الاتحاد البرلماني العربي

مجلــة البرلمــان العــربي
السنة الرابعة عشرة - العدد: الثامن والأربعون كانون الثاني - آذار (يناير - مارس) 1993

شعار الاتحاد البرلماني العربي
 
كلمة العدد
قرار الإبعاد بين:
الانتفاضة والاحتلال ومصداقية الشرعية الدولية

بقلم: عبد الرحمن بوراوي
الأمين العام للاتحاد البرلماني العربي

شكلت الانتفاضة البطولية للشعب العربي الفلسطيني منذ اندلاعها رداً شعبياً شاملاً على الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية، وعلى الممارسات القمعية والإرهابية، وأعمال القتل والاعتقال والتشريد والاستيطان التي تقوم بها السلطات الإسرائيلية المحتلة بصورة مستمرة.
وبعد شهور قليلة من الصدامات مع أبطال الانتفاضة وحجارتهم، أدركت إسرائيل أنها تواجه مرحلة نوعية جديدة من التصدي والمقاومة. وأضحت الانتفاضة، بتصاعدها وامتدادها المتواصلين، هما جدياً يؤرق سلطات الاحتلال ويقض مضجعها. لذلك بدأت التخطيط لقهر الانتفاضة وإجهاضها من خلال تصعيد إجراءات القمع، وتوسيع أعمال القتل والاعتقال وهدم البيوت، والاستشراء في استقدام المهاجرين وبناء المستوطنات.
ولكن ذلك كله لم يجد العدو فتيلاً.. فالانتفاضة مستمرة، والتصميم على انتزاع الحقوق الوطنية الثابتة للشعب العربي الفلسطيني يزداد قوة ورسوخاً. وتزداد القناعة لدى الرأي العام العالمي بأن الانتفاضة، التي يشار إليها اليوم بلفظها العربي في كل لغات العالم، ليست حدثاً طارئاً، ولا هبة عفوية، وإنما هي فعل ثوري عميق يملك كل مقومات الاستمرار والتطور، وهي تعبير عن إرادة شعب بأكمله، في رفض الاحتلال والتمسك بحقوقه الوطنية الثابتة، في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني. وهذا ما يزيد في قلق إسرائيل، ويدفعها إلى تصعيد شراستها وإرهابها في مواجهة الانتفاضة. ومن هنا جاء قرار إبعاد أربعمائة وثمانية عشر مناضلاً فلسطينياً إلى الأراضي اللبنانية المحتلة كواحد من الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى إجهاض الانتفاضة الباسلة لشعبنا العربي الفلسطيني التي دخلت منذ أسابيع عامها السادس.
قد لا يختلف اثنان اليوم أن تواصل الانتفاضة وتصاعدها كانا من بين أهم العوامل التي جعلت سلطات الاحتلال تقبل بالتفاوض علناً حول مستقبل الأراضي الفلسطينية ومستقبل الشعب العربي الفلسطيني، بغض النظر عن جميع الاشتراطات و (اللاءات) التي وضعتها تلك السلطات. ولا أظن أحداً يختلف معنا أيضاً في أن قرار الإبعاد الجماعي الذي نفذته سلطات الاحتلال يشكل ضربة لمفاوضات السلام التي تجري بهدف التوصل إلى حل سلمي عادل وشامل لأزمة الشرق الأوسط، ومسائل الصراع العربي الإسرائيلي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. فبعد المراوغات الإسرائيلية المتواصلة، وبعد العراقيل الكثيرة التي وضعتها إسرائيل في وجه المفاوضات وإيصالها إلى طريق مسدود من خلال رفضها الموافقة على قرارات الأمم المتحدة، ورفضها لمبدأ مقايضة الأرض بالسلام، يأتي قرار الإبعاد ليعطي تأكيداً جديداً لعدم جدية إسرائيل السير بعملية السلام إلى نهايتها المنطقية، وهي تنفيذ قراري مجلس الأمن 242 و 338 وكذلك القرار 425، الخاص بلبنان، والتي تدعو جميعاً إلى انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة، بما فيها القدس، والاعتراف بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب العربي الفلسطيني.
إن شعوب العالم أجمع، إيماناً منها بعدالة القضية الفلسطينية، قد أبدت تعاطفها مع أبطال الانتفاضة. وعمت مختلف البلدان، حتى تلك التي تجد إسرائيل فيها التعاطف والتأييد، موجة من الاستنكار والإدانة لقرار سلطات العدو الصهيوني إبعاد أكثر من أربعمائة فلسطيني عن وطنهم وعائلاتهم. وجاء قرار مجلس الأمن الدولي رقم 799،المتخذ بالإجماع، تعبيراً واضحاً عن إرادة المجتمع الدولي والشرعية الدولية، يطالب أيضاً بإعادة المبعدين إلى ديارهم على الفور. وفي نفس الوقت جاء الرفض الإسرائيلي لذلك القرار، والإصرار على عدم تنفيذه.
من الناحية القانونية يشكل قرار الإبعاد تحدياً لإرادة المجتمع الدولي وخرقاً لمبادئ الشرعية الدولية، المتمثلين حالياً في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وقراراتهما. فميثاق الأمم المتحدة يؤكد احترام حقوق الإنسان ويحظر احتلال أراضي الغير بالقوة، ويدعو إلى الاعتراف بحق تقرير المصير لجميع الشعوب، وقرار الإبعاد يتنافى تماماً مع كل ما جاء في هذا الميثاق.
كما أن قراري مجلس الأمن الدولي 242 و 338 يدعوان صراحة إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة في عام 1967، والاعتراف بحقوق الشعب العربي الفلسطيني الوطنية المشروعة، وبالتالي فإن قرار الإبعاد يشكل خرقاً صريحاً لمحتويات هذين القرارين.
وقرار مجلس الأمن الأخير رقم 799 الذي اتخذ بالإجماع قد أدان قرار الإبعاد، ودعا السلطات الإسرائيلية إلى إعادة المبعدين الفلسطينيين فوراً إلى ديارهم.
من جهة أخرى يشكل قرار الإبعاد انتهاكاً فاضحاً لنصوص اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 التي تحظر على السلطات المحتلة إجراء أي تغيير جغرافي أو ديمغرافي في أوضاع السكان الواقعين تحت الاحتلال، كما تحظر طرد أو إبعاد أولئك السكان أو اتخاذ أية إجراءات قمعية ضدهم. فقرار الإبعاد إذن باطل قانونياً لأنه يتناقض مع كافة القوانين والأعراف والاتفاقيات الدولية، ولأنه يستند إلى قرار محكمة إسرائيلية لا يعترف القانون الدولي بسريان أحكامها على الأراضي العربية المحتلة.

^ العدد 48 - صفحة المحتوى

فلماذا ترفض إسرائيل قرارات الشرعية الدولية وتواصل تحديها لإرادة المجتمع الدولي؟
لقد اتخذت إسرائيل قرار الإبعاد الجماعي ذاك في ظل أوضاع إقليمية ودولية متميزة:
إقليمياً- استفادت إسرائيل من تفوقها العسكري المتميز، ومن تفكك البلدان العربية وغياب التضامن العربي … ودولياً - اتخذ القرار في ظل ما يسمى بالنظام العالمي الجديد الذي تهيمن عليه قوة واحدة تتعامل مع القضايا الدولية والإقليمية بمعايير مختلفة. وهذا ما يطرح أمامنا بكل جدية موضوع مصداقية الأمم المتحدة والشرعية الدولية.
لقد اقترنت مصداقية الأمم المتحدة وفاعلية حضورها على ساحة السياسة الدولية بممارسة دور سلمي نابع من جوهر ميثاقها وبمنأى عن أي تأثير خارجي من أية جهة أو قوة مهما بلغ شأنها. واتخذت الأمم المتحدة قراراً بالإجماع (القرار 799) يدعو إسرائيل إلى إعادة المبعدين الفلسطينيين، ولكنها سكتت عن التحدي الإسرائيلي لهذا القرار، ولم تتخذ أية إجراءات من شأنها إلزام إسرائيل بالتنفيذ. وكان الأمر كذلك دائماً فيما يتعلق بالقرارات الأخرى الخاصة بالقضية الفلسطينية. وعلى النقيض من ذلك رأينا الأمم المتحدة تتخذ إبان أزمة الخليج أكثر المواقف تشدداً وحزماً وسرعة في التنفيذ. فلماذا الكيل بمكيالين؟ وإلى متى تستمر هذه الازدواجية في المعايير؟
إن شعوب العالم، لاسيما شعوب العالم الثالث، ومنها شعبنا العربي، قد تفاءلت بزوال الحرب الباردة من العلاقات الدولية، وعبرت عن طموحها بإقامة نظام عالمي جديد يتصف بالعدالة والمنطق ومراعاة مصالح بلدانها. ولكن ما يجري على أرض الواقع يتعارض تماماً مع ذلك الشعور بالتفاؤل، ومع كافة المصالح التي تسعى أكثرية شعوب العالم إلى ضمانها، وخصوصاً مصالح شعبنا العربي. ففي ظل النظام العالمي الجديد حصلت إسرائيل وبسرعة كبيرة على ما لم تكن تنتظره: الهجرة الواسعة لمئات الآلاف من اليهود إلى الأراضي العربية المحتلة، ومليارات الدولارات لاستيعاب أولئك المهاجرين، وإلغاء قرار الأمم المتحدة مساواة الصهيونية بالعنصرية - وهو سابقة خطيرة في تاريخ الأمم المتحدة - وتسليحاً جديداً نوعاً وكماً، والإقرار بحقها الاحتفاظ بأسلحتها النووية .. و .. و .. فهل نستغرب بعد ذلك الموقف الصهيوني من قرار مجلس الأمن الدولي؟..
ولابد من إشارة أيضاً إلى أن سياسة المعايير المزدوجة هي سياسة ليس لها مستقبل. وسوف تبقى مصداقية الأمم المتحدة رهناً بمقدار ما تعمل في خدمة السلام والأمن الدوليين وضمان مصالح شعوب العالم بدون تمييز، وتنفيذ القرارات الصادرة عن هيئاتها بمعيار واحد.
إن تكاتف شعوب العالم وتوحيد مواقفها في وجه محاولات الهيمنة الراهنة على مصائر الشعوب كفيل بان تعيد المصداقية إلى الأمم المتحدة وتحويلها إلى عامل سلام وأمن وتعاون لجميع الشعوب. لقد كانت الدورة الطارئة لمجلس الاتحاد البرلماني العربي التي عقدت في عمان في أواخر شهر كانون الثاني - يناير - الماضي على حق تماماً في إشارتها إلى أن وحدة الموقف بين الدول العربية، وإحياء التضامن العربي هما السبيل الوحيد لجعل الصوت العربي مسموعاً، ولجعل الموقف العربي ذا فاعلية وتأثير في الساحة الدولية.

^ العدد 48 - صفحة المحتوى

.
المحتــــوى
1- كلمة العدد :
قرار الإبعاد بين: الانتفاضة والاحتلال ومصداقية الشرعية الدولية
بقلم : عبد الرحمن بوراوي، الأمين العام للاتحاد
2- ملف العدد :
الدورة الثالثة والعشرون الطارئة لمجلس الاتحاد البرلماني العربي
- البيان الختامي الصادر عن الدورة
- برقية إكبار وتقدير إلى صاحب الجلالة الملك الحسين
- الكلمات التي ألقيت في جلسة افتتاح الدورة
- كلمة صاحب السمو الملكي الأمير حسن بن طلال
- كلمة الاستاذ عبد القادر قدورة رئيس الاتحاد البرلماني العربي، رئيس مجلس الشعب السوري
- كلمة معالي الدكتور عبد اللطيف عربيات، رئيس مجلس النواب الأردني
- كلمات السادة رؤساء الوفود المشاركة
- قائمة بأسماء رؤساء وأعضاء الوفود المشاركة في الدورة
3- أنشطة الاتحاد والشعب الأعضاء في مواجهة القرار الصهيوني بإبعاد الأشقاء الفلسطينيين
4- اليوم العالمي للتضامن مع الشعب العربي الفلسطيني
5- دراسات :
مبدء الشورى بين التراث والمعاصرة
بقلم: عبد القادر الفياض

البرلمان العربي: نشرة فصلية تصدرها الأمانة العامة للاتحاد البرلماني العربي
المدير المسؤول ورئيس التحرير: عبد الرحمن بوراوي، الأمين العام للاتحاد البرلماني العربي
مساعد رئيس التحرير: أحمد مكيّس، مدير العلاقات البرلمانية
الإدارة :دمشق ـ سورية، ص. ب. 4130
هاتف : 6130042، 6130043
فاكس : 6130224
تلكس : 412046

[ الاتحاد البرلماني العربي - صفحة البداية ] [ البرلمان العربي - قائمة الأعداد ] [ منشورات الاتحـاد ] [ بريد الاتحـاد ]