الذكرى العشرون لتأسيس الاتحاد البرلماني العربي
بقلم: عبد الرحمن بوراوي
الأمين العام للاتحاد البرلماني العربي
يحتفل الاتحاد البرلماني العربي هذا العام بالذكرى العشرين لتأسيسه. ففي العشرين من حزيران - يونيو - عام 1974 احتضنت العاصمة السورية دمشق الاجتماع التأسيسي لممثلي برلمانات عربية تمخض عنه ولادة أول مؤسسة برلمانية عربية في تاريخ العرب الحديث، وهي: الاتحاد البرلماني العربي .
لقد تأسس الاتحاد عندما اختمرت فكرة التعاون البرلماني العربي المنظم في أذهان نخبة من البرلمانيين العرب قبل عقدين من السنين. وأمكن بعد سلسلة من الاتصالات الإيجابية المشجعة دعوة البرلمانات العربية القائمة آنذاك إلى عقد المؤتمر التأسيسي لإنشاء الاتحاد البرلماني العربي الذي يهدف إلى تدعيم أسس التضامن العربي، وتعميق المفاهيم والقيم الديمقراطية في الوطن العربي، وتنظيم العمل البرلماني العربي المشترك، وإتاحة فرصة كافية للقاء والحوار بين البرلمانيين العرب وتعزيز الروابط فيما بينهم، وتنسيق جهودهم في مختلف المجالات، وتوحيد أنشطتهم في المنظمات والمحافل الدولية. وقد أسهمت أجواء التضامن والتفاؤل والثقة بالعمل العربي المشترك التي عمت البلدان العربية إبان حرب تشرين الأول - أكتوبر - وفي أعقابها، في التشجيع على القيام بهذه الخطوة القومية الجادة.
من هذه الزاوية يمكن القول أن تأسيس الاتحاد البرلماني العربي، وبروزه على ساحة العمل القومي العربي المشترك لم يكن حدثاً عابراً أو عادياً، وإنما كان استجابة لضرورة الانتقال بالتمثيل البرلماني العربي من المستوى القطري إلى المستوى القومي الشامل، وتعبيراً عن القناعة بضرورة تدعيم وحدة العمل البرلماني العربي الجماعي في خدمة قضايا التحرر والوحدة والتقدم، تأكيداً لإيمان الإنسان العربي بأن بناء المستقبل الوضاء للأمة العربية يستلزم حشد جميع الطاقات وتوظيف جميع الإمكانات لمجابهة التحديات التي تواجهها الأمة العربية من جهة، وتعبيراً أيضاً عن الرغبة الجدية في خدمة قضايا التعاون الدولي والإسهام في ازدهار المجتمع الإنساني واستقراره من جهة أخرى.
كذلك جاء تأسيس الاتحاد البرلماني العربي تجسيداً للمفهوم الأساسي الذي يقوم عليه شعار الوحدة العربية، وهو وحدة الشعب العربي في جميع أقطاره ووحدة قضاياه ومصيره، وتكريساً لمبدأ الشورى الذي يعد أحد المبادئ الأساسية في تراث الأمة العربية والإسلامية.
ويشكل العقدان الماضيان مرحلة هامة في حياة الاتحاد، مرحلة زاخرة بالنشاط، عامرة بالتجربة تمكن الاتحاد خلالها أن يتبوأ تدريجياً مكانته المرموقة عربياً ودولياً، وأن يرسخ أهمية دوره على كافة المستويات وفي مختلف الميادين العربية والإقليمية والدولية.
لقد شهدت السنوات العشرون الماضية تطورات بالغة الأهمية في الساحة العربية طرحت أمام البرلمانيين العرب مهاماً كبيرة ومتنوعة. وحاول الاتحاد القيام بتلك المهام على أكمل وجه بالرغم من ظروف التوتر والتعقيد والانقسام التي سادت الأوضاع العربية، والعلاقات بين البلدان العربية في السنوات الأخيرة، والإمكانات المتواضعة المتوفرة له.
لقد ازدادت عضوية الاتحاد من عشرة برلمانات عند تأسيسه إلى سبعة عشر برلماناً في الوقت الحاضر. وقم الاتحاد بجهد كبير في مجال توحيد الكلمة والمواقف البرلمانية العربية إزاء مختلف المشاكل والقضايا العربية والدولية. كما استطاع الاتحاد من خلال الرغبة الصادقة في التعاون والشعور الرفيع بالمسؤولية أن يوحد البرلمانيين العرب حول قيم مشتركة وأهداف موحدة وبرامج عمل واضحة قابلة للتطبيق، بحيث أصبح المعبر الحقيقي عن تطلعات البرلمانيين العرب على الصعيد الدولي، سواء من خلال تنسيقه لأنشطة الوفود البرلمانية العربية في المؤتمرات الدولية، أم من خلال علاقات الحوار التي أقامها مع العديد من البرلمانات والمنظمات البرلمانية الدولية والإقليمية في إفريقيا وأوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، والتي تشكل قناة هامة لكسب التأييد للقضايا العربية المصيرية في أوساط متزايدة من البرلمانيين في مختلف أنحاء العالم، أم من خلال تبادل الخبرات البرلمانية والتشريعية في الندوات العديدة التي أقامها.
وتظهر المقررات والتوصيات التي اتخذتها مجالس الاتحاد ومؤتمراته المتعاقبة على امتداد السنوات العشرين الماضية أن البرلمانيين العرب قد أدركوا الحلقات الرئيسية في وقائع النضال العربي، وأكدوا رغبتهم في أداء دور متميز من خلال سعيهم الحثيث لحشد الطاقات العربية والتعبئة القومية الشاملة لتحقيق أهداف الأمة العربية في التحرر والديمقراطية وتعزيز حقوق الإنسان والانطلاق في موكب الوحدة والمعاصرة والتقدم.
تمر الذكرى العشرون لتأسيس الاتحاد البرلماني العربي هذا العام في ظروف بالغة الدقة والخطورة على الصعيدين العربي والدولي:
فعلى الصعيد العربي تعاني البلدان العربية من تصدع لحمتها وتشرذم صفوفها وغياب تضامنها الذي كان رافعة لكافة انتصاراتها السابقة. وتمر القضية العربية المركزية - قضية فلسطين - بمنعطف خطير بعد تعثر عملية السلام ونجاح الضغوط الدولية والإقليمية بفرض حلول هي أدنى بكثير من طموحات الشعب العربي. ومما لا شك فيه أن ضعف التنسيق العربي، إن لم نقل انعدامه أحياناً، قد أسهم في نجاح تلك الضغوط من جهة، وفي خسارة البلدان العربية أوراقاً رابحة كان من شأن استخدامها إحداث تغييرات جوهرية أفضل لصالح قضية الشعب العربي الفلسطيني والأمة العربية. وتنعقد في الوقت نفسه قضايا التنمية وممارسة الديمقراطية وحقوق الإنسان في العديد من البلدان العربية إلى حد يهدد استقرارها وأمنها الداخليين.
وعلى الصعيد الدولي - فإن مخاض تشكيل النظام العالمي الجديد ذي القوة الوحيدة المهيمنة لا يشجع على التفاؤل. فالقوى المهيمنة في عالم اليوم تعمل بصورة واضحة على نشر مفاهيم ومبادئ وفرض سياسات تخدم مصالحها بالدرجة الأولى غير عابئة بمصالح الدول الأخرى، خاصة في بلدان العالم الثالث. ويجري تشكيل الكتل الدولية والإقليمية الكبيرة التي تريد تحويل العالم إلى أهداف لاستثمارها وخدمة مآربها.
إن هذا الوضع الجديد يطرح أمام الأمة العربية، وأمام ممثلي شعوبها بالدرجة الأولى مهاماً كبيرة وخطيرة، في رأسها إيجاد مخرج من التشرذم العربي السائد حالياً، وبعث التضامن العربي ومواجهة تحديات العصر صفاً واحداً غير قابل للاختراق. ذلك أن مواجهة المرحلة الراهنة في العلاقات الدولية تتطلب كيانات كبيرة في عالم لم يعد يعترف بالكيانات الصغيرة، وفي وضع لن تستطيع الدول المنفردة أن تمارس تأثيراً يمكنها من إثبات وجودها أو التوصل إلى حلول عادلة ومعقولة لقضاياها.
وهذه المهمة تنهض أمام الاتحاد البرلماني العربي بكل أبعادها وثقلها: فعلى الاتحاد أولاً، أن يعمل بصورة دائبة للإسهام في انتشال الواقع العربي من التدهور، ومن الدرك المؤسف الذي وصل إليه. ولعل الدعوة لعقد المؤتمر السادس للاتحاد لمناقشة دور البرلمانيين العرب في تعزيز التضامن العربي تشكل الخطوة الأولى على هذا الطريق الشاق الذي لا بد من السير فيه. وعلى الاتحاد ثانياً، أن يعمل على تطوير نفسه وتدقيق أهدافه وتحسين سبل أدائه ونشاطه ليتكيف مع المعطيات الجديدة وليصبح أكثر إمكانية على أداء الدور المناط به. ويلعب التنسيق مع جامعة الدول العربية في الظروف الراهنة دوراً هاماً في تحقيق هذا الهدف.
وفي يقيننا أن الاتحاد قادر على الإسهام في تحويل الدعوة إلى تعزيز التضامن العربي إلى عمل ملموس فاعل. وهو أيضاً قادر على اكتشاف الآلية التي تمكنه من التكيف مع المستجدات والتي ستساعده على تفعيل دوره وأدائه.
فلنجعل من الذكرى العشرين لتأسيس الاتحاد محطة لرأب الصدع العربي، ونقطة انطلاق لمزيد من التضامن والتلاحم ووحدة الصف.
عاشت الذكرى العشرون لتأسيس الاتحاد البرلماني العربي .
عاش التضامن العربي سلاحاً فعالاً لمواجهة كافة التحديات.