الاتحاد البرلماني العربي

مجلــة البرلمــان العــربي
السنة الثالثة عشرة - العددان:
الخامس والأربعون :كانون الثاني ( يناير) 1992
والسادس والأربعون : تموز (يوليو) 1992

شعار الاتحاد البرلماني العربي
 
كلمة العدد
تحقيق الأمن شرط لنجاح التعاون في
منطقة البحر الأبيض المتوسط

بقلم : الأستاذ عبد القادر قدورة
رئيس مجلس الاتحاد البرلماني العربي
رئيس مجلس الشعب السوري


في أواسط حزيران - يونيو- الماضي عقد في مدينة مالاغا الإسبانية المؤتمر البرلماني الدولي الأول حول الأمن والتعاون في منطقة البحر الأبيض المتوسط. وقد ألقى الأستاذ عبد القادر قدورة، رئيس مجلس الاتحاد البرلماني العربي، رئيس مجلس الشعب السوري، أمام المؤتمر كلمة هامة تضمنت وجهة نظر عربية ألقت الأضواء على الترابط بين مفهومي الأمن والتعاون في هذه المنطقة الحساسة من العالم. كذلك تعرضت الكلمة إلى القضايا المتعلقة بالتعاون العربي - الأوروبي، والنظام العالمي الجديد، وغيرها من قضايا الساعة.
ونظراً لأهمية هذه الكلمة ارتأت هيئة التحرير أن تنشرها بنصها الكامل كافتتاحية لهذا العدد من "البرلمان العربي":

السيد الرئيس، السادة الزملاء،
اسمحوا لي أن أبدأ كلمتي بتوجيه الشكر الحار إلى السادة الزملاء الأعزاء من البرلمان الإسباني الذين تفضلوا بتنظيم هذا المؤتمر البرلماني الدولي حول الأمن والتعاون في منطقة البحر الأبيض المتوسط تنفيذاً لقرار الاتحاد البرلماني الدولي الذي اتخذه في مؤتمره في تشيلي في عام 1991. وإني ليطيب لي أن أوجه إليهم الشكر الجزيل أيضاً لتفضلهم بدعوة الاتحاد البرلماني العربي الذي لي شرف رئاسته، وكذلك دعوة برلمان الجمهورية العربية السورية للمشاركة في أعمال المؤتمر و أيضاً للحفاوة البالغة التي أحطنا بها والتنظيم الدقيق والفعال لأنشطة المؤتمر التي لمسنا آثارها جميعاً والتي سوف تساعد بكل تأكيد على توفير الأجواء المناسبة لمناقشات مثمرة.
السيد الرئيس،
إذا كان الهدف من ملتقانا هذا السعي لتحقيق التعاون عن طريق الاتصال والتفاعل بين مختلف شعوب البلاد المطلة على البحر الأبيض المتوسط فإنه لم يكن ممكناً اختيار مكان لملتقانا هذا أفضل من إسبانيا، وبالتحديد منطقة الأندلس في إسبانيا حيث كانت كما تعلمون جميعاً تجربة فذة في تاريخ البشرية في مجال التعاون عن طريق الاتصال والتفاعل بين الحضارات لمصلحة الإنسانية قاطبة، وأعني بذلك الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الأوروبية المسيحية. هذه حقيقة تاريخية يشهد بها الشرق والغرب على حد سواء، وما تزال آثارها بارزة أمام أعيننا حتى في هذه القاعة التي تجري فيها مداولاتنا. فلنستبشر خيراً أن يكون أول ملتقى للاتحاد البرلماني الدولي من أجل الأمن والتعاون في حوض المتوسط في هذا المكان بالذات، إذ لعل نجاح التجربة التاريخية تلك تكون حافزاً ومشجعاً لنا جميعاً لإنجاح التجربة التي نجتمع هذا اليوم لمشاهدة ولادتها متعاونين بإخلاص لتأمين العافية والنمو لها لصالح الجميع.

^ العددان 45 و 46 - صفحة المحتوى

سيدي الرئيس،
إن أطروحة الأمن والتعاون في المتوسط ونحن من الأطراف الداعية لها والمتحمسة لتنفيذها، ولن ندخر وسعاً لإنجاحها.
وعندما أقول نحن أعني الدول العربية السبع المطلة على المتوسط في سواحله الجنوبية والشرقية. إن حماسنا لهذه الأطروحة يستند إلى اعتبارات من التاريخ واعتبارات من الجغرافيا، وأخرى من الواقع الحاضر في مختلف الميادين من اقتصادية وثقافية واجتماعية. ومواقفنا الأساسية واحدة، ولنا تجربة للتعاون بيننا وبين أوروبا من خلال الحوار العربي - الأوروبي الذي مضت على بداياته عقود من الزمن. ونأمل أن نستفيد من دروس هذه التجربة، فلا نتحمس للمجال الاقتصادي ونتردد في المجال السياسي، بل نظهر في كلا المجالين نفس المستوى من الحماس والعزم على الإنجاز.
السادة الزملاء
ليس في نيتي أن أخوض في تفاصيل مقومات الأمن والتعاون في حوض المتوسط، فقد سبقني إلى ذلك زملاء عديدون في كلماتهم بالأمس. فهنالك مبادئ تعتبر من المسلمات، وقد التزمت بها بلادنا جميعاً بمقتضى قبولها الالتزام بأحكام ميثاق الأمم المتحدة الذي تضمن في نصه على جميع هذه المبادئ، مثل احترام الحدود الدولية للدول، ونبذ العنف واعتماد الوسائط السلمية في إنهاء النزاعات الدولية، واحترام حقوق الإنسان وغيرها. وهنالك أفكار ومبادئ أتى على ذكرها من سبقني من الزملاء العرب تدور حول المديونية والعمالة ونقل التكنولوجيا والاستثمارات الأجنبية، وغير ذلك من المشاكل التي خبرناها جميعاً في مجال العمل في إطار مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، والتي تكتسب خصوصية هامة في منطقة المتوسط.
على أني أود مع ذلك أن ألفت الانتباه إلى ضرورة أن يسود الأمن أولاً حتى يمكن أن يتحقق التعاون. وإذا كان للأمن أن يسود في إطار الاستقرار لمصلحة الجميع، فلا بد أن يكون الأمن قائماً على العدل. ومن هنا كانت أهمية السعي لتأمين الحلول السلمية العادلة لمشاكل مثل المسألة القبرصية والمسألة اليوغوسلافية، ومشكلة سبتة ومليلة في المغرب والأزمة الليبية.

^ العددان 45 و 46 - صفحة المحتوى

سيدي الرئيس، السادة الزملاء،
إن تأمين الحل السلمي العادل لهذه المسائل الأمنية هو واحد من الشروط التي ينبغي توفرها لقيام تعاون فعال مثمر متبادل ومتوازن لمصلحة الجميع. وهناك إلى جانب هذه المسائل مسألة واحدة تنفرد بخصوصية لا تتوفر لسواها، وبسبب هذه الخصوصية الخاصة إذا جاز التعبير، فإنها تمنع قيام التعاون بين أطرافها، وأعني بذلك الصراع العربي - الإسرائيلي، ذلك أن هذا الصراع سببه احتلال إسرائيل للأراضي العربي، بحروب عدوانية متتالية، وتشبث إسرائيلي عنيد لضم هذه الأراضي بالقوة في عصر غدت فيه أحداث الغزو والاحتلال والضم عن طريق السطو المسلح وإقامة المستعمرات من ذكريات الماضي البعيد.
إن تقدم شرط الأمن على التعاون هنا يكتسب صفة الإطلاق. فلا اتصال ولا تعاون من أي نوع قبل استرداد الأراضي العربية المحتلة واسترجاع الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني، أي قيام ما تعارف المجتمع الدولي على تسميته بالحل العادل والشامل والدائم للصراع العربي - الإسرائيلي.
ولقد كانت كما تعلمون جميعاً مبادرة للسلام قام على أساسها مؤتمر مدريد في آخر العام الماضي، وخطط لمفاوضات على مسارين واحد ثنائي، وواحد متعدد الأطراف. المسار الثنائي يعالج جوهر الصراع أي اغتيال الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ومحاولة ابتلاع الأراضي العربية المحتلة في كل من فلسطين وسورية ولبنان والأردن. والمسار متعدد الأطراف يبحث في قيام مشاريع للتعاون الإقليمي في مجالات الحد من التسلح والاقتصاد والبيئة والمهجرين والمياه. والغرض من هذه المشاريع قيام شبكة من المصالح التضامنية بين الأطراف لتدعيم الأمن الإقليمي.

^ العددان 45 و 46 - صفحة المحتوى

سيدي الرئيس،
إن فكرة الأمن والتعاون في أوروبا تعود في الزمن إلى عام 1975 عندما عقد مؤتمر هلسنكي. وكانت الغاية من المؤتمر في حينه، أيام كان العالم ما يزال يعيش أجواء الحرب الباردة بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي، توفير ظروف أمنية مهادنة بدلاً من ظروف المجابهة المشحونة بالتوتر بين المعسكرين. ومن ثم بعد ذلك محاولة إقامة روابط تعاونية في مجالات انتقائية تتزايد في العدد والأهمية مع استتباب أجواء الأمن التي توفر الشرط المسبق الذي لا غنى عنه لقيام التعاون. ولقد كان من أهم نتائج مؤتمر هلسنكي اعتراف الدول المشاركة بالحدود الجغرافية القائمة في أوروبا الشرقية آنذاك، مما وفر الطمأنينة للاتحاد السوفييتي وقضى على عنصر هام من عناصر التوتر بينه وبين الغرب، من جهة، ومن جهة أخرى قبول الدول المشاركة، بما فيها الاتحاد السوفييتي، إقامة لجان لمراقبة احترام حقوق الإنسان في أراضيها، الأمر الذي اعتبره الغرب مكسباً هاماً وخطوة حقيقية في طريق التقارب بين الشعوب في الشرق والغرب.
ولقد سبق لمؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا أن دعا الدول العربية المطلة على حوض البحر الأبيض المتوسط إلى حضور بعض لقاءاته في صيغة وظروف لم تكن تساعد على تلبية الدعوة. ولو أننا نسجل بأن وثيقة هلسنكي تقر أن الأمن في أوروبا مرتبط بالأمن في المتوسط. والآن رأت بلادنا أن تلبي الدعوة لحضور هذا الاجتماع لأنها تجد فيه ترجمة عملية لفكرة الترابط الأمني بين أوروبا و الشرق الأوسط، التي لطالما نبهنا إليها ودعونا، وما زلنا ندعو تأسيساً على هذا الترابط أن يسند إلى أوروبا ممثلة بالمجموعة الأوروبية دور فعال حقيقي في عملية السلام بين العرب وإسرائيل.

أيها السادة .. أيها الأخوة،
إن من لم يكتو بنار الحرب لا يعرف قيمة السلام. ومن لم يعش أجواء الاحتلال الأجنبي وعسف المحتل واضطهاده لا يعرف قيمة الاستقلال ونعمة الحرية الوطنية. وأحسب أن أوروبا والدول الأوروبية مرت في تاريخها القديم والحديث بتجارب قاسية تعلمت منها أكثر من أية دولة أخرى معنى وقيمة الأمن كما تعلمت أن الأمن شرط مسبق لا غنى عنه بالمنطق وبالفعل للتعاون بين الدول. وإن التفكير بأي شكل من أشكال التعاون بين دول يخضع كل أو بعض أراضيها للاحتلال الأجنبي والدول التي تمارس هذا الاحتلال ضرب من التنكب عن طريق المنطق كما أنه ضرب من الرياضة الذهنية التي لا طائل تحتها.

^ العددان 45 و 46 - صفحة المحتوى

إن هذه الحقيقة التي ترقى في وضوحها وثباتها إلى حد البداهة لم تغب عن ذهن من نظموا مؤتمر هلسنكي عام 1975 فأعطوه اسم (مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا) مقدمين (الأمن) في هذه التسمية على (التعاون) لأن هذا هو التسلسل المنطقي الذي لا يقبل الاستثناء.
لقد رأينا الاتحاد السوفييتي يطرح مشروع البيت الأوروبي المشترك قبل أحداث عام 1991، وينفتح على الغرب إعلامياً وثقافياً واقتصادياً. ثم تأتي أحداث عام 1991 المعروفة. ومع ذلك لم ير الغرب أن التعاون قد حان وقته. وأنه ليقوم التعاون ويأخذ مداه يجب أن تتوفر الشروط اللازمة لقيام أمن مستقر. هذا هو منطق الغرب بل إنه المنطق المطلق إذ ليس هنالك منطق للغرب ومنطق للشرق، منطق لأوروبا ومنطق للشرق الأوسط.
أيها السادة الزملاء،
إن الغرب يشترط قيام الأمن أولاً ليقوم التعاون في أوروبا. ونحن في سورية نأخذ بهذا المنطق في تعاملنا مع عملية السلام بين العرب وإسرائيل. لقد أردنا السلام وسعينا إليه بصدق نية وبإخلاص منذ أن قبلنا قرار مجلس الأمن رقم /338/ المتضمن للقرار رقم /242/ الذي صدر عقب حرب إسرائيل العدوانية ضد العرب عام 1967.
ولكن إسرائيل، التي كانت وما تزال حتى الساعة، تخطط للتوسع الإقليمي على حساب أراضي جيرانها من الدول العربية استطاعت أن تخرب كل المحاولات التي جرت في الماضي لدفع عملية السلام إلى الأمام. ولست أجدني بحاجة إلى أن ألقي على مسامعكم اللائحة الطويلة بالمحاولات لحل النزاع سلمياً التي خربتها إسرائيل. فتصريحات المسؤولين الإسرائيليين تعلن كل يوم تقريباً عن قرار إسرائيل بعدم التنازل عن أي شبر من الأراضي العربية المحتلة.
وهاهو (رابين) رئيس حزب العمل الإسرائيلي الذي ينافس (شامير) على السلطة يصرح في 6/6/1992 في مقابلة مع شبكة التلفزيون الأمريكية (س.ن.ن) أن إسرائيل لن تنسحب من الجولان أبداً، وبذلك لم يعد هناك فرق بين الليكود وحزب العمل.
وإذا كان البعض يحاول تفسير غلواء هذه التصريحات بالاعتبارات الانتخابية فإنا نذكره بأن هذا التفسير ينهار تماماً أمام واقع الممارسات الإسرائيلية التي تدل بما لا يقل أي شك على التنفيذ الفعلي لمحاولة ضم إسرائيل للأراضي العربية المحتلة عن طريق تغيير معالمها الديمغرافية والثقافية والتاريخية. فإسرائيل أصدرت قانوناً يضم الجولان السوري المحتل وزرعته بالمستوطنات التي راح عددها يتزايد مع توافد المهاجرين السوفييت اليهود.
وإسرائيل تطبق قوانينها في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وتزرع مستوطناتها فيها وفقاً لمخطط مدروس ومصمم يجعل عودة هذه الأراضي إلى السيادة العربية الكاملة أمراً مستحيل التنفيذ على الأرض بسبب تبعثر المستوطنات في طول وعرض هذه الأراضي. وإسرائيل قد وصل إليها في مدى عام واحد ما يزيد على أربعمائة ألف مهاجر تعلن أنها تخطط لاستقبال المزيد من المهاجرين السوفييت اليهود حتى يبلغ عددهم مليون شخصاً بالإضافة إلى استقدام اليهود من أربعة أركان الأرض. وقد استقدمت بالفعل يهود الفلاشا من الحبشة وبعد اليهود من البيرو ومن ألبانيا، وتعلن عن خطط لاستقدام اليهود من الهند.

^ العددان 45 و 46 - صفحة المحتوى

أيها السادة الزملاء،
لا أحسب أني أذيع سراً إذا قلت أمامكم أن رئيس الوفد الإسرائيلي في المفاوضات مع الوفد السوري صرح أن بلاده تشعر أن واجبها استقدام كل من تستطيع من يهود العالم إلى إسرائيل مهما بلغ عددهم. وبما أن إسرائيل في حدودها ما قبل 1967 تضيق حتى بعدد سكانها في ذلك التاريخ بسبب قلة موارد البلاد الطبيعية، وبخاصة منها الماء، فإن سياسة إسرائيل التي لا تضع حداً لعدد المهاجرين إليها سوف تؤدي بالضرورة ليس إلى تهويد الأراضي العربية المحتلة وطرد سكانها العرب فحسب، بل و أيضاً إلى تهديد كامل لأراضي الدول العربية المجاورة بفعل الضغط الديمغرافي المتزايد.
كيف تستطيع الدول العربية المعنية، وبلادي واحدة منها، أن تشعر بالأمن أمام هذه الظروف؟ كيف يمكن أن يقوم الأمن الذي هو بالمنطق وبالتجربة التاريخية الشرط المسبق للتعاون ما دام الحال كما ذكرت، وما دامت إسرائيل لا تريد التخلي عن الجولان والأرض السورية المحتلة ؟
سيدي الرئيس،
لقد شارك وفد بلادي في مؤتمر مدريد للسلام، وشارك في خمس جولات من المفاوضات الثنائية مع إسرائيل. وكان الوفد السوري في جميع هذه الجولات يعلن رسمياً وبدون أية مواربة عن استعداد بلاده لتنفيذ قراري مجلس الأمن رقم /242/ و رقم /338/ تنفيذاً كاملاً.
وهذان القراران كما تعلمون ولا شك هما المرجع القانوني لعملية السلام. ولكن رئيس وفد إسرائيل طوال جلسات الجولات الثنائية الخمس التي امتدت إلى ما يقارب التسعين ساعة من النقاش لم ترد على لسانه ولا مرة واحدة كلمة الانسحاب. وبدلاً من إعلانه استعداد بلاده للانسحاب من الجولان المحتل تنفيذاً للفقرة (1) من المادة الأولى من قرار مجلس الأمن /242/ في مقابل إعلان رئيس الوفد السوري مراراً وتكراراً في قاعة المفاوضات استعداد سورية لتنفيذ الفقرة (2) من المادة الأولى من القرار المذكور راح على مدى ما يقارب التسعين ساعة يناور ويراوغ ويطرح أموراً إجرائية أو هامشية أو في غير موعدها لأنها تأتي نتيجة للسلام وليس قبله، حتى تولد لدى الوفد السوري الانطباع بأن الوفد الإسرائيلي يسعى لإضاعة الوقت لأنه غير مزود بالتعليمات المناسبة لاتخاذ قرار، ولأن إسرائيل في حقيقة الأمر لا تريد السلام.

^ العددان 45 و 46 - صفحة المحتوى

ولقد كان لسورية جولات من المباحثات مع راعيي المؤتمر ومع ممثلين للمجموعة الأوروبية حول موضوع اشتراك بلادي في المفاوضات متعددة الأطراف. وكان المحاور السوري يكرر شرح وجهة نظره التي تتلخص في أن سورية مع مبدأ التعاون الإقليمي، ولكنها لا توافق على توقيته باعتبار أنه يطرح البحث في مشاريع التعاون قبل أن يتحقق أي تقدم في المباحثات الثنائية، وأن من شأن ذلك أن يعيق هذه المفاوضات، لأن إسرائيل بعد أن تحصل على المكاسب من المشاريع الإقليمية لا يعود لها حافز يشجعها على المرونة في المفاوضات السياسية الثنائية، وترفض الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة ومنها الجولان السوري تنفيذاً لأحكام قرار مجلس الأمن رقم /242/. وكنا نقول لأصدقائنا الذي يحاوروننا ونقول لكم أنتم الآن كيف يستقيم بأي منطق أن يطلب إلى بلد جزء من أرضه محتل وجزء من شعبه يعاني من قوات الاحتلال مختلف صنوف القهر والإذلال، وتفرض عليه هوية البلد المحتل وقوانينه، كيف يستقيم بأي منطق أن يطلب من هذا البلد الجلوس إلى مائدة واحدة مع ممثلي البلد المحتل ليبحث كيف يمكن مثلاً التعاون معه في مشروع إقليمي للمياه من شأنه أن يوفد المزيد من الشرب والماء اللازم للزراعة والصناعة لاستقدام المزيد من المهاجرين اليهود ليستوطنوا أرضه ويتشبثوا بها عن طريق تغيير معالمها الديمغرافية والطبيعية والتاريخية والثقافية ! إن إسرائيل تفعل ذلك ضاربة عرض الحائط بعشرات القرارات لمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة التي تعتبر هذه الإجراءات باطلة ولاغية، وتدعو إسرائيل إلى الكف عنها. وكيف يمكن لسورية أن تبرر لشعبها قبول الدخول في مفاوضات مع إسرائيل حول السياحة مثلاً تؤدي إلى قبول مجيء الإسرائيليين إلى دمشق ليزوروا معالمها الأثرية ويجوبوا شوارعها، والقوات الإسرائيلية تذيق سكان الجولان المحتل كل دقيقة مرارة الاحتلال وقهر المحتل ؟
يقول البعض إن من المفيد اعتماد إجراءات لإعادة بناء الثقة المفقودة بين الجانبين. لنسلم بأن إجراءات بناء الثقة تدبير مفيد، فهل يطلب ذلك من الطرف ضحية الاحتلال أم من الطرف المحتل؟ لقد قتلت القوات الإسرائيلية من العرب أثناء حروبها التوسعية المتكررة وما بين هذه الحروب وبعدها، بحكم كونها القوة المحتلة، ما يعد بعشرات الألوف. وهي تقتل الآن كل يوم من العرب الفلسطينيين من اثنين إلى ثلاثة من الفتيان لأنهم علقوا إعلاناً على جدار أو رشقوا الجنود بحجر أو لم يتوقفوا عن الإنذار. كما يقتل أفراد الكتيبة الخاصة، التي ذاع صيتها السيء في الرأي العام العالمي، العديد من الفلسطينيين إما أثناء التعذيب الجسدي والنفسي في السجون وأما في الطرقات والأسواق حيث يندسون بين الفلسطينيين، وقد تنكروا بالزي الفلسطيني للتضليل والوصول إلى ضحاياهم. إن هذه الممارسات الإسرائيلية غير الإنسانية التي استنكرتها لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة مرات عديدة بالإضافة إلى عمليات طرد السكان المحليين خارج بلادهم التي استنكرها وأمر بإبطالها والكف عنها مجلس الأمن، وكذلك تغيير المعالم الثقافية للأراضي المحتلة التي استنكرتها الأونيسكو واعتبرتها باطلة وطالبت بالوقف عنها، كل هذه الأمور مقرونة بما هو معروف عن اقتناء إسرائيل للسلاح النووي وغيره من أسلحة الدمار الشامل وتحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية، تجعل المواطن العربي في خشية مما يحمله له المستقبل من إسرائيل، هذا البلد الذي استبدت به مشاعر العزة بالقوة العمياء فيعلن المسؤولون فيه عن برامجهم لتنفيذ إسرائيل الكبرى، كما يقول (شامير) وإسرائيل التوراتية كما يقول غيره، بينما يعلن فريق آخر عن حاجة إسرائيل الملحة لمصادرة المياه في لبنان وسورية وبعض الأراضي من هذين البلدين. وحتى يصدق العالم كله أن إسرائيل جادة في أطماعها تباشر كل يوم، منذ أن بدأت عملية السلام، قصف الجنوب اللبناني الجريح بمختلف صنوف القنابل من الجو والبر والبحر والعالم يتفرج ويتفرج دونما أي رد فعل.
إن المواطن العربي والحالة هذه غير مطمئن إلى إسرائيل، ويخشى أن حركة التوسع الإقليمي الإسرائيلي التي ضاعفت مساحة الأرض تحت السيطرة الإسرائيلية بين عام 1984 و عام 1973 مرات عديدة يخشى أن حركة التوسع هذه سوف تستمر بوتيرة أعلى بضغط من اليمين المتطرف الإسرائيلي، الذي يعلن ممثلوه عن التصميم على استقدام كل من يمكن استقدامه من يهود العالم إلى ما يسمونه أرض إسرائيل. في مثل هذه الظروف وفي مثل هذا المناخ من هو الطرف الذي يحتاج إلى بث الثقة في نفسه لتشجعيه على الإقبال على عملية السلام، المهدد أم المهدد ؟
وإنه يبدو لنا نحن الساعين بإخلاص إلى السلام أن مطالبة المهدد بتقديم تنازلات معينة لبناء الثقة المفقودة ليس إلا ضرباً من المنطق المقلوب كمنطق مع يضع العربة أمام الحصان ويتوقع أن تتقدم العربة إلى الأمام. وليس يمكن فهم أن يعتمد منطق للأمن والتعاون في أوروبا ومنطق آخر للأمن والتعاون في الشرق الأوسط إلا إذا أخذنا بمنطق العربة أمام الحصان. وليس في هذه القاعة بالتأكيد من يقبل بهذا المنطق.

سيدي الرئيس، السادة الزملاء والضيوف،
لقد سمعتم، كما سمعنا، بعد حرب الخليج بقيام نظام عالمي جديد يعتمد على الشرعية الدولية والأمن الجماعي يضمنه وينفذه مجلس الأمن الدولي الذي توفرت له الظروف بعد زوال الحرب الباردة لممارسة مهمته الأساسية التي حددها ميثاق الأمم المتحدة وهي صيانة السلام والأمن الدوليين.
لقد عادت إلى مجلس الأمن بمناسبة حرب الخليج حيويته وفاعليته، وقيل فيما قيل أنه لن يكون بعد الآن تنكر لقواعد القانون الدولي ولا انتهاك لمبادئ الشرعية الدولية كما أنه لن يكون هناك في التعامل مع المسائل الدولية مكيالان أو معياران، واستبشرنا بذلك خيراً، وبنينا الحلم في أن ينهض أخيراً مجلس الأمن بواجبه في تنفيذ قراريه رقم 242 و 338 اللذين يشكلان المرجعية القانونية لعملية السلام بين العرب وإسرائيل. ولكن هذه العملية، وقد مضى على إطلاقها ما يزيد عن سبعة أشهر، لم تتقدم للأسف حتى الساعة خطوة واحدة في طريق الحل. وظهرت على الساحة الدولية أحداث خطيرة جديدة لم تمكن مجتمع النظام الدولي الجديد أن يثبت إزاءها ما سبق أن قيل عن وحدانية المعيار. فرأينا القرارات تصدر وتنفذ في الحال لتطبيق العقوبات الصارمة على ليبيا في ظروف تخضع للاعتبارات السياسية المحضة، وتنأى عن الدقة المعروفة والمطلوبة لاعتبارات القانون، بينما تجري كل دقيقة في الأراضي العربية المحتلة اعتداءات فاضحة ضد الشرعية الدولية ولمبادئ حقوق الإنسان، وتجاهل للعديد من قرارات مجلس الأمن، دون أن يقوم هذا الذي سمي بالنظام الدولي الجديد بتطبيق مبدأ المعيار الواحد الذي ظننا لفترة قصيرة من الزمن أنه حقاً صار عنواناً لهذا النظام ودستوراً لسلوكه وسياساته. هل يحق لنا أيها السادة، بعد هذا، الاستمرار في الحلم الذي داعب مشاعرنا مباشرة بعد حرب الخليج وقيل ما قيل عنه ؟
سيدي الرئيس، السادة الزملاء ،
إن بلادنا سعيدة بهذه المبادرة التي نجتمع هنا للبحث في سبل إنجاحها. نحن مع تكثيف التعاون بين البلاد المطلة على المتوسط في جميع المجالات وفي طليعتها الأمن والاقتصاد والتجارة والثقافة. ولنا من تاريخ إنجازات هذه البلاد في عصر بزوغ الحضارات الكبرى وازدهارها ما يشجعنا على المضي قدماً في هذا السبيل. هذا شأن، والتعاون مع إسرائيل شأن آخر ذلك أنا لن نقبل عليه في أي مجال إلا بعد أن يتم استرجاع الحقوق العربية كاملة، وعلى وجه التحديد انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وجنوبي لبنان والأردن، والاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، أو على الأقل تحقيق تقدم جوهري ملموس في المفاوضات الثنائية حول هذه المواضيع، ذلك هو نداء المنطق والعدل. وما أحسب إلا أنكم ترون ما نرى لأنه ليس ثمة منطق لأوروبا ومنطق للشرق الأوسط، فالمنطق والموضوعية والفكر العلمي قيم لا تتغير مع تغير المكان.

أتمنى أن تفضي مداولاتنا إلى نتائج مثمرة، وأشكركم جميعاً على حسن استماعكم.

^ العددان 45 و 46 - صفحة المحتوى

.
المحتــــوى
1- كلمـة العـدد:
تحقيق الأمن شرط لنجاح التعاون في منطقة البحر الأبيض المتوسط
بقلم الأستاذ عبد القادر قدورة
رئيس مجلس الاتحاد البرلماني العربي
رئيس مجلس الشعب السوري
2- ملف العدد:
تضامناً مع الجماهيرية العربية الليبية الشقيقة
3- تقــاريــر:
- تقرير الأمانة العامة حول أعمال ومقررات
المؤتمر 87 للاتحاد البرلماني الدولي - ياوندي/ الكاميرون
- تقرير الأمانة العامة حول اجتماع اللجنة التحضيرية للاجتماع البرلماني العربي - الأوروبي، بروكسل 1992
- تقرير عن أعمال ونتائج المؤتمر البرلماني الدولي حول الأمن والتعاون في منطقة البحر الأبيض المتوسط، مالاغا / إسبانيا
- المؤتمر الخامس للحوار البرلماني العربي الإفريقي، دمشق 1992
4- نشاطات الاتحاد
5- أخبار برلمانية عربية
6- الصحافة البرلمانية العربية
- مجلة مجلس الشعب في جمهورية مصر العربية
- دراســات
نحو حماية قانونية للبيئة الطبيعية
بقلم: د. أحمد فتحي سرور
رئيس مجلس الشعب







البرلمان العربي: نشرة فصلية تصدرها الأمانة العامة للاتحاد البرلماني العربي
المدير المسؤول ورئيس التحرير: عبد الرحمن بوراوي، الأمين العام للاتحاد البرلماني العربي
مساعد رئيس التحرير: أحمد مكيّس، مدير العلاقات البرلمانية
الإدارة :دمشق ـ سورية، ص. ب. 4130
هاتف : 6130042، 6130043
فاكس : 6130224
تلكس : 412046

[ الاتحاد البرلماني العربي - صفحة البداية ] [ البرلمان العربي - قائمة الأعداد ] [ منشورات الاتحـاد ] [ بريد الاتحـاد ]