كلمة العدد
ملاحظات أولية حول هجرة اليهود من الاتحاد السوفياتي
بقلم: عبد الرحمن بوراوي
الأمين العام للاتحاد البرلماني العربي
أثارت هجرة اليهود السوفيات إلى إسرائيل، وما تزال تثير، قلقاً متزايداً ومشروعاً لدى الجماهير العربية خصوصاً، ولدى جميع من تعز عليهم قضية الحرية والسلام في العالم أجمع. إن من حق كل إنسان سواء في الاتحاد السوفياتي أم في أي بلد من البلدان أن يسافر أو يهاجر من بلده إلى بلد آخر في العالم. ولكن هذا الحق، شأنه شأن كل حق آخر، كان وسيبقى مشروطاً بأن لا يتحقق على حساب سلب الحقوق المشروعة لإنسان آخر. فكيف إذا كان الأمر يتعلق بانتزاع حق شعب كامل في وطنه وأرضه!!
إن تهجير أبناء الشعب الفلسطيني وتشريدهم من معظم الأراضي الفلسطينية وإحلال مهاجرين جدد قادمين من مختلف أنحاء العالم قد كان دائماً سياسة ثابتة لسلطات الاحتلال الإسرائيلي طيلة العقود الخمسة الماضية. وتحاول إسرائيل اليوم تكرار هذه العملية بإحلال أكثر من مليون مهاجر من يهود الاتحاد السوفياتي - سيتدفقون على إسرائيل خلال السنوات الأربع القادمة - في ما تبقى من الأراضي العربية المحتلة.
إن وقوف الجماهير العربية وأوساط واسعة من الرأي العام الدولي ضد هذه الموجه الجديدة من الهجرة يعود بالدرجة الأولى إلى جملة من الأسباب المرتبطة بالوضع في الشرق الأوسط وبحقائق ومستقبل الصراع العربي - الإسرائيلي:
- إن الهجرة تمثل زيادة كبيرة في عدد سكان إسرائيل، وبالتالي فإنها ستدفع السلطات الإسرائيلية إلى إيجاد مأوى للمهاجرين. ونظراً لضيق المساحة الجغرافية بالنسبة لعدد السكان في إسرائيل فإن الحل الوحيد يبقى توطين المهاجرين الجدد في الأراضي العربية المحتلة. وهذا سيؤدي إلى طرد السكان العرب الأصليين من أراضيهم وبيوتهم لإحلال المهاجرين الجدد محلهم.
- إن توطين المهاجرين في الأراضي العربية المحتلة سيغير التركيب الديمغرافي في هذه الأراضي وسيوجه جهود المستوطنين الجدد ضد الانتفاضة الفلسطينية الباسلة.
- إن عملية الهجرة ستزيد من قوة إسرائيل البشرية، وبالتالي فإنها سوف تقوى النزعة العدوانية التوسعية لدى قادة إسرائيل وحكامها الذين عبروا عن ذلك بلسان إسحق شامير عندما قال"الهجرة الكبرى تتطلب قيام إسرائيل الكبرى".
- فضلاً عن كل ذلك فإن هذه الهجرة ونتائجها سوف تزيد أيضاً من التعنت الإسرائيلي، وتعزز رفض إسرائيل الإسهام في الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى إيجاد تسوية سلمية لمشكلة الشرق الأوسط.
إن موجة الهجرة الجديدة تدفعنا أيضاً إلى التمييز بين الهجرة العادية والتهجير. فالمقاييس الواسعة للهجرة اليهودية من الاتحاد السوفياتي وملابساتها تبين أن ثمة قوى منظمة تقف وراء هذه الهجرة، وتعمل بنشاط على تسريب اليهود إلى خارج الاتحاد السوفياتي، وبالتالي فإنها عملية تهجير أكثر منها عملية هجرة. وهذه العملية تشكل تحدياً خطيراً لسياسة الاتحاد السوفياتي السليمة، وتهدد العلاقات الوثيقة التي تربط بين الاتحاد السوفياتي وأغلبية البلدان العربية والتي قامت تاريخياً على أساس النضال ضد الاستعمار واحترام حقوق الشعوب في تقرير المصير ودعم نضال الشعب العربي الفلسطيني المشروع في سبيل العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني.
وإذا كان من حقنا - كشعوب وكبرلمانيين- أن نطالب الاتحاد السوفياتي باتخاذ جميع التدابير الممكنة وممارسة الضغوط على الولايات المتحدة وإسرائيل لمنع اليهود المهاجرين من الاتحاد السوفياتي من الاستيطان في الأراضي العربية المحتلة، فإننا لا نستطيع أن نغفل الدور الكبير الذي لعبته الولايات المتحدة خاصة في تسهيل هذه الهجرة إلى فلسطين المحتلة.فالولايات المتحدة التي طالبت طويلاً بحق اليهود السوفيات في الهجرة، وشنت الحملات الواسعة ضد سياسة الاتحاد السوفياتي حول تقييد الهجرة في الماضي - قامت هي نفسها - وبعد أن ألغى الاتحاد السوفياتي جميع القيود على سفر مواطنيه وهجرتهم إلى الخارج - بإغلاق حدودها أمام المهاجرين اليهود لإرغامهم على التوجه إلى إسرائيل، علماً أن حوالي 90% من المهاجرين السوفيات في الماضي كانوا يتوجهون إلى الولايات المتحدة هذا فضلاً عن تقديم مساعدة مالية كبيرة لإسرائيل خصصت لاستيعاب المهاجرين الجدد وتوطينهم.
إن قضية الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفياتي تبقى بالنسبة للجماهير العربية وللبرلمانيين العرب قضية سياسية ترتبط - كما سبق القول - بمجريات الصراع العربي الإسرائيلي. وينبغي أن تلقى هذه القضية الاهتمام الجدي الذي تستحقه من جانب البلدان العربية التي يجب أن تمارس أقصى درجات الضغط على الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والمجتمع الدولي لاتخاذ التدابير الفعالة التي من شأنها منع توطين المهاجرين في الأراضي العربية المحتلة. ومن الواضح أنه بمقدار ما تتعمق وتتسع الانتفاضة الباسلة للشعب العربي الفلسطيني الشقيق، وبمقدار ما يزداد الدعم العربي الفعال لها مادياً ومعنوياً، بمقدار ما نسهم في تقليص عملية الهجرة والحد من تدفق المهاجرين إلى الأراضي العربية المحتلة ونمنع - أو نحد على الأقل - من توطينهم فيها.