كلمة العدد
الديمقراطية والتنمية بين الواقع والطموح
بقلم: عبد العزيز بلخادم
رئيس مجلس الاتحاد البرلماني العربي
رئيس المجلس الشعبي الوطني الجزائري
ألقى السيد عبد العزيز بلخادم، رئيس مجلس الاتحاد البرلماني العربي، رئيس المجلس الشعبي الوطني الجزائري، أمام مؤتمر ستراسبورغ الثالث حول "الديمقراطية البرلمانية والتنمية" كلمة هامة تضمنت وجهة نظر عربية حول قضايا الديمقراطية والتعددية ومسائل التنمية من خلال ارتباطها بقضية الديمقراطية. وفي ضوء الاهتمام العالمي المتصاعد بهذه القضايا، ارتأت هيئة التحرير أن تكون هذه الكلمة افتتاحية هذا العدد من "البرلمان العربي" الذي يتضمن ملفاً واسعاً حول أعمال مؤتمر ستراسبورغ المذكور.وفيما يلي النص الكامل لهذه الكلمة:
السيد الرئيس
الزملاء البرلمانيون المحترمون
باسم الاتحاد البرلماني العربي - الذي يضم ثلاثة عشر برلماناً عربياً، والذي تتشرف الجزائر برئاسته في هذه الدورة، اسمحوا لي أن أعرب عن خالص الشكر والامتنان إلى مجلس أوربا على الدعوة الكريمة التي وجهت إلى اتحادنا للمشاركة في هذا المؤتمر الهام حول الديمقراطية البرلمانية والتنمية.
السيد الرئيس
الزملاء المحترمون
إذا أردنا أن نضع عنواناً لاهتمامات البشرية اليوم بعد التطورات العاصفة التي شهدناها منذ أواسط الثمانينات فلا شك أن هذا العنوان سوف يكون : السير نحو الديمقراطية وتعزيز الحريات، وحماية حقوق الإنسان والسعي لتحقيق التنمية. وهذه القضايا، بالرغم من اختلاف أنماط ممارستها واختلاف المحتوى الذي يمكن أن تأخذه في هذا البلد أو ذاك، في هذه القارة أو تلك، فإنها قضايا مترابطة ومتفاعلة.
إن تعلق الشعوب بالحرية وسعيها لتحقيق الديمقراطية هما شيئان أصيلان ينبعان من حق الإنسان في الحياة وحقه في الاختيار. وقد تكرست هذه الحقيقة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصبح معلماً من معالم عصرنا، والذي ينبغي أن تتضافر جهودنا جميعاً لتجسيده على أرض الواقع.
إن أهمية هذا المؤتمر تكمن في أنه يشكل منبراً دولياً هاماً لتبادل الخبرات والتجارب في ميدان تعزيز الديمقراطية وحماية الحريات وتحقيق التنمية. وهذا الميدان بالغ الثراء والتنوع لارتباطه بتاريخ الشعوب وتجاربها وممارساتها. وعملية تحقيق الديمقراطية وإنجاز تنمية حقيقية ليسا أمرين سهلين وإنما يتطلبان جهداً وتصميماً ومثابرة. وعلى سبيل المثال: إذا كانت التجربة الأوربية قد استقرت على ممارسة الديمقراطية بشكل معين يعتمد التعددية الحزبية، ونظام الانتخاب التمثيلي النسبي، ووجود أقلية وأغلبية.. الخ فإن هذه التجربة قد تكرست بعد مخاض عسير وصراعات كبيرة ودامية شهدتها بلدان القارة الأوربية على مدى قرنين كاملين تقريباً.
وفي عملية التنمية لم تعان أغلبية الدول الأوربية الصعوبات التي تشهدها دول العالم الثالث اليوم، لأن الشرط الأول للتنمية وهو توفر الأموال اللازمة قد تأمن للدول الأوربية من خلال سيطرتها على دول العالم الثالث طيلة قرون من الزمن، ومن خلال تعاملها غير المتكافئ مع هذه الدول في فترات لاحقة. لا بل إن هذه السيطرة وذلك التعامل كانا من أبرز عوامل تباطؤ التنمية في بلدان العالم الثالث.
السيد الرئيس
الزملاء المحترمون
إن مفهوم الديمقراطية لم يكن غريباً عن العالم العربي. فهذا العالم الذي شهد أولى الحضارات على الأرض، وكان مهد الديانات السماوية الثلاث، قد عرف أشكالاً عديدة من العمل الديمقراطي تتفق ومستوى التطور الاقتصادي - الاجتماعي لشعوب المنطقة. وكان نظام الشورى الذي جاء به الإسلام الشكل الأكثر أهمية لممارسة الديمقراطية. ومن خلاله كانت تصاغ سياسات الدولة، وتتقرر مواقفها من سائر القضايا. واليوم نشهد في العالم العربي أشكالاً عديدة لممارسة الديمقراطية، وهي أشكال قابلة للتطور حسب الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحيطة ومستوى الوعي في كل بلد. ويمكن القول أن حركة التجديد الديمقراطي في العالم العربي قد أصبحت حركة واسعة عميقة الجذور ولا ارتداد عنها. وبصدد العلاقة بين الديمقراطية والتنمية اسمحوا لي أن أتوقف عند النقاط التالية:
- إن تحقيق الديمقراطية وحماية الحريات واحترام حقوق الإنسان هي قضايا ذات بعد إنساني شامل، وقد اكتسبت اليوم طابعاً عالمياً. وفي النضال من أجل تكريس هذه المبادئ والقيم ينبغي الحرص على أمرين أساسيين:
الأول- عدم السعي لفرض أشكال محددة لممارسة الديمقراطية، والابتعاد عن النقل الميكانيكي لتجربة شعب ما أو مجموعة من الشعوب إلى شعب آخر.
الثاني- تطبيق معايير واحدة عند تحديد الموقف من هذه القضايا. وقد أشار فخامة رئيس الجمهورية الألمانية أمس في كلمة الافتتاح إلى أن تعدد أشكال ممارسة الديمقراطية هو أمر طبيعي. وعلى سبيل المثال إننا نستغرب مواقف الكثير من الدول والحكومات التي ترفع شعارات حماية حقوق الإنسان من قضية تقرير المصير وحماية الحقوق القومية والديمقراطية لشعب الفلسطيني الذي لا يطالب إلا بتطبيق قرارات المجتمع الدولي إزاء القضية الفلسطينية. وإننا نأمل أن يتحرك المجتمع الدولي لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية حول هذه المسألة بنفس الحماس الذي طبقت فيه مؤخراً قرارات هذه الشرعية في أماكن أخرى.
- إننا مع إدراكنا لحرص المجتمعات الأوربية الغربية على تعزيز الديمقراطية فلا سعينا إلا أن نتساءل عن مدى مساعدة بلدان أوربا الغربية تاريخياً ومن خلال علاقاتها مع بلدان العالم الثالث أو بلدان الجنوب: على التطور الديمقراطي في هذه البلدان. ونعتقد أنه في كثير من الأحيان لم تخدم الممارسات الأوربية عملية تعزيز المسار الديمقراطي لهذه البلدان، بصورة عامة.
- إننا نؤمن بحق جميع الشعوب في تطوير ثقافاتها ولغاتها والحفاظ على تراثها، سواء كانت هذه الشعوب كبيرة أم صغيرة. وفي هذا الميدان تنبغي الإشارة إلى أن سياسة صهر الأقليات القومية قسراً - وهي السياسة التي نرى مظاهرها في أنحاء عديدة من العالم - قد أثبتت فشلها. فحقوق الشعوب لا تلغى بالقرارات. وفي نفس الوقت لا بد أن نشير إلى أن بعض الدول التي تمارس سياسة صهر القوميات الصغيرة ولا تعترف بحقوقها تحاول أن تثير مشاكل قوميات أخرى أو تحرض بعض الأقليات على إثارة المشاكل في الإطار الذي تعيش فيه. في هذا الموضوع الدقيق ينبغي اتباع سياسة مبدئية واحدة وتطبيق مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان بمعيار واحد.
- ينبغي علينا الحرص على تحقيق الاقتران بين مفاهيم التنمية والديمقراطية، وجعل التنمية مجالاً تشكل فيه محاربة الفقر وتطوير الثقافة السياسية والعلوم والمعارف حصناً حصيناً للديمقراطية. إن الثورة التكنو - إليكترونية التي تجري أمام أعيننا اليوم تفتح آفاقاً واسعة جديدة إلى درجة تتطلب إعادة النظر في توزيع الموارد على أسس أقل تعسفاً من تلك الموروثة عن التاريخ. وعلى العالم المتقدم أن يقدم العون إلى بلدان العالم النامي لانتشاله من قاع التخلف وتمكينه من التكنولوجيا التي أصبحت الآن أحد أسس التنمية وهذا لا يمكن تحقيقه إلا في ظل إعادة نظر شاملة في العلاقات الدولية واستبدال علاقات الهيمنة بعلاقات تعاون وتفاهم بين جميع الشعوب.
- إن تنمية حقيقية تتطلب توظيفاً مدروساً وعقلانياً لجميع الموارد وإشراكاً فعالاً لطاقات الجماهير وتعاوناً دولياً وثيقاً بين مختلف البلدان. وتنمية تقوم على هذا الأساس تشكل سياجاً واقياً للديمقراطية وحماية دائمة لها لأن الجماهير لن تشارك بجدية في عملية التنمية ما لم تشعر بأنها تمارس حرياتها وأن حقوقها مصانة.
ختاماً، إن بلداننا العربية وشعوبنا تبارك مبادرة المجلس الأوربي على عقد هذا المؤتمر . وسوف تواصل إقامة جسور التعاون مع شعوب أوربا الغربية لما فيه مصلحة الجميع.
أتمنى لهذا المؤتمر النجاح والتوفيق.
وشكراً لإصغائكم والسلام عليكم