كلمة العدد
جذوة الانتفاضة لن تخبو
بقلم: عبد الرحمن بوراوي
الأمين العام للاتحاد البرلماني العربي
التاسع من كانون الأول - ديسمبر- يطل علينا هذا العام معلناً انقضاء العام الخامس من عمر الانتفاضة الباسلة لشعبنا العربي الفلسطيني، ومدشناً بدء عامها السادس.
خمس سنوات مرت على هذا اليوم التاسع من كانون الأول الذي أصبح تاريخاً معمداً بالدم والجراح، بالتصميم والعزم على المضي في الطريق دونما توقف أو تراجع حتى تتحقق الأهداف، وتتجسد الحقوق الوطنية المشروعة للشعب العربي الفلسطيني على أرض الواقع. خمس سنوات مرت والقبضة السمراء التي ارتفعت في وجه الاحتلال تقذف بالأحجار لم تنحن ولم تضعف، بل ازدادت ارتفاعاً ورسوخاً وصلابة، واكتسبت خبرة ومراساً. وأصبحت خبزاً يومياً لشعب صمم على انتزاع حقوقه، ورمزاً إقليمياً ودولياً للكفاح الوطني العادل. انتزعت الاعتراف من العدو قبل الصديق، وأعادت للقضية المركزية زخمها وحضورها على الساحة الدولية، وقفزت بها إلى مكان الصدارة من الأحداث.
انتفاضة الأهل في الأرض المحتلة، التي اندلعت لمواجهة سياسة القبضة الحديدية لسلطات الاحتلال الصهيوني، لم تكن حدثاً عابراً أو هبة صدفية، أو رد فعل مؤقت. لقد جاءت تتويجاً لسلسلة طويلة من النضالات الوطنية التي شهدتها الأرض الفلسطينية منذ دنسها العدو الصهيوني باحتلاله قبل نصف قرن. إنها فعل واع مدروس يجترحه شعب صمم على التمسك بأرضه ووطنه وهويته وانتمائه إلى أمته والدفاع عن جذوره وأصالته وتاريخه العريق الذي انغرز في الأرض، وتدفق عطاء وحضارة ورسالة سماوية منذ آلاف السنين.
ولعل أبرز ما يميز الانتفاضة البطلة عن غيرها من أشكال الكفاح السابق: الاتساع والشمولية والعمق. فقد عمت الانتفاضة كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وامتدت إلى الأراضي المحتلة عام 1948. وتشارك فيها جميع فئات الشعب العربي الفلسطيني: رجالاً ونساءً وأطفالاً. ولهذا كانت، وما تزال، تعبيراً أصيلاً عن الوحدة الفولاذية لهذا الشعب في مواجهة الاحتلال .. وهذه الوحدة هي شرط أساسي من شروط الانتصار على العدو.. وما يظهر بين الفينة والفينة من تباينات في موقف هذا الفصيل الفلسطيني وذاك إنما هو تباين على الأسلوب الأفضل في مقارعة الاحتلال والتصدي له.
لقد أكدت الانتفاضة من خلال تواصلها وتصاعدها جملة من الحقائق، وفي مقدمتها:
- إصرار الشعب العربي الفلسطيني على انتزاع حقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف: حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني بقيادة ممثله الشرعي الوحيد منظمة التحرير الفلسطيني.
- استحالة التعايش مع الاحتلال الصهيوني الذي يرمي من خلال سياسته القائمة على الإرهاب والقمع والاستيطان والقتل والاعتقال والإبعاد إلى إلغاء الشعب العربي الفلسطيني وجوداً وهوية وكياناً.
- دحض كافة ادعاءات الكيان الصهيوني حول "الواحة الديمقراطية" (كذا) التي أقامها في الشرق الأوسط، وكشف الطبيعية العنصرية الفظة لهذا الكيان الذي يمثل أبشع مظاهر النازية في النصف الثاني من القرن العشرين.
- إعادة القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث العالمية، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته إزاء هذه القضية العادلة التي أريد لها أن تصبح من المنسيات.
- إن القضية الفلسطينية، وحقوق شعب فلسطين العربي جوهرها كانت وما تزال وستبقى القضية المركزية للشعب العربي في سائر أقطاره. ومهما تكن الخلافات والاختلافات بين البلدان العربية فإنها ستجد في القضية الفلسطينية محوراً تتوحد حوله وتستمد منه القدرة على تجاوز المحن والاختلافات.
لهذا كله كانت الانتفاضة وما تزال معلماً بارزاً من معالم النضال الفلسطيني والعربي في الثمانينات من هذا القرن.
يرتبط دخول الانتفاضة عامها السادس بأحداث بالغة الأهمية، فلسطينياً وعربياً ودولياً. فلسطينياً، تشهد الأراضي العربية المحتلة منذ قرابة الشهرين تصاعد الكفاح الوطني لأهلنا في الأرض المحتلة، وهجمات متواترة ومكثفة لشبان الانتفاضة الفلسطينية على المواقع العسكرية الإسرائيلية وعلى المستوطنات الصهيونية داخل الأرض العربية المحتلة، مما أدى إلى ارتفاع عدد الإصابات في صفوف القوات الإسرائيلية وفي صفوف المستوطنين.
وقد استخدم العدو الصهيوني كل آلته القمعية لإجهاض الانتفاضة، وفشل. وما قرار الإبعاد لأربعمائة وخمسة عشر فلسطينياً إلا بعض من التدابير التي لجأ إليها لقمع الانتفاضة. ولكن هيهات.
إن ارتفاع حدة المواجهات يؤكد مرة أخرى أن جذوة الانتفاضة لا يمكن أن تخبوا، بل إنها سوف تزداد اتقاداً وامتدادً وتأثيراً.
عربياً، شكلت الانتفاضة، وما تزال، البقعة المضيئة الوحيدة - ربما - في الأجواء العربية الداكنة، وورقة بالغة الأهمية بأيدي الفلسطينيين والعرب في عملية التسوية وجولات المفاوضات التي بدأت منذ مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط قبل عام ونيف. وليس مستغرباً أن يطلب العدو الصهيوني مراراً وجهاراً وقف الانتفاضة كشرط لتسريع عملية التسوية،وإعادة المبعدين مؤخراً - خاصة بعد أن أدرك العالم أجمع أن إسرائيل ليست جادة في موقفها من عملية السلام، وأن لاءاتها ما تزال قائمة: لا للانسحاب الشامل، لا لمبدأ الأرض مقابل السلام، لا لحقوق الشعب العربي الفلسطيني والدولة الفلسطينية، ولا لتنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي 242 و 338 و 425 الخاص بلبنان.
دولياً، تواجه القضية الفلسطينية والانتفاضة أحد تعبيراتها الأكثر وضوحاً، مرحلة جديدة في عالم اليوم تتميز بهيمنة الولايات المتحدة كقطب واحد، على مقدرات العالم .. وتتضح مع مرور الأيام معالم النظام الجديد الذي سيسود العالم لمرحلة غير قصيرة ومما لا شك فيه أن موقف شعوب العالم، ومنها شعبنا العربي، من هذا النظام يتوقف على مصداقية هذا النظام في التعامل مع قضايا هذه الشعوب. وحتى الآن تشير كل الدلائل إلى تعاطي هذا النظام والقائمين عليه مع قضايانا العربية تعاطياً غير موضوعي، يتميز باستخدام المعايير المزدوجة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية، وعندما يكون الموقف المطلوب موجهاً ضد إسرائيل.
وآخر دليل على ذلك هو الموقف من رفض إسرائيل علناً تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 799 الذي ينص على إعادة المبعدين الفلسطينيين إلى ديارهم. ورغم إدانة مجلس الأمن للإجراء الإسرائيلي، ورغم الاستنكار الذي وجه به هذا الإجراء على الصعيد العالمي، فإن القائمين على النظام العالمي الجديد لم يحركوا ساكناً لفرض إرادة الأمم المتحدة، التي سارعوا إلى فرضها بالحديد والنار، في أماكن أخرى من الشرق الأدنى ومن قبل عامين .. فإلى متى هذه الازدواجية في الموقف؟ أو إلى متى هذا الصمت عن حقوق الشعوب المغتصبة؟
لقد احتلت قضية فلسطين دائماً مركز الصدارة في نشاط الاتحاد البرلماني العربي. ومنذ اندلاع الانتفاضة أكد الاتحاد في مقررات مجالسه المتعاقبة وبياناته ومواقف المسؤولين فيه وقوفه الصلب إلى جانب الانتفاضة ودعمه لها واستخدام كافة الإمكانات المتاحة له، عربياً ودولياً، لتأكيد موقف الدعم هذا .
واليوم وفي الذكرى الخامسة لاندلاع الانتفاضة الباسلة ينحني البرلمانيون العرب خشوعاً وإجلالاً لشهداء الانتفاضة الذين عبدوا بدمائهم وتضحياتهم طريق الكفاح. ويوجهون تحية إكبار وإجلال لأبطال الحجارة الذين يواصلون مسيرة النضال في أقسى الظروف ويعلنون تضامنهم مع الأخوة الفلسطينيين المبدين ويطالبون الحكومات العربية والرأي العام الدولي بكافة منظماته وهيئاته إلى العمل بكل السبل للضغط على مجلس الأمن الدولي لاتخاذ الإجراءات المناسبة بما فيها تطبيق أحكام الباب السابع من ميثاق الأمم المتحدة لإرغام إسرائيل على الانصياع لإرادة المجتمع الدولي والشرعة الدولية، وتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 799 وسائر القرارات ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.
المجد والخلود لشهداء الانتفاضة الباسلة.
والنصر لكفاح الشعب العربي الفلسطيني وقضيته العادلة.