كلمة العدد
تنقية الأجواء العربية : مهمة لها الأولوية
بقلم: عبد الرحمن بوراوي
الأمين العام للاتحاد البرلماني العربي
- ما هي المعطيات الجديدة في الوضع العربي الراهن؟
- إلى أين وصل التضامن العربي؟
- وما هي مقومات إحيائه واستمراره؟
- وأين يقف البرلمانيون العرب من مجموع هذه القضايا؟
كل هذه الأسئلة وغيرها تدور في أذهان المواطنين العرب، حكاماً وسياسيين وبرلمانيين وأناساً عاديين، في مشرق الوطن العربي ومغربه. وربما كان الجواب عن هذه الأسئلة هو مفتاح البحث عن الحل الناجع، والضوء الذي يقود الخطى وسط جحافل الظلام المدلهمة، وهو الكاشف الذي يدل على مواقع الألغام الكثيرة المنذرة بالتفجر في كل حين. إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست بالأمر السهل. غير أننا سنحاول فيما يلي إلقاء الضوء على بعض الجوانب الهامة من القضايا الأهم التي تثيرها تلك الأسئلة مستلهمين في تحليلنا مقررات مجالس الاتحاد البرلماني العربي ومؤتمراته، ووقائع الوضع الراهن والأحداث المستجدة.
أبرز ما يميز الوضع العربي الراهن استمرار الاحتلال الصهيوني الجاثم على أرض لبنان الشقيق. وهنا لا بد من وقفة عند هذا الاحتلال بعد مرور ستة أشهر على وقوعه. لا شك أن غزو لبنان، وما نجم عنه من احتلال ورحيل لقوات منظمة التحرير الفلسطينية، قد نقل الوضع في المنطقة إلى مرحلة جديدة نسبياً بدأت الملامح الرئيسية لها تتضح تدريجياً من خلال معطيات الشهور الستة الماضية:
من الواضح أن إسرائيل - متمترسة خلف التغطية الأمريكية الشاملة لغزوها - تخطط للبقاء طويلاً في لبنان تحت مختلف الحجج والذرائع. ولعل آخر الأدلة على ذلك الأمور الثلاثة التالية:
الأول: قائمة الشروط التي يضعها قادة العدو الصهيوني لانسحاب قواتهم من لبنان، والتي يضاف إليها شرط جديد في كل يوم تقريباً.
الثاني: تسعير الفتنة الطائفية، خصوصاً في الجنوب والجبل، بهدف تكريس النزعات الطائفية وتعميقها، ومحاولة احتواء الطوائف من خلال إيهامها بأن استمرار وجودها مرهون بالحماية الإسرائيلية لها.
الثالث: عرقلة دخول الجيش اللبناني إلى مناطق النزاع وعدم تمكينه من أداء مهامه فيها.
هذا إن لم نقل شيئاً عن تدخل قوات الاحتلال في كل كبيرة وصغيرة من الشؤون التي تعتبر من صميم السيادة اللبنانية.
يؤكد هذا الاستنتاج ما أشار إليه المعلق السياسي الأمريكي دافيد ب. أوتوامي في الواشنطن بوست الأمريكية بتاريخ 7/12/1982 إذ قال: "إن إسرائيل تعمل جاهدة في الوقت الحالي من أجل تثبيت سيطرتها الكاملة على جنوب لبنان وفرض الأمر الواقع هناك". وأضاف أوتوامي يقول: "أن الجنوب أصبح بعد ستة أشهر من الغزو الإسرائيلي الضفة الشمالية لإسرائيل".
من الواضح أيضاُ أن التحالف الأمريكي - الإسرائيلي يعمل لاستخدام الاحتلال الإسرائيلي للبنان كورقة ضاغطة لابتزاز أكبر قدر ممكن من التنازلات، سواء من لبنان أو من الدول العربية، لا سيما تلك التي لها علاقة مباشرة بالأوضاع في لبنان.
في نفس الوقت تجري المناورات المكشوفة والمستورة لتحقيق هدف أمريكي قديم - جديد .. وهو إعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة - بعد أن أدى العدوان الإسرائيلي على لبنان إلى إعادة خلط الأوراق فيها - وفق التصور الأمريكي بما يؤمن - ولفترة طويلة من الزمن - المصالح الأمريكية النفطية والاستراتيجية بالإضافة إلى المصالح الصهيونية في المنطقة. والنقطة الأهم في التصور الأمريكي لإعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة هو تكرار طبعة كامب دافيد وتوسيع ذلك الشكل من الحلول عن طريق جر أطراف عربية جديدة إلى اتفاقات مماثلة مع الكيان الصهيوني.
من هذا المنطلق ينبغي القول أنه لا يوجد في المعطيات السياسية ما يوحي بحدوث أي تغير جدي ملموس في السياسية الأمريكية إزاء المنطقة. وإلا فكيف يمكن تفسير جملة من المواقف الأمريكية الأخيرة مثل: رفض الولايات المتحدة استقبال ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في اللجنة السباعية المنبثقة عن قمة فاس، واستباق وصول الوفد المذكور إلى واشنطن بإعلان الولايات المتحدة عن تأييدها التام للشروط الإسرائيلية للانسحاب من لبنان، وامتناع الولايات المتحدة عن دفع حصتها في موازنة الوكالة الدولية للطاقة الذرية رداً على تجميد عضوية إسرائيل في هذه الوكالة، والتهديد بوقف المساعدات الأمريكية للأمم المتحدة ولاية هيئة دولية تقوم على تجميد عضوية الكيان الصهيوني فيها، وأخيراً تهديدها بالانسحاب من الأمم المتحدة ذاتها إذا ما توصلت هذه المنظمة إلى قرار بتجميد عضوية إسرائيل في هذه الوكالة، والتهديد المواقف السابقة التي اتضحت خلال العدوان كالتسليح، والمساعدات الاقتصادية، والتغطية السياسية والدبلوماسية .. الخ؟
العددان 11و12 - صفحة المحتوى
على هذا الأساس لا نكون مبالغين إذا ما قلنا أن الولايات المتحدة هي أحد الأطراف الرئيسية المستفيدة من السياسة العدوانية التوسعية التي يمارسها الكيان الصهيوني في المنطقة. فنفوذها يزداد بعد كل عدوان.. وهي قد وصلت إلى مكاسب لم تكن لتتوفر لها لولا ذلك العدوان: إيجاد قوات لها في المنطقة - سيناء والآن لبنان - احتكار خيوط التسوية - وأية تسوية - حول أزمة المنطقة.. الخ.
لهذا يجب أن لا يستكين العرب إلى وهم مفاده أن الولايات المتحدة يمكن أن تكون وسيطاً مقبولاً في حل أزمة المنطقة. هذا لا يعني رفض التفاوض أو الحوار معها كدولة كبرى.. ولكن الوساطة شيء والتفاوض والحوار شيء آخر تماماً. فأولى المواصفات التي يجب أن تتوفر في الوسيط هي الحياد. وهذا العنصر مفقود تماماً بالنسبة للولايات المتحدة. هذه الحقيقة يجب أن تؤخذ بالحسبان بالنسبة لأي تحرك عربي، حالي أو مقبل.
في القضية العربية المركزية - قضية فلسطين - تبدو اللوحة أكثر تعقيداً. وما جرى في لبنان يجب أن يكون دافعاً لنا لرؤية الواقع بكل أبعاده ومسؤولياته. ومما لا شك فيه أن الثورة الفلسطينية فقدت موقعاً من مواقعها الهامة، على الرغم من جميع الملابسات والصعوبات التي كانت تحف بذلك الموقع. وأبرز المخاطر الناجمة عن خروج قوات الثورة الفلسطينية من لبنان هو تشتت هذه القوات وتوزعها في أكثر من بلد عربي. ومع ذلك يمكن القول أن ما حدث في لبنان ليس حلاً للقضية الفلسطينية وليس تصفية لها. وهذه الحقيقة ندركها نحن العرب، ويدركها أصدقاؤنا ويدركها قادة العدو الصهيوني، ويدركها بنفس الوضوح، حلفاؤهم وحماتهم في واشنطن.
لقد فشل الغزو الصهيوني للبنان في تحقيق واحد من أهدافه الرئيسية وهو: التصفية الجسدية لقوى الثورة الفلسطينية ولقيادتها المتمثلة في منظمة التحرير الفلسطينية. ولذلك يعمل قادة الكيان الصهيوني الآن، وبشكل مستميت، وبدعم كامل من الولايات المتحدة، على استثمار الصعوبات الناجمة عن غزو لبنان واحتلاله وعن تشتت قوى الثورة الفلسطينية لزعزعة مكانة منظمة التحرير الفلسطينية ومحاولة شق صفوفها وفك تلاحمها وصولاً إلى محاولة النيل من أهليتها، كممثل شرعي وحيد للشعب العربي الفلسطيني، ومحاولة تأمين تغطية فلسطينية من خارج المنظمة للسير في عملية الحكم الذاتي التي نصت عليها اتفاقات كامب دافيد مع مصر.
هذه المحاولات يجب أن تواجه برد حاسم. ولعل استمرار التحركات الجماهيرية في الأراضي المحتلة لا سيما في الضفة والقطاع، والمقررات الصادرة عن المجلس المركزي الفلسطيني الذي عقد في دمشق في أواخر تشرين الثاني - نوفمبر - الماضي تشكل أبلغ تعبير عن موقف الشعب العربي الفلسطيني وقيادته من تلك المحاولات. بقي أن يدعم نضال الشعب العربي الفلسطيني في الأراضي العربية المحتلة بموقف عربي موحد يؤكد جميع الأسس التي سبق للعرب أن اتفقوا عليها فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
لقد تم غزو لبنان واحتلاله في وقت وصلت فيه إلى أوج الخلافات العربية وتمزق الشمل العربي. وقد أشرت في افتتاحية العدد الماضي من "البرلمان العربي" إلى أن "التمزق والتصدع العربيين لعبا دورهما في توقيت العدوان وشموليته. كما لعب الصمت العربي دوره أيضاً في استمرارية العدوان ووحشيته وفي زيادة همجية العدو وتصلبه في مفاوضات التوصل إلى حل": هذه حقيقة أكدتها الأحداث اللاحقة ومعطيات الأشهر الستة التي انقضت على الغزو والاحتلال.
العددان 11و12 - صفحة المحتوى
فما هي المتغيرات في الموقف العربي؟..
بعد مضي ثلاثة أشهر على العدوان انعقد مؤتمر القمة العربي في فاس (أيلول - سبتمبر - 1982). إن مجرد انعقاد قمة فاس كان أمراً بالغ الأهمية وسط الصراعات الحادة التي سادت العلاقات العربية لفترة طويلة من الزمن. ولهذا يمثل المؤتمر علامة مميزة في تاريخ العلاقات العربية والعمل العربي المشترك. فقد أظهر المؤتمر أن العرب مازالوا يعتبرون قضية فلسطين قضيتهم الأولى، وعكس الرغبة في عمل عربي مشترك إزاء هذه القضية. وتمخض عن خطة شاملة لتسوية الصراع في المنطقة ولحل قضية الشعب العربي الفلسطيني. وكان مناسبة لمناقشة صريحة للخلافات التي تهدد وحدة الصف العربي. صحيح أن المؤتمر لم يتوصل إلى حل أي من المشكلات القائمة بين البلدان العربية، ولكن المصارحة التي جرت هي شرط لا بد منه لبدء الحل.
وانفض المؤتمر. وتضمن البيان الختامي البنود الثمانية التي تمثل التصور العربي الموحد لحل أزمة الشرق الأوسط والقضية الفلسطيني. وبدأت اللجان المنبثقة عن المؤتمر جولاتها في محاولة لشرح وجهة النظر العربية وكسب التأييد لها في عواصم الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.
وماذا بعد؟
مازال الموقف العربي إزاء الغزو والاحتلال دون المستوى المطلوب. ومازال التحرك العربي ينطلق من أرضية الأمر الواقع الذي فرضته معطيات الاحتلال الجديد. بالطبع ليس من الخطأ التعامل مع معطيات الواقع شريطة أن لا تنسينا أصل المشكلة وجوهرها والمبادئ الأساسية لحلها. في رأينا أن بطء التحرك العربي وعدم انسجام الموقف العربي مع خطورة الأحداث القائمة وضرورة مواجهتها يعودان إلى جملة من الأسباب التي من أهمها فقدان التضامن العربي، واشتداد حدة الخلافات العربية. فلم يعرف تاريخ العلاقات العربية - العربية فترة أسوء من هذه الفترة، ولم يصل التضامن العربي إلى نقطة أدنى من هذا الحضيض. لهذا كله يضع البرلمانيون العرب في رأس أهدافهمالعمل الجاد على تنقية الأجواء العربية وإعادة اللحمة إلى الصف العربي، وتعزيز التضامن العربي بين جميع البلدان العربية. وانطلاقاً من مقررات مجالس الاتحاد ومؤتمراته فإن التضامن العربي المطلوب ليس تضامناً شكلياً أو تضامناً هشاً يمكن أن تطيح به أية أزمة عابرة. التضامن المطلوب هو تضامن راسخ مستقر يساعد على الارتقاء بالموقف العربي إلى مستوى الأحداث الخطيرة التي، إن كان يواجهها اليوم لبنان الشقيق، فمن الممكن أن يواجهها في الغد أي بلد عربي آخر. وهذا التضامن المطلوب يجب أن يستند إلى أرضية النضال ضد العدو الصهيوني، وضد كافة أشكال النفوذ الاستعماري - القديم والجديد - في الوطن العربي. كذلك يجب أن ينطلق مما أكدت عليه مؤتمرات القمة العربية المختلفة بأن قضية فلسطين هي قضية كل بلد عربي، لا يجوز لأحد التصرف بها بمعزل عن صاحب الحق الأول فيها - شعب فلسطين العربي ممثلاً بمنظمة التحرير الفلسطينية - ممثله الشرعي والوحيد. وأن الخلافات العربية يجب أن تحل في إطار المصارحة وتغليب المصلحة القومية العليا على المصالح المؤقتة والخاصة - ويجب أولاً وآخراً - وضع حد نهائي لأية تدخلات من الخارج في حل المشاكل بين البلدان العربية. فصاحب الدار دائماً أدرى بما في داره.
إن البرلمانيين العرب، ممثلي الجماهير، في مشرق الوطن العربي ومغربه، معنيون أكثر من غيرهم بالعمل على تنقية الأجواء العربية وإعادة التضامن العربي. وفي هذه الفترة التي يستعدون فيها لانعقاد المجلس الثالث عشر للاتحاد البرلماني العربي عليهم أن يؤكدوا على أهمية التضامن العربي من جهة، وأن ينتقلوا من مرحلة العمل بتحريك لجنة تنقية الأجواء التي شكلها مجلس الكويت في العام الماضي إسهاماً منهم في تحقيق هذه المهمة القومية الكبرى التي لها الأولوية التي تحيق بالوطن العربي في هذه الأيام.
إن التأكيد على أهمية التضامن العربي والعمل على تحقيقه، على الأسس التي أشرنا إليها، يعني أن البرلمانيين العرب قد أمسكوا بالحلقة الرئيسية لمجريات النضال العربي، وحددوا دورهم في هذا النضال، وهذا بالضبط جزء من الدور الذي نص عليه ميثاق الاتحاد البرلماني العربي، وهذا ما ينبغي القيام به.
العددان 11و12 - صفحة المحتوى