كلمة العدد
نحو مزيد من الفاعلية في مؤتمرات الاتحاد البرلماني الدولي
بقلم : عبد الرحمن بواروي
الأمين العام للاتحاد البرلماني العربي
أولاً - في أهمية العمل البرلماني على الساحة الدولية:
في العلاقات الدولية الراهنة ثمة حقيقة لا جدال فيها وهي وجود تأثير هام للرأي العام الدولي في مختلف القضايا التي تهم حياة الشعوب. وقد أثبتت تجربة العقود الأخيرة، خاصة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أهمية التأثير الذي يمارسه الرأي العام الدولي على مجريات الأحداث التي شهدتها الساحة الدولية خلال تلك الفترة.
وتتمثل قوة الرأي العام الدولي في جملة من الأمور أبرزها:
- أنه يشكل قوة معنوية كبيرة ضاغطة على الحكومات والأحزاب والقادة السياسيين.. الخ تدفعهم إما إلى التصرف على نحو ما أو الإقلاع عن أعمال وممارسات معينة يقومون بها أو ينوون القيام بها؛
- إن الضغط المعنوي الذي يمارسه الرأي العام الدولي يتحول، في بعض الأحيان وعند درجة معينة من تطوره، إلى قوة مادية تفعل فعلها في مجرى بعض الأحداث؛
- إن الرأي العام الدولي، بوصفه تعبيراً عن إرادة المجتمع الدولي، لم يبق في إطار الأفكار المجردة، أو الاتجاهات الغائمة، وإنما تجسد في مؤسسات ومنظمات تعبر عن إرادته، وتعمل على وضع هذه الإرادة موضع الفعل والتأثير. فالأمم المتحدة والمنظمات العديدة المنبثقة عنها، والاتحاد البرلماني الدولي وغيرهما.. هما أمثلة على بعض الأقنية التي تظهر من خلالها تأثيرات الرأي العام الدولي وفاعليته.
ويمكن القول بكل ثقة أن ما من قضية يمكن أن تحقق الانتصار في عالم اليوم دون أن يكون لها غطاء دولي. صحيح أن المجتمع الدولي لا يمكن أن يقدم النصر لقضايا الشعوب على طبق من ذهب، ولكنه يوفر الغطاء الشرعي للعمل، ويقدم العون والتأييد. ويبقى على أصحاب القضية أنفسهم أن يعملوا ويجدوا تحت هذا الغطاء لتثمير ذلك العون والتأييد لصالح قضيتهم.
من هذه الزاوية يشكل العمل البرلماني على الساحة الدولية ميداناً شديد الأهمية. فهو، من جهة، قناة دولية تسمح بإقامة جسور من التفاعل والتعارف بين برلمانيي العالم، وهو، من جهة أخرى، يلعب دوراً في التأثير على أوساط واسعة من الرأي العام الدولي، ذلك أن برلمانيي العالم يشكلون قطاعاً متميزاً تظهر تأثيراته في العديد من المجالات:
- فهم أناس غير مقيدين بالقيود الرسمية، ولذلك تكون أذهانهم مفتوحة للأخذ والرد، قابلة للاستماع والاقتناع بما يعرض أمامهم من حقائق ووقائع؛
- وهم أناس منتخبون من شعوبهم، وبالتالي يشكلون قطاعاً يتأثر بناخبيه من جهة، ويملك إمكانية التأثير على أولئك الناخبين من جهة أخرى؛
- وهم أيضاً يدخلون في تركيب الحكومات أحياناً، وتستند إليهم الحكومات دائماً في إضفاء الشرعية على سياساتها وممارساتها. ومن هنا فإنهم يملكون الإمكانية لتوجيه الحكومات والضغط عليها وتعديل سياساتها وممارساتها.
ويعتبر الاتحاد البرلماني الدولي الإطار التنظيمي الأوسع للنشاط البرلماني على الساحة الدولية. إنه بمثابة هيئة أمم لبرلمانات العالم. وهو مؤسسة عريقة يرجع عهدها إلى عام 1889، أي إنه أقدم المنظمات الدولية التي تواصل نشاطها حتى يومنا هذا. وقد تنامت عضوية هذا الاتحاد حتى وصلت في المؤتمر السادس والسبعين ( أكتوبر - تشرين الأول - 1986) إلى مائة وسبع شعب برلمانية منتشرة في قارات العالم الخمس، من بينها ست عشرة شعبة برلمانية عربية. ومن هنا يكتسب العمل في إطار هذا الاتحاد أهمية كبيرة جديرة بالاهتمام والمتابعة والتطوير.
ثانياً - النشاط العربي داخل الاتحاد البرلماني الدولي:
إن المشاركة العربية في مؤتمرات الاتحاد البرلماني الدولي قريبة العهد، وتعود إلى المؤتمر الستين للاتحاد البرلماني الدولي الذي عقد في روما عام 1972، إذ شاركت في ذلك المؤتمر وفود من أربع شعب برلمانية عربية فقط. وازداد اهتمام البرلمانات العربية بالعمل داخل الاتحاد البرلماني الدولي بعد تأسيس الاتحاد البرلماني العربي في حزيران - يونيو - 1974. وفي نفس العام وافق المؤتمر الحادي والستون للاتحاد البرلماني الدولي (طوكيو) على قبول الاتحاد البرلماني العربي عضواً ملاحظاً فيه إلى جانب عدد كبير من الاتحادات والهيئات الدولية والإقليمية الأخرى.
وحتى بداية السبعينات كان اهتمام الاتحاد البرلماني الدولي يتركز على القضايا الدولية العامة: نزع السلاح، قانون البحار، التجارة الدولية.. الخ. وكانت اجتماعاته تؤخذ على أنها فرصة للتعارف بين البرلمانيين للبحث في المسائل ذات الطابع العام جداً. وبالتالي فإن القضايا السياسية الإقليمية والساخنة، كقضية الشرق الأوسط مثلاً، لم تجد لها مكاناً رحباً في مناقشاته ومداولاته.
ومع بداية السبعينات بدأت رياح التغيير تتسرب إلى هذه المنطقة الدولية الهامة. ويعود ذلك إلى سببين رئيسين:
الأول - انتساب عدد كبير من برلمانات دول العالم الثالث والبلدان الاشتراكية إلى عضوية الاتحاد، وتمثيلها في أجهزته، مما شكل بالتدريج أغلبية عددية لها اهتمامات مختلفة عن اهتمامات النخبة التي تسيطر على عمل الاتحاد، والتي تنتسب إلى أوروبا الغربية بصورة خاصة؛
الثاني - التغير الذي حدث في المناخ السياسي الدولي، لاسيما بعد عام 1973، وازدياد القناعة لدى معظم برلمانيي العالم بأن المشاكل الإقليمية ذات صلة وثيقة باستتباب السلم والأمن الدوليين وبموازين القوى على الساحة الدولية.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن توسع المشاركة العربية في عضوية الاتحاد البرلماني الدولي قد لعب دوراً بارزاً في تسييس هذا الاتحاد وإحداث الانعطاف الذي أشرنا إليه في اتجاه اهتماماته.
ثالثاً - عمل الاتحاد البرلماني العربي داخل الاتحاد البرلماني الدولي:
منذ نشأته أعار الاتحاد البرلماني العربي اهتماماً كبيراً للعمل داخل الاتحاد البرلماني الدولي . وقد تجلى هذا الاهتمام خاصة في المجالات الثلاثة التالية:
1) في ميثاق الاتحاد:
نصت المادة الأولى من الميثاق على أن أحد أهداف الاتحاد البرلماني العربي ((تنسيق جهود المجالس البرلمانية العربية في مختلف المحافل والمجالات والمنظمات الدولية، وخاصة في نطاق الاتحاد البرلماني الدولي بالنسبة للبرلمانات العربية المشتركة فيه)).
ونصت الفقرة ب من المادة 11 من الميثاق أيضاً على ضرورة دعوة رؤساء الشعب البرلمانية العربية أو من ينيبونهم للاجتماع في مقر الاتحاد في النصف الثاني من كل عام وذلك من أجل تهيئة الموضوعات وتنسيق مواقف الوفود البرلمانية العربية في المؤتمرات والمنتديات الدولية.
2) في القرارات الصادرة عن مجالس الاتحاد ومؤتمراته:
إن بحث النشاط البرلماني العربي في مؤتمرات الاتحاد البرلماني الدولي هو نقطة ثابتة تقريباً في جداول أعمال مجالس الاتحاد البرلماني العربي ومؤتمراته. وباستمرار تؤكد القرارات الصادرة عن هذه المجالس والمؤتمرات ضرورة العمل النشيط داخل الاتحاد البرلماني الدولي وتنسيق المواقف وتوحيد القضايا المطروحة من جانب الوفود البرلمانية العربية. وفضلاً عن ذلك فقد أصبح تقليد معمولاً به أن تعقد الوفود البرلمانية العربية في كل مؤتمر برلماني دولي اجتماعاً تنسيقياً لها قبل التئام المؤتمر للبحث في جميع الأمور التي تهمها.
3) في أنشطة الحوار البرلماني:
كذلك تلعب أنشطة الحوار البرلماني التي يجريها الاتحاد مع برلمانيي مختلف البلدان دوراً هاماً في دعم القضايا العربية وتعزيز مواقف الوفود البرلمانية العربية في المؤتمرات البرلمانية الدولية. فأحد الأهداف الأساسية لأنشطة الحوار هو التعريف بالقضايا العربية وكسب التأييد لها على الصعيد الدولي، وتأطير العلاقات مع مختلف المجموعات البرلمانية وتوظيفها في خدمة هذه القضايا والقضايا المشتركة الأخرى.
وتعمل الأمانة العامة للاتحاد على تنفيذ القرارات والتوصيات المتخذة في مؤتمرات الحوار البرلماني العربي - الإفريقي، والحوار البرلماني العربي - الأوروبي بصورة خاصة من خلال مؤتمرات الاتحاد البرلماني الدولي. وتدل التجربة أن علاقات الحوار كان لها دور ملحوظ في ازدياد التأييد الذي تحظى به القضايا والمواقف العربية في المؤتمرات البرلمانية الدولية.
واسترشاداً بكل ما تقدم حرصت الأمانة العامة للاتحاد دائماً على تنفيذ مقررات الاتحاد المتعلقة بالعمل داخل الاتحاد البرلماني الدولي، وتجسيدها عملاً ملموساً على أرضية الواقع من خلال:
- الإسهام في إعداد خطة تحرك الوفود البرلمانية العربية أثناء المؤتمرات البرلمانية الدولية، لاسيما على صعيد الاتصالات مع الوفود الأجنبية وأجهزة الاتحاد البرلماني الدولي،
- المشاركة في إعداد المذكرات وأوراق العمل ومشاريع القرارات التي تقدم باسم الوفود العربية،
- إعداد العديد من الدراسات التي تتناول مختلف جوانب القضية الفلسطينية وتوزيعها، بعد ترجمتها إلى الإنكليزية والفرنسية، على الوفود المشاركة،
- تأمين الترجمة الفورية من اللغة العربية وإليها.
ومن خلال نشاطهم داخل الاتحاد البرلماني الدولي تمكن البرلمانيون العرب من تحقيق عدد من النجاحات أبرزها:
- قبول المجلس الوطني الفلسطيني عضواً ملاحظاً في الاتحاد البرلماني الدولي بقرار من مجلس الاتحاد الذي عقد في كولومبو في ربيع عام 1975.
- طرح القضايا العربية، لاسيما القضية العربية المركزية - قضية فلسطين - كنقطة شبه ثابتة على جداول أعمال مجالس الاتحاد ومؤتمراته، واتخاذ قرارات مؤيدة للحق العربي وللنضال المشروع الذي يخوضه الشعب العربي الفلسطيني في سبيل العودة، وحق تقرير المصير، وإقامة الدولة الوطنية المستقلة على التراب الفلسطيني، والاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً لشعب فلسطين العربي، وإدانة سياسة العدو الصهيوني في الأراضي العربية المحتلة القائمة على العدوان والتوسع والاستيطان والقمع. ومنذ الثمانينات أضيف إلى هذه القضية قضايا أخرى تتعلق بالوضع في لبنان، والحرب العراقية - الإيرانية.
- ارتفاع متزايد في عدد البرلمانيين المؤيدين للحق العربي حتى بين صفوف بعض الوفود التي اعتادت مساندة الموقف الصهيوني المدعوم أمريكياً.
- عزلة متزايدة لوفد الكنيست الصهيوني والمؤيدين له.
- استلام العديد من المناصب القيادية في أجهزة الاتحاد: رئاسة الاتحاد - عضوية اللجنة التنفيذية - رئاسة ونيابة الرئاسة في بعض لجان الدراسة الدائمة.
ومن خلال نشاطهم داخل هذه المؤسسة البرلمانية الدولية أظهر البرلمانيون العرب شعوراً رفيعاً بالمسؤولية، وإيماناً راسخاً بالتضامن العربي متجلياً من خلال حرصهم الدائب على تجاوز الخلافات القائمة في الساحة العربية، والسعي إلى توحيد المواقف العربية من القضايا المطروحة في تلك المؤتمرات. وقد أسهم الموقف العربي الموحد في تحقيق جميع النجاحات التي أحرزت لصالح القضايا العربية في إطار الاتحاد البرلماني الدولي.
رابعاً - نحو مزيد من الفاعلية في النشاط العربي داخل الاتحاد البرلماني الدولي:
على ضوء ما تقدم، ومع الأخذ بعين الاعتبار للنجاحات التي تحققت، يبقى التساؤل قائماً:
ألا توجد إمكانية لتحقيق المزيد من النجاح عبر هذه المؤسسة الدولية الهامة؟ وما هي الطريق إلى تحسين فاعلية النشاط البرلماني العربي داخلها؟
مما لاشك فيه أن الظروف الموضوعية متوفرة لتحسين فاعلية العمل البرلماني العربي داخل الاتحاد البرلماني الدولي. وأهم هذه الظروف:
- تواجد عربي جيد - فهناك خمس عشرة شعبة برلمانية عربية عضو في الاتحاد،
- مشاركة وجوه برلمانية عربية مرموقة في مختلف الوفود العربية،
- عدالة القضايا العربية التي تطرح في المؤتمرات البرلمانية الدولية،
- تأييد دولي كبير تحظى به هذه القضايا أثناء المناقشة والتصويت.
وإذا كان توفر الظروف الموضوعية عنصراً أساسياً للنجاح، فإن هذه الظروف لوحدها لا تستطيع أن تزيد من فاعلية النشاط العربي داخل الاتحاد البرلماني الدولي إن لم تقترن بجملة العناصر من الذاتية التي بيدنا نحن توفيرها. وفي طليعة هذه العناصر العمل على تحقيق الأمور التالية:
- الحرص على المشاركة في جميع المؤتمرات الدورية، وكذلك في الأنشطة الأخرى التي ينظمها الاتحاد البرلماني الدولي حول مختلف القضايا خارج المؤتمرات (ندوات واجتماعات لمعالجة قضايا إقليمية أو دولية .. الخ).
- الاهتمام بإعداد أعضاء الوفود البرلمانية المشاركة في المؤتمرات البرلمانية الدولية خاصة فيما يتعلق باستيعاب أنظمة الاتحاد، وتفهم كافة الإجراءات المتعلقة بآلية عمله في مختلف المجالات، والحرص على تشكيل الوفود البرلمانية العربية من برلمانيين ذوي خبرة سياسية ودراية تنظيمية وقانونية وقدرة على الإقناع، ومراعاة معرفتهم -قدر الإمكان- لإحدى اللغتين الإنكليزية أو الفرنسية.
- المشاركة الجادة في مناقشة جميع البنود التي تطرح على جدول أعمال المؤتمرات البرلمانية الدولية من خلال تقديم المذكرات ومشاريع القرارات حولها ضمن المدة المحددة، بالإضافة إلى الاهتمام بالمساهمة الفعالة في النشاط الخلفي للمؤتمرات (الكواليس). فالمعروف أن المؤتمرات الدولية تقوم أساساً على الجهود المبذولة في الكواليس التي تشكل فرصة ثمينة للاتصالات والتفاعل بين المشاركين. وفائدة المؤتمرات الأهم ليست في القرارات المتخذة بقدر ما هي في القناعات التي تنقل من وفد إلى وفد. وتنبغي الإشارة هنا إلى أن تأثير الخطابات أو المداخلات المكتوبة والمعدة سلفاً أقل بكثير جداً من تأثير الحوار المباشر والمطارحات المتواصلة. وتلعب الاتصالات الجماعية والمستمرة مع ممثلي مختلف الكتل البرلمانية وأعضاء الوفود في كل مؤتمر دوراً هاماً في هذا المجال.
- العمل على إبراز وجوه برلمانية عربية وتقديمها لشغل المناصب الإدارية في الاتحاد عندما تستدعي الضرورة لذلك.
- تشكيل لجنة دائمة في إطار الاتحاد البرلماني العربي تضم ممثلين من الشعب الأعضاء و الأمانة العامة لوضع خطة تحرك الوفود العربية في كل مؤتمر برلماني دولي، وإعداد المذكرات ومشاريع القرارات والاقتراحات حول البنود الإضافية أو الطارئة لتقديمها باسم جميع الوفود العربية في كل مؤتمر.
- الربط بين أنشطة الحوار التي يقوم بها الاتحاد مع مختلف المجموعات البرلمانية والعمل لتوظيف نتائج هذه الأنشطة لخدمة التحرك العربي داخل الاتحاد البرلماني الدولي. ومن المفيد بوجه خاص أيضاً الاستفادة من الأقنية الديبلوماسية والعلاقات الثنائية للبرلمانات العربية من أجل دعم المواقف والمبادرات العربية في المؤتمرات البرلمانية الدولية.
- العمل على تعيين موظف عربي دائم في الجهاز الإداري للاتحاد البرلماني الدولي أسوة بباقي الكتل البرلمانية.
إن العمل على تحقيق هذه الاقتراحات إلى جانب المتابعة الجادة لعمل الاتحاد البرلماني الدولي من جانب كل شعبة برلمانية عربية ومن جانب الأمانة العامة للاتحاد من شأنه أن يخلق الأرضية اللازمة لتحسين نشاطنا داخل هذه المؤسسة الدولية الهامة وتحقيق مزيد من النجاح فيها لصالح قضايانا القومية العادلة
العددان 26 و 27 - صفحة المحتوى