التعاون العربي - الإفريقي
ضرورة ملحة في الظروف الدولية الراهنة
بقلم: عبد الرحمن بوراوي
الأمين العام للاتحاد البرلماني العربي
جرت في العاصمة التونسية يومي الأول والثاني من شهر تشرين الأول - أكتوبر - 1993 أعمال المؤتمر السادس عشر لاتحاد البرلمانات الإفريقية . وقد شاركت في المؤتمر بصفة ملاحظ وفود من عدة منظمات برلمانية وغير برلمانية إقليمية ودولية ، من بينها وفد من الأمانة العامة للاتحاد البرلماني العربي برئاسة السيد عبد الرحمن بوراوي ، الأمين العام للاتحاد . وألقى السيد بوراوي أمام أعضاء المؤتمر كلمة تحية باسم الاتحاد البرلماني العربي تناول فيها مختلف القضايا الإقليمية والدولية ورأي البرلمانيين العرب فيها ، كما تعرض إلى التعاون العربي - الإفريقي وأهمية تعزيزه في الظروف الدولية الراهنة . وقد ارتأت هيئة التحرير أن تنشر النص الكامل لهذه الكلمة كافتتاحية لهذا العدد من " البرلمان العربي " .
بسم الله الرحمن الرحيم
السيد رئيس اتحاد البرلمانات الإفريقية ،
السيد رئيس مجلس النواب التونسي ، رئيس المؤتمر ،
السادة رؤساء المجالس النيابية ورؤساء وأعضاء الوفود ،
السيدات والسادة ،
اسمحوا لي أولاً أن أستهل كلمتي بتهنئتكم على انتخابكم رئيساً لهذا المؤتمر متمنياً لكم النجاح في مهمتكم . وباسم الاتحاد البرلماني العربي أتوجه بجزيل الشكر وعميق الامتنان إلى رئاسة اتحاد البرلمانات الإفريقية وأمانته العامة وإلى الأخوة في مجلس النواب التونسي على الدعوة الكريمة التي وجهت إلى الاتحاد البرلماني العربي للمشاركة في أعمال مؤتمركم السادس عشر . وأغتنم هذه الفرصة لأنقل إليكم جميعاً ، ومن خلالكم إلى جميع برلمانيي القارة الإفريقية وشعوبها ، تحيات الأستاذ عبد القادر قدورة ، رئيس الاتحاد البرلماني العربي وتحيات السادة رؤساء وأعضاء البرلمانات العربية المنضوية تحت لواء الاتحاد البرلماني العربي وتمنياتهم لكم بالتوفيق والنجاح في مؤتمركم . إن انعقاد المؤتمر في تونس له دلالة هامة بالنسبة لنا في الاتحاد البرلماني العربي . فتونس ، في عهدها الجديد الذي دشنه السابع من نوفمبر ، هي إحدى البلدان العربية الإفريقية التي استقرت فيها الحياة البرلمانية والممارسة الديمقراطية منذ فترة طويلة . وهي ، من خلال انتمائها العربي والإفريقي ، قد لعبت ، وما تزال تلعب دوراً بارزاً في تطوير وتعميق العلاقات العربية - الإفريقية . وعلى أرضها المعطاء ، وفي رحاب هذا المجلس الموقر ، انعقد المؤتمر الأول للحوار البرلماني العربي - الإفريقي الذي وضع الإطار التنظيمي للعلاقات بين اتحادينا وبرلماناتنا من جهة ، وأعطى دفعة قوية لنمو العلاقات العربي - الإفريقية التي تحمل كل علائم التطور والتقدم والازدهار ، من جهة أخرى . وهذا أمر طبيعي يرتكز إلى ماض طويل من النضال للتحرر من براثن الحرمان والتخلف ، ويتيح لشعوبنا إمكانية بناء حياتها المستقلة وفقاً لإرادتها ومصالحها الوطنية .
أيها السادة ،
ينعقد مؤتمركم في ظروف متميزة إفريقياً وعربياً ودولياً . فقد شهدت الفترة الأخيرة نجاحات هامة على الساحة الإفريقية : فشعب جنوب إفريقيا حقق انتصاراً هاماً يؤكد حقه في تقرير المصير والمشاركة في بناء بلده . وجرت خطوات كبيرة على طريق تصفية نظام الآبار تهيد العنصري البغيض من خلال العمل لتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 765 لعام 1992 . كما جرت تطورات إيجابية كبيرة في العديد من البلدان الإفريقية على طريق تعزيز مسيرة الديمقراطية وحقوق الإنسان . وإذا كانت هذه النجاحات تشكل مصدر ارتياح وسعادة لنا ، فإنه ثمة أزمات تحتاج إلى حلول عاجلة ، ولاشك أننا جميعاً نشعر بالأسى والقلق لما حل بالصومال من انقسام أدى إلى ما نعرفه من وضع مأساوي . وينبغي أن تتضافر جميع الجهود لكي ننقذ هذا البلد الشقيق من كارثة الحرب الأهلية والجوع والدمار . كذلك يشكل مصدر قلق لنا جميعاً استمرار الأزمة بين ليبيا وبعض الدول الغربية ، بالرغم من المواقف الإيجابية المرنة التي اتخذتها الجماهيرية الشقيقة حيال هذه الأزمة . ولقد دعا الاتحاد البرلماني العربي ، غير مرة ، إلى تكثيف الجهود لإيجاد تسوية للأزمة تقوم على احترام سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة ، واعتماد مبدأ التحقيق الموضوعي المحايد الذي يكفل تحديد الجهات المسؤولة وفق قواعد القانون الدولي ومبادئه ، ودون اللجوء إلى تصعيدات جديدة . وأود أن أسجل هنا بكل الارتياح التعاون والتأييد اللذين لقيهما من البرلمانيين الأفارقة الأشقاء تحرك الوفود البرلمانية العربية التي زارت بعض البلدان الإفريقية لشرح مواقف الاتحاد البرلماني العربي من الأزمة الليبية - الغربية ، والإسهام في إيجاد حل سلمي لها ، والإعراب عن التضامن مع الجماهيرية الليبية الشقيقة . ويثير قلقنا أيضاً أيها الأخوة المعاناة المستمرة المفروضة على الشعب العراقي الشقيق وما تجره من مخاطر بسبب فقدان الغذاء والدواء ، ونأمل أن تتكاثف جهودنا لوقف هذه المعاناة . ويسعدني أن أعبر عن تقدير البرلمانيين العرب للموقف المبدئي الذي وقفته وتقفه الشعوب الإفريقية وبرلماناتها ودولها من القضية الفلسطينية ، وتأييدها لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على كامل ترابه الوطني ، ودعمهم للجهود الرامية إلى تحقيق السلام الدائم والعادل والشامل في الشرق الأوسط على أساس قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338 والقرارات الدولية ذات الصلة ، وكذلك القرار 425 الخاص بالانسحاب من جنوب لبنان . لقد أكد الموقف العربي منذ المشاركة في مؤتمر مدريد ومن خلال مفاوضات السلام صدق النوايا العربية في التوصل إلى سلام عادل وشامل في المنطقة . واعتبر البرلمانيون العرب دائماً أن جوهر الصراع في الشرق الأوسط هو القضية الفلسطينية . وأكدوا وما يزالون يؤكدون تمسكهم بالحل السلمي العادل والشامل لهذا الصراع من خلال التطبيق الكامل لقرارات الأمم المتحدة ن لا سيما القرارين 242 و338 . وهم يأملن أن تتمخض الجهود المبذولة حالياً عن انفراج في وضع المنطقة يؤدي إلى الاستقرار والأمن والسلام فيها . وبخصوص لبنان يتطلع البرلمانيون العرب إلى تعاون برلماني دولي لإعادة بناء هذا البلد الشقيق واستعادة عافيته بعد أن ساده الاستقرار من خلال التنفيذ الجدي لاتفاقية الطائف .
أيها السادة ،
بالرغم من زوال الحرب الباردة وانتهاء انقسام العالم إلى معسكرين متناحرين ، فإن الجو الذي يسود العلاقات الدولية في ظل هيمنة قطب واحد على مقدرات العالم واعتماد معايير مختلفة إزاء القضايا الدولية يثير قلق شعوب العالم الثالث خاصة ، ويثير الشك في مصداقية الأمم المتحدة والشرعية الدولية . إن تأسيس نظام عالمي جديد هو مهمة ينبغي أن تنهض للقيام بها جميع شعوب العالم . ومن المفيد في هذا الصدد إعادة النظر في تركيب مجلس الأمن بحيث يكون لدول الجنوب تأثير فاعل فيه . هذا فضلاً عن استمرار عدد كبير من بؤر التوتر التي تهدد السلام والأمن الدوليين . ولعل تجدد الصراع في أنغولا ، وما يتعرض له شعب البوسنة والهرسك من جرائم ، وسكوت المجتمع الدولي عنها هو أكبر دليل على خلل المعايير المتبعة إزاء مشكلات العالم .
السيد الرئيس ،
السادة أعضاء المؤتمر ،
إن الموضوعين المطروحين على جدول أعمال مؤتمركم السادس عشر : مكافحة الهجرة من الريف إلى المدينة ، ومكافحة الأمية هما من المواضيع البالغة الأهمية بالنسبة للقارة الإفريقية ولسائر بلدان الجنوب . فإذا كان الموضوع الأول يهتم بضمان استقرار الأيدي العاملة في الريف باعتبار الزراعة مصدراً أساسياً لاقتصاديات بلدان الجنوب ، فإن الموضوع الثاني يعد ضرورة لابد منها للقضاء على التخلف والجهل الموروثين عن قرون من السيطرة الأجنبية . وبدون القضاء على الأمية لن تتاح لشعوبنا إمكانيات التقدم والتطور . وإنني لعلي ثقة أن مؤتمركم سيعالج هذين الموضوعين بروح المسؤولية ويخرج بالحلول الملائمة لها .
الأخوة أعضاء المؤتمر ،
في العام الماضي انعقد المؤتمر الخامس للحوار البرلماني العربي - الإفريقي في دمشق . وبعد أيام قليلة ستعقد لجنة المتابعة المنبثقة عن هذا المؤتمر اجتماعها السنوي للتحضير للمؤتمر السادس لهذا الحوار الذي تتعزز مسيرته إيماناً منا ، عرباً وأفارقة ، بأهميته وضرورته . وباسم الاتحاد البرلماني العربي أؤكد لكم أننا لن نأل جهداً في دعم هذا الحوار ، وتوفير كل مقومات التطور والنجاح له ليكون إحدى رافعات العلاقات المتعددة الجوانب التي تجمع بين شعوبنا وبلداننا .
سيدي الرئيس ،
إذا كانت مسيرة الحوار البرلماني العربي قد لقيت الاهتمام والتشجيع من جانب سعادة هنري كونان بيدييه ، رئيس الجمعية الوطنية الايفوارية ، الرئيس الخارج لاتحاد البرلمانات الإفريقية ، فإننا نتطلع إلى مزيد من الدعم والتشجيع لهذه المسيرة في عهد رئاسة تونس لاتحادكم . مرة أخرى أعبر لسيادتكم وللشعبة التونسية الشقيقة عن جزيل الشكر وبالغ التقدير على كرم الضيافة وحسن الاستقبال والتنظيم الرائع لأشغال المؤتمر ، وأتمنى لمؤتمركم هذا النجاح والتوفيق ، وليحيا التضامن العربي - الإفريقي .
وشكراً لإصغائكم