائع سياسية عالمية جديدة وغير تقليدية تتجاوز المجال السياسي المحلي الذي أخذ يستبدل تدريجياً بالمجال السياسي العالمي . واتساقاً مع هذا التوجه نحو ارتباط السياسة في كل أرجاء العالم بالسياسة في كل أرجاء العالم يلاحظ دخول البشرية مرحلة التدفق الحر وغير المقيد للسياسة على الصعيد العالمي . فالقرارات والتشريعات والسياسات والقناعات والأزمات السياسية ليست مرتبطة بعضها ببعض فحسب، بل إنها تتدفق بحرية تامة بين المجتمعات والقارات وبأقل قدر من القيود وبسرعة الضوء متجاوزة الحدود السياسية والجغرافية . السياسة تتدفق اليوم بحرية أكثر كما أنها تنتقل بأقل قدر من القيود من أي وقت آخر . لقد أصبحت السياسة تصدر إلى الخارج كما تصدر السلع والمنتوجات ، بل إن ما يتدفق إلى الخارج هو أكثر بكثير مما يبقى ضمن الحدود الوطنية للسياسة ، الأمر الذي يعني أن التدفق الحر لكل ما هو سياسي قريب الشبه من التدفق الحر للمعلومات والبيانات والسلع والمنتجات والأفكار على الصعيد العالمي عبر الوسائط التكنولوجية والفضائية الحديثة . لقد سمحت هذه التقنيات للسياسة أن تتدفق أيضاً بالقدر نفسه من الحرية وتتمدد خارج الدولة ، وتتجاوز إطارها الجغرافي ونطاقها المحلي ، بل أن تخرج عن سيطرة الحكومات . إن السمة البارزة للسياسة في ظل عالم العولمة هي النزوع للعالمية والخروج على المحلية وعدم التقيد بقيود الزمان والمكان والتدفق بحرية تامة على الصعيد العالمي مضيفة بذلك المزيد من الحيوية للمجال السياسي العالمي . يتزامن مع هذا التدفق الحر والعابر للقارات بروز ظاهرة سياسية جديدة أخرى هي لحظنة السياسة ، والتي تحدث لأول مرة في التاريخ . فالسياسة تتدفق الآن بحرية بيد أنها أيضاً تتدفق من موقع لآخر بسرعة تقارب سرعة الضوء . سرعة تدفق السياسة هي بأهمية حرية تدفقها نفسها على الصعيد العالمي وعندما تتدفق السياسة بسرعة الضوء تكون قد دخلت مرحلة لحظنة السياسة والتي تشير إلى أن الحدث السياسي معه بالتفصيل الدقيق الذي يحدث في طرف من الكرة الأرضية يمكن مشاهدته ومتابعته ومعايشته والتفاعل معه بالتفصيل الدقيق في لحظة حدوثها نفسها في الطرف البعيد الآخر من الكرة الأرضية . كما تتضمن لحظنة السياسة انتفاء الفارق الزمني على رغم البعد المكاني للحدث السياسي . لقد بلغت البشرية مرحلة الزمن السياسي العالمي الواحد ، حيث لم تعد هناك أزمنة سياسية مختلفة كما كان عليه الأمر في السابق . ربما كانت الأمكنة مختلفة بيد أن الزمان السياسي أصبح اليوم واحداً وموحداً وهو في جوهره عالمي وليس محلياً ويدفع في اتجاه التوحيد السياسي للعالم ويصب في سياق بروز المجال السياسي العالمي . هذا التوحد الزماني للفعل والوعي السياسي هو تحول نوعي ، ويعني أن السياسة قد أصبحت بلا حدود والعالم على وشك أن يتحول إلى عالم بلا حدود سياسية . الحدود السياسية التقليدية المرتبطة بالدولة القومية في طريقها إلى التراجع والانتهاء ، كما أن الفصل التقليدي بين ما هو محلي وعالمي وبين الداخل والخارج ، هو أيضاً في طريقه إلى أن يصبح حزءً من التاريخ . لقد حدث تداخل شديد بين الداخل والخارج وحدث تواصل قوي بين المحلي والعالمي ولم يعد بالإمكان إجراء فصل بين المجالين . المجال السياسي المحلي لم ينتهي وربما لن ينتهي ، بيد أن عليه أن يتعايش مع المجال السياسي العالمي الذي يزداد حضوراً . المجال السياسي العالمي هو بلا حدود سياسية وذلك على نسق النظام الاقتصادي العالمي الذي هو بلا حدود اقتصادية. الحدود السياسية المتبقية هي مجرد حدود افتراضية ونظرية وهي في أحسن الأحوال مليئة بالثقوب وقابلة للاختراق . إن المحصلة الطبيعية للتدفق الحر والسريع للسياسة على الصعيد العالمي هي حركة لبرلة العالم وبروز اللحظة الليبرالية ، والتي هي السمة الأكثر وضوحاً من سمات عولمة السياسة في بداية القرن الجديد . فالعالم في هذه اللحظات الأولى من هذا القرن موحد في انجذابه للنموذج الليبرالي الذي يؤكد على حقوق الإنسان وحرياته السياسية والمدنية أكثر من انجذابه لأي نموذج حياتي وفكري آخر . إن الحرية هي الآن القيمة الصاعدة عالمياً والتي ستستمر في الصعود مستقبلاً بعد أن تراجعت معظم النماذج السياسية والفكرية الأخرى بما في ذلك النموذج الاشتراكي الذي يجسد قيمة العدالة . لقد كانت العدالة في النصف الأول من القرن العشرين هي القيمة الصاعدة والتي استأثرت باهتمام البشرية ، نتيجة للنجاحات التي حققها النموذج الاشتراكي على الصعيد العالمي ، بيد أن الأولوية الآن للحرية وليس للعدالة التي فقدت بعضاً من بريقها السابق على الصعيد العالمي ، دون أن يعني ذلك اختفاءها من الفكر السياسي العالمي ومن الوقائع الحياتية اليومية . فمعظم الدول والمجتمعات هي في مزاج ليبرالي ، وهي أكثر اقتناعاً بجدوى النموذج الفكري والسياسي الليبرالي الحر الذي حقق أكبر نجاحاته مع انهيار الاتحاد السوفياتي وانحسار الفكر الاشتراكي وفشل النظام الشيوعي المركزي . النموذج الليبرالي هو النموذج الذي يزداد انتشاراً ، وقد أصبح من دون منافس ، وهو مدعوم بقدرات وإمكانيات ونجاحات المجتمعات الصناعية والدول المتقدمة التي تسبق دول العالم في تبنيها للنموذج الليبرالي وتطبيقها مبادئ الاقتصاد الحر والتزامها بالديمقراطية وبالتداول الحر والدوري للسلطة ومراعاتها لحقوق مواطنيها في مجال التصويت والترشيح والانتخابات . إن أهم إفرازات صعود النموذج الليبرالي هو ديمقراطية العالم ، التي تشير إلى التزايد الملحوظ في عدد الدول الديمقراطية خلال السنوات العشر الأخيرة وتراجع عدد الدول والحكومات السلطوية والفردية ، والتي تكثر من انتهاكاتها لحقوق الإنسان وحرياته . لذلك فإن معالم الجدة في بداية القرن الواحد والعشرين هو بروز نظام عالمي جديد يبدو من الوهلة الأولى أكثر ديمقراطية وأكثر ليبرالية من النظام العالمي القديم . ويزامن بروز هذا النظام مع كون السياسة هي أيضاً أكثر عولمة من أي وقت من الأوقات . أخيراً وفي السياق ذاته ، فإن أكثر السمات إثارة للانتباه في الاتجاه نحو عولمة السياسة هي إمكانية بروز المواطنة العالمية والهوية الإنسانية التي بدأت تنافس وربما تحل تدريجياً محل المواطنة الوطنية والهوية المحلية الراهنة. إن بروز الانتماء العالمي والولاء الإنساني والوعي الكوني هو من أهم معالم عولمة السياسة ومن أكثر الأبعاد عمقاً على المدى البعيد . فالعولمة ، والعولمة السياسية بشكل خاص ، تتضمن تحولاً في تركيز ووعي واهتمام الفرد من المجال الوطني إلى المجال العالمي ، ومن المحيط الذاتي إلى المحيط الإنساني . هذا الارتقاء في الوعي ، من الطور القبلي والمذهبي إلى الوطني والقومي ، ثم إلى العالم فالكوني ، هو في قلب حركة العولمة التي تتضمن زيادة الوعي بعالمية العالم وبوحدة البشرية التي ستعيش عصر عالمية التفكير والمعرفة وعالمية الحقوق والواجبات وعالمية الإنجازات والأزمات وعالمية الطموحات والتطلعات وعالمية البقاء والفناء . المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية القادمة ستكون بطبيعتها عالمية ، والحلول المطلوبة ستكون أيضاً عالمية أكثر مما هي محلية . هذا الاتجاه المتزايد نحو العالمية سيدفع بالبشرية للنظر إلى ذاتها ككتلة واحدة ذات مصير واحد ، ويشترك بعضها مع بعض في قيم إنسانية عميقة ومشتركة تتخطى الخصوصيات الحضارية والمناطق الثقافية والذاتيات الوطنية . العولمة السياسية تعني هذا الاتجاه المتزايد نحو تعرف الإنسان على بُعده العالمي واقترابه من هويته الإنسانية والتي ستنمو وستصبح أكثر وضوحاً من أي وقت آخر . لقد كانت الهوية العالمية والإنسانية قائمة في كل المراحل التاريخية بيد أنها لم تكن بهذا القدر من الوضوح والحضور الذي أصبحت عليه والتي ستستقر عليه في المستقبل . إن المواطنة العالمية هي حالة إنسانية عامة بيد أنها ترتبط بشكل خاص ببروز الجيل الجديد جيل « اكـس Generation X » الذي هـو أكثر استخداماً للتقنيات الجديدة وإقبالاً على الثقافة الشبابية المعاصرة وتواصلاً مع القضايا العالمية واطلاعاً على المستجدات الدولية واهتماماً بمصير البشرية وانشغالاً بالرموز والشخصيات الفنية والرياضية والسياسية العالمية . هذا الانفتاح والتأثر والانجذاب بما يجري في الخارج وفي الفضاء العالمي ، والذي يبدو متسقاً مع بروز الكل العالمي في الوقائع والوعي والتنشئة الاجتماعية المعاصرة ، يجعل الجيل الجديد أكثر وعياً لهويته العالمية وأكثر إدراكاً لبُعده الإنساني من أي جيل سابق . هذا الارتقاء في وعي هذا الجيل وفي إدراك البشرية عموماً هو ارتقاء عفوي وتلقائي وربما حتمي ، وهو جزء لا يتجزأ من العولمة وحركة عولمة السياسة . لكن من المهم القول إن بروز المواطنة العالمية لا يعني تراجع وتهميش وإلغاء الهوية الوطنية ، كما أن الانتماء الإنساني لا يعني عدم الانتماء للوطن وسقوط الولاء للأسرة والجماعة أو الأمة، بل إن التواصل مع القضايا العالمية ، كقضية البيئة وحقوق الإنسان والانفجار السكاني والفقر وتزايد الفجوة بين الفقراء والأغنياء في العالم لا يعني فقدان الاتصال بالوقائع الوطنية أو تجاهل الهموم الحياتية اليومية والمحلية التي ستظل ملحة ، كما كانت في كل العصور السابقة لعصر العولمة . ستبقى الهوية الوطنية قائمة بل إنها ستتعزز ، لكن ستنمو بجانبها الهوية والخيال حيث ستشعر البشرية جمعاء وكأنها وحدة سكانية واحدة ومتلاحمة وتعيش على كرة أرضية واحدة مهددة من الخارج والداخل بمخاطر وجودية ومصيرية واحدة . إن العولمة السياسية تعني أن البشرية قد وصلت طوراً أقدامها فيه ستظل ثابتة في أوطانها ، بيد أن اهتماماتها وتطلعاتها ستمتد إلى الأفق العالمي البعيد ، حيث لن تتمكن الشجرة المحلية بعد الآن من أن تحجب عنها رؤية الغابة العالمية . الخاتمـة مهما كان الأمر بالنسبة لحركة عولمة السياسة ، فإن المؤكد الوحيد هو أن العالم يتغير ويتغير بأسرع مما يعتقد . والتغير الذي يجري حالياً يصب في مجمله في سياق عولمة العالم وبروز الكل العالمي وزيادة حضوره وتأثيره في الحياة والوعي . لكن من المهم الإشارة إلى أن حركة عولمة العالم ليست حركة متوازية أو متوازنة . فبعض الاقتصادات أكثر انفتاحاً من غيرها ، كما أن بعض المظاهر الحياتية هي أكثر تأثراً بحركة عولمة العالم من غيرها. فالاقتصاد أكثر عولمة من الثقافة والثقافة أكثر عولمة من السياسة والعالم معولم اقتصادياً أكثر مما هو معولم ثقافياً، كما أنه معولم ثقافياً أكثر مما هو معولم سياسياً . والعولمة السياسية بمعنى قيام الحكومة العالمية الواحدة وبروز عالم بلا حدود سياسية ستظل مشروعاً مستقبلياً لم ينجز بعد . لذلك وعلى رغم كل مظاهر عولمة السياسة إلا أن السياسة ستظل إلى وقت طويل محلية أكثر مما هي عالمية ، وسيظل المجال السياسي المحلي أكثر حضوراً من المجال السياسي العالمي ، بل إن الدولة القومية ستقاوم بشراسة حركة عولمة السياسة وبالتالي فمن السابق لأوانه الحديث عن نهاية الدولة القومية وانتهاء السيادة . مهما انكمش العالم ومهما ازداد ترابطاً، ستظل الدولة الصغيرة منها والكبيرة ، مهمة ومحورية وستؤدي أدوارها حيوية وستتكيف مع متطلبات العولمة كما تكيفت مع الكثير من التغيرات في العالم على مدى الأعوام الثلاثمائة الأخيرة . الدولة ستبقى السيادة ستبقى، بيد أن السيادة كما الدولة لن تكون مطلقة كما كانت في السابق . قوة السوق وقوة المعلومات وقوة المنظمات والشركات المتعددة الجنسيات تزداد يوماً بعد يوم وتفوق أحياناً قوة الدولة وتضيف من سيادتها المطلقة . عصر الدولة الوطنية في تراجع مستمر كما أن عصر السيادة المطلقة قد انتهى فعلياً . من الآن فصاعداً على الدول أن تعيش بسيادة نسبية ومشروطة ومنقوصة ، وهذا ينطبق على كل الدول بما فيها أقوى الدول في العالم التي عليها أن تتعايش مع قرارات ومؤسسات وهيئات ومنظمات عالمية وإقليمية كمنظمة التجارة العالمية وغيرها والتي أصبحت قراراتها ملزمة لجميع الدول الأعضاء . إن التراجع التدريجي لدولة الدولة ربما أفسح في المجال لبديله الطبيعي والمتمثل في الحكم العالمي وإدارة شؤون العالم إدارة جماعية جديدة . هذه الإدارة العالمية الجديدة يمكن أن تأخذ عدة مسارات واتجاهات مستقبلية محتملة : الاتجاه الأول هو الاتجاه نحو السوقنة، والذي يتضمن سيطرة الاقتصاد على السياسة حيث تسير السياسة بقوانين السوق ويتحكم منطق حرية السوق في الدولة . هذا الأمر يعني في المرحلة الأولى تجاوز الدولة ثم تهميشها وأخيراً انحسار دورها في الشأن الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ومن ثم السياسي على الصعيد العالمي . الاتجاه الثاني المحتمل هو الاتجاه نحو الوحدنة والذي بدأ بالاتجاه العالمي نحو التنسيق والتعاون بين هذه القوى إلى توحدها في إدارة موارد العالم ومواجهة قضاياه الحرجة وحل مشكلاته المستعصية ، مثل مشكلة البيئة والإرهاب والفقر والانفجار السكاني والمخدرات والجريمة المنظمة . كما سيتوحد العالم على صعيد تطبيق التشريعات والسياسات وتحمل المسؤولية تجاه أمن واستقرار ومصير العالم . الاتجاه نحو الوحدنة لا يعني بالضرورة قيام الحكومة العالمية الواحدة وإنما بروز الحكم العالمي والإدارة السياسية المشتركة . هذه المسارات : الوحدنة والسوقنة ، بالإضافة إلى الدولة ، قائمة بدرجات متفاوتة ويتعايش بعضها مع بعض ، ولم يتم حسم الأمر لأي منها بعد . والعولمة السياسية هي تجسيد لهذه المسارات تشير إلى زيادة حضور الكل العالمي في الشأن السياسي وتعبر عن حركة عولمة السياسة التي تأتي كتحصيل حاصل بعد أن تمت عولمة العالم اقتصادياً وثقافياً . (1) عن مجلة « العمال العرب » العدد 386/2007 . (*) الآراء الواردة في هذه الدراسة لا تعبر بالضرورة عن رأي المجلة . العدد 102 - صفحة المحتوى |
|
|
||