الاتحاد البرلماني العربي

مجلــة البرلمــان العــربي
السنة الرابعة عشرة - العدد :
التاسع والأربعون نيسان ( إبريل ) - حزيران ( يونيو ) 1993

شعار الاتحاد البرلماني العربي
 
حقوق الإنسان
من ندوة بودابست إلى مؤتمر فيينا

بقلم: عبد الرحمن بوراوي
الأمين العام للاتحاد البرلماني العربي

احتضنت العاصمة الهنغارية بودابست في النصف الثاني من شهر أيار - مايو الماضي الندوة البرلمانية الدولية حول " البرلمان - حارساً لحقوق الإنسان " التي نظمت بالتعاون بين الاتحاد البرلماني الدولي ولجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة . وشارك فيها ممثلو برلمانات ثمانية وخمسين بلداً ، بالإضافة إلى عدد كبير من المفكرين والاختصاصيين في موضوع الندوة ، بالإضافة إلى ممثلي عدد من المنظمات البرلمانية الإقليمية . وقد اكتسبت الندوة أهمية خاصة لأسباب ثلاثة :
أولاً - لأنها ناقشت موضوعاً بالغ الأهمية في عالمنا المعاصر اليوم . فموضوع حقوق الإنسان يشكل إحدى القيم الأساسية التي تبنى عليها الحياة الإنسانية في كل مجتمع . وهو أكثر القيم التصاقاً بحياة الإنسان الفرد وحاضره ومستقبله وبحياة الشعوب من جهة ، وتلعب دوراً شديد الأهمية في بناء المجتمعات والدول وصياغة مستقبلها ، من جهة أخرى ، لأن احترام هذه الحقوق وتطبيقها من شأنه أن يفسح المجال لإطلاق طاقات الجماهير وقدراتها الخلاقة ، وتوفير الظروف لها للإسهام في بناء مجتمعاتها . وفضلاً عن ذلك فإن موضوع الندوة يستأثر باهتمام كبير على الصعيد الدولي في الوقت الراهن ، وأصبحت له تأثيرات حيوية حتى في مجال صياغة العلاقات بين الدول .
ثانياً - لأن المشاركين في الندوة هم في غالبيتهم ممثلو الشعوب الذين يتحسسون مشاعرها ويملكون مقومات الدفاع عن حقوق الإنسان وحمايتها ، وتجسيد هذه الحقوق في قوانين وشرائع قابلة للتنفيذ من جهة ، ومراقبة أساليب التنفيذ وتقويمها عند الضرورة ، من جهة أخرى .
ثالثاً - لأنها جاءت في إطار التحضير للمؤتمر العالمي الثاني حول حقوق الإنسان الذي نظمته الأمم المتحدة في فيينا خلال شهر حزيران - يونيو - الماضي ، والذي كان خطوة لوضع استراتيجية عالمية حول حقوق الإنسان من خلال محاولة لتوحيد الرؤى والتصورات المختلفة حول هذه القضية البالغة الأهمية .

^ العدد49 - صفحة المحتوى

ارتبط مفهوم حقوق الإنسان دائماً بمفهوم الحرية . وقد أدرك الإنسان مفهوم الحرية ، التي تشكل نزعو فطرية أصيلة فيه ، وناضل من أجلها منذ أقدم العصور . وتطور مفهوم الحريات العامة وحقوق الإنسان مع التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها مختلف الدول . ونشأت مدارس عدة تذهب شتى الاتجاهات في تفسير مفهوم الحرية والحق ، وفي كيفية تطبيق هذا المفهوم على أرض الواقع ، ولكنهما بقيا على الدوام نقطة استقطاب لعمل الإنسان ونضاله في سبيل حياة أفضل . وعلى الصعيد الدولي ، وبعد نضالات طويلة ومريرة خاضتها جميع شعوب العالم ، وقدمت خلالها تضحيات جسيمة تجسد مفهوم حقوق الإنسان في ( الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ) الذي أقرته الأمم المتحدة في العاشر من كانون الأول (ديسمبر ) 1948 . وتلت ذلك الإعلان مجموعة أخرى من الإعلانات الدولية أهمها : إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة عام 1960 ، الذي ربط بين حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها ن وإعلان إزالة كافة أشكال التمييز العنصري عام 1963 ، وإعلان إلغاء التمييز ضد المرأة علم 1967 ، والاتفاقية الدولية الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ن وغيرها . وفي سائر هذه الإعلانات أكد المجتمع الدولي اهتمامه بحقوق الإنسان ن والدفاع عنها ، وتوفير الأساس القانوني لحمايتها. ومن المتفق عليه دولياً أن حق الشعوب في تقرير مصيرها هو من الشروط الجوهرية لممارسة حقوق الإنسان ، وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 637 لعام 1952 . كذلك أكدت قرارات الجمعية العامة مشروعية كفاح الشعوب في سبيل ممارسة حقها في تقرير المصير ، ونيل الاستقلال بكل الوسائل المتاحة . فبدون الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها لا يمكن الحديث عن وجود حقوق الإنسان في بلد معين . وحيثما تنعدم ممارسة هذا الحق ونكون الجماعات البشرية خاضعة للسيطرة الأجنبية ، فإن الإنسان لا يمكن أن يعتبر حراً ، ويكون الحديث عن حقوق الإنسان في مثل هذه الحالة ضرباً من الوهم والتضليل . وتأسيساً على ذلك ، فإننا في العالم العربي نعتبر احتلال إسرائيل للأراضي العربية في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة والجولان وجنوب لبنان انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان . كما نعتبر ، ويعتبر معنا العالم المؤمن بقضية الحرية وحقوق الإنسان ، أن انتفاضة الشعب العربي الفلسطيني التي دخلت شهرها الثامن والستين هي دفاع مشروع عن النفس وتهدف إلى انتزاع حق تقرير المصير الذي أقرته جميع الشرائع والقوانين الدولية . لقد جاءت الانتفاضة رداً على سياسة القبضة الحديدية التي تمارسها السلطات الإسرائيلية ضد سكان الأراضي العربية المحتلة والتي تتمثل في الاعتقال الكيفي ، والتعذيب الوحشي حتى الموت ، وهدم البيوت ، والطرد من الوطن ، وإغلاق المدارس والجامعات ، وغير ذلك من الأساليب الوحشية التي تمثل انتهاكاً فاضحاً لحقوق الإنسان وشرعة الأمم المتحدة واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 . وآخر دليل على ممارسة السلطات الإسرائيلية المحتلة وخروقاتها لحقوق الإنسان هو إبعاد هذه السلطات ل418 مواطناً فلسطينياً إلى أراضي لبنانية تقع خارج السيطرة الشرعية اللبنانية ، والإصرار على عدم تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 799 المتخذ بالإجماع والقاضي بإعادة هؤلاء المبعدين إلى ديارهم وأهلهم ، والمماطلات الإسرائيلية في مفاوضات السلام التي أوصلت هذه المفاوضات إلى طريق مسدود . إن تحدي إسرائيل لإرادة المجتمع الدولي ولاشرعية الدولية يشكل ضربة موجهة لعملية السلام التي تهدف إلى إيجاد حل سلمي للصراع في الشرق الأوسط يحول هذه المنطقة من بؤرة ساخنة للتوتر والحروب إلى واحة للأمن و السلام . ومن الواضح أن نضال الشعب العربي الفلسطيني لن يتوقف إلى أن يتم الاعتراف بحقوقه الوطنية الثابتة : في العودة ، وتقرير المصير ، وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني بقيادة ممثله الشرعي الوحيد ، منظمة التحرير الفلسطينية . ولعل ما يجري اليوم في البوسنة والهرسك يمثل دليلاً آخر على انتهاك حقوق الإنسان وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها ، وعلى تهاون المجتمع الدولي - وربما عجزه - عن فرض إرادته لوقف المجازر المتعمدة ضد الفئات المسلمة في الاتحاد اليوغسلافي السابق . إن عدم وقف أعمال القتل والتهجير والاغتصاب ضد مسلمي البوسنة والهرسك يشير إلى ازدواجية المعايير التي تستخدمها القوى المهيمنة على مقدرات الأمم المتحدة من جهة ، ويفقد هذه المنظمة الدولية مصداقيتها في أعين شعوب العالم كمرجع لحل الخلافات الدولية وأداة لتوطيد الأمن والسلام في العالم ، من جهة أخرى . إن تطور حقوق الإنسان وازدهارها في مجتمع معين يتطلب توفير آليات واضحة لضمان احترامها . ومن هذه الآليات تكوين رأي عام يؤمن بهذه الحقوق ويغار عليها ، ويملك الاستعداد للدفاع عنها وحمايتها بدءاً من توفير الأساس القانوني من قبل السلطات التشريعية مروراً بممارسة تلك الحقوق من جانب السلطات التنفيذية . ومن هنا يبرز الدور الهام الذي تضطلع به البرلمانات في العالم بوصفها حارساً لحقوق الإنسان وهيئات مسؤولة عن مراقبة احترامها وتطورها. إن مسألة حقوق الإنسان لم تعد قضية داخلية خاصة بكل بلد على حدة . ولكنها تكتسب ، في عالمنا المعاصر ، وبجوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بعداً دولياً شاملاً لتصبح قضية إنسانية عامة . وإذا كانت مهمة المجتمع الدولي العمل على تعزيز هذه الحقوق وحمايتها فإن هذه الحماية يجب أن لا تتناقض مع سيادة الدول ، وأن لا تتخذ ذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للشعوب والدول . والأهم من كل هذا أن مصداقية أي موقف يتخذ من هذه القضية الحساسة سوف تقاس دائماً باستخدام معيار واحد منها في جميع الحالات وفي جميع الأماكن . فسياسة المعايير المزدوجة في هذه المسألة لن تؤد إلا إلى تعقيد الأمور وفقدان المصداقية . وقد كان هذا الجانب موضع نقاشات طويلة وحادة في المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان الذي عقد في فيينا في حزيران - يونيو - الماضي ، وظهر جلياً تباين في المواقف ، خاصة بين دول الشمال التي حاولت فرض مفهومها وتصوراتها لحقوق الإنسان ن ودول الجنوب التي رفضت أي تدخل في شؤونها تحت ذريعة العمل لحماية حقوق الإنسان . وقد عبر ممثلو دول الجنوب الذي يمثل الأغلبية الساحقة من شعوب العالم عن ضرورة إحداث تغيرات إيجابية في آليات الأمم المتحدة ، لا سيما في مجلس الأمن الدولي ، باتجاه زيادة فاعلية الدور الذي تلعبه هذه الدول في الساحة الدولية وذلك على قدم المساواة مع دول الشمال الغنية التي تسيطر حالياً على مجلس الأمن والهيئات الفاعلة الأخرى في الأمم المتحدة . وربما كان هذا التوجه أبعد أثراً بالنسبة لضمان حقوق الإنسان وحمايتها على الصعيد العالمي من تعيين مفوض لشؤون حقوق الإنسان - وهو ما حاولت دول الشمال فرضه في مؤتمر فيينا - ولكنها لم تنجح . على أن أهمية مؤتمر فيينا تبقى في أنه المحاولة الثانية ن بعد خمسة وعشرين عاماً من المحاولة الأولى في مؤتمر طهران - من جانب المجتمع الدولي لإرساء تصور شامل وقواعد دولية مقبولة لممارسة حقوق الإنسان ، وإبقاء الدفاع عن هذه الحقوق واحترامها ، وتطبيق المبادئ التي تضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مركز الاهتمام الدولي والإنساني .

^ العدد49 - صفحة المحتوى

.
المحتــــوى
1- كلمة العدد :
حقوق الإنسان من ندوة بودابست إلى مؤتمر فيينا
بقلم : عبد الرحمن بوراوي، الأمين العام للاتحاد
2- أخبار برلمانية عربية
3- نشاطات الاتحاد
4- تقارير :

- تقرير حول زيارة الوفد البرلماني العربي إلى رومانيا
- تقرير حول أعمال المؤتمر 89 للاتحاد البرلماني الدولي والقرارات الصادرة عنه
- تقرير حول ندوة : البرلمان - حارساً لحقوق الإنسان
- خلاصة مناقشات الندوة
5- دراسات :
مطلوب حل جذري لمشكلة المديونية في العالم النامي
( إعداد مركز الدراسات البرلمانية في مجلس الشعب المصري )
6- وثائق :
- قراءة ما بين السطور (حول أوضاع الصحافة في الأراضي العربية المحتلة )
- الوثيقة الختامية للمؤتمر البرلماني الدولي حول البيئة والتنمية

البرلمان العربي: نشرة فصلية تصدرها الأمانة العامة للاتحاد البرلماني العربي
المدير المسؤول ورئيس التحرير: عبد الرحمن بوراوي، الأمين العام للاتحاد البرلماني العربي
مساعد رئيس التحرير: أحمد مكيّس، مدير العلاقات البرلمانية
الإدارة :دمشق ـ سورية، ص. ب. 4130
هاتف : 6130042، 6130043
فاكس : 6130224
تلكس : 412046

[ الاتحاد البرلماني العربي - صفحة البداية ] [ البرلمان العربي - قائمة الأعداد ] [ منشورات الاتحـاد ] [ بريد الاتحـاد ]