كلمة العدد
تفعيل دور الاتحاد البرلماني العربي
خطوة على طريق تعزيز التضامن العربي
بقلم : محمد الأمين خليفة
رئيس الاتحاد البرلماني العربي
رئيس المجلس الوطني الانتقالي في السودان
قال الله تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته أخواناً". صدق الله العظيم
نصت مقدمة ميثاق الاتحاد البرلماني العربي أن الاتحاد ينطلق في عمله من ضرورة "حشد طاقات العرب وقدراتهم واستخدام جميع إمكاناتهم لمواجهة التحديات على طريق الحرية والإنماء والتطور والتقدم". وقد عمل الاتحاد منذ تأسيسه، في حزيران - يونيو/ 1974، وما يزال يعمل، لتحقيق الأهداف التي أنشئ من أجلها. كما أنه قد أسهم في التقريب بين البرلمانيين العرب من خلال الاجتماعات الدورية التي تعقدها مجالسه ومؤتمراته، ومن خلال الندوات البرلمانية وملتقيات الخبرات التشريعية التي ينظمها من حين لآخر. ودلت مداولات البرلمانيين العرب في الاجتماعات التي عقدوها على رغبتهم الجادة في الإسهام الجماعي لتقديم جهد متميز في حشد الطاقات العربية والتعبئة القومية الشاملة لمجابهة التحديات وتحقيق أهداف الأمة العربية في التحرر والانطلاق نحو آفاق الوحدة والمعاصرة والديمقراطية والحياة الكريمة.
وانعكست هذه الرغبة بصورة دائمة في البيانات والتوصيات والقرارات الصادرة عن مجالس الاتحاد ومؤتمراته واجتماعاته المختلفة، مؤكدة وحدة الكلمة البرلمانية العربية حول مختلف قضايا النضال العربي، بحيث يمكن القول أن هذه المؤتمرات والمجالس قد رسمت ملامح عامة واضحة لسياسة الاتحاد البرلماني العربي في مختلف الميادين. وأبرز ما يميز هذه السياسة انسجامها مع مقررات مؤتمرات القمة العربية، باعتبارها القاسم المشترك لمواقف البلدان العربية في علاج المشكلات التي تواجهها هذه البلدان.
وإذا كانت الظروف السياسية التي عاشتها الأمة العربية خلال السنوات الأخيرة، بوجه خاص، والاعتداءات التي تعرضت لها، والتحديات التي واجهتها، وما تزال تواجهها في شتى الميادين، قد أدت إلى تصدع التضامن العربي وتشرذم الصفوف العربية، فإن العمل من أجل استعادة ذلك التضامن يكتسب أهمية أساسية، وينبغي أن تكون مهمة لها الأولوية على سائر المهمات والانشغالات.
إن الهاجس الأكبر الذي يشغل أذهان شعوبنا في هذه الظروف الدقيقة هو ضرورة العمل على تجاوز المحنة الراهنة في الوضع العربي والخلاص من حالة التشرذم والتمزق، والتوصل إلى مستوى فعال من التضامن العربي من شأنه أن يضع الأساس لاستراتيجية عربية موحدة قادرة على التصدي للأخطار والتحديات التي تستهدف وجودنا، حاضراً ومستقبلاً. وفي تأكيدنا على أهمية استعادة التضامن العربي فإننا لا ننطلق من الفراغ، وإنما من مجموعة من الاعتبارات أهمها الاعتبارات الثلاثة التالية:
الأول: أن النكسات وأشكال المعاناة ومظاهر التشرذم والفرقة التي تشكل سمات الوضع العربي الراهن ليست ناجمة في الأصل عن ضعف في الإمكانيات العربية البشرية والاقتصادية والسياسية، بقدر ما هي ناجمة عن القصور في استخدام تلك الإمكانيات بصورة مفيدة وفعالة.
الثاني: إن أخطر النكسات وأفدح الهزائم التي منيت بها الأمة العربية، ومنها النكسة الراهنة، قد جرت في فترت تصدع الصف العربي وتشتت الطاقات العربية. وبالمقابل، فإن أروع الانتصارات والمنجزات التي حققها العرب قد جرت حين كان التضامن العربي سيد الموقف في العلاقات بين البلدان العربية ومنهجاً سائداً في سياساتها.
الثالث: إن وجود خلافات في وجهات النظر بين الدول العربية حول بعض القضايا أمر طبيعي ينجم عن أسباب عدة: التفاوت في مستويات التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي، الظروف المحيطة وطبيعة العلاقات الإقليمية والدولية التي يرتبط بها كل بلد… الخ. وغني عن القول أن الخلاف في وجهات النظر أمر حيوي يساعد على تنشيط عملية الحوار وتبادل الآراء، ويساعد بالتالي على التخفيف من غلواء الخلافات، ويسهم في تذليلها. ولم يحل هذا الخلاف يوماً دون التوصل إلى لغة مشتركة ومواقف متجانسة.
وانطلاقاً من كل ذلك يضع البرلمانيون العرب، ممثلو الشعب العربي في جميع أقطاره، نصب أعينهم، وفي رأس أهدافهم العمل على تحقيق التضامن العربي. والتضامن الذي ننشده، ليس تضامناً شكلياً هشاً يمكن أن تطيح به أزمة عابرة، وإنما تضامن راسخ فعال يساعد على الارتقاء بالموقف العربي والفعل العربي إلى مستوى الأخطار الداهمة التي تهدد الجميع.إن تضامناً هذه أهدافه، ينبغي أن يرتكز إلى مبادئ ومقومات أساسية ليس من الصعب الاتفاق عليها.
إن النقطة المحورية التي تمكن البرلمانيين العرب من أداء دورهم في تعزيز التضامن العربي وترسيخ الوحدة الكفاحية بين البلدان العربية هي العمل على تفعيل دور اتحادهم من خلال وضع خطة شاملة يمكن أن تتضمن الاقتراحات التالية:
- الالتزام بالبرامج والمقررات الصادرة عن مجالس الاتحاد ومؤتمراته.
- حث الحكومات العربية على اتخاذ الخطوات التشريعية والتنفيذية الكفيلة بتجسيد البرامج والمشروعات السياسية والاقتصادية التي أقرتها مؤتمرات القمة العربية في أعمال ملموسة تتفق مع ضرورات المرحلة ومتطلباتها، مع التركيز على المشروعات التي تتناول التكامل الاقتصادي بين البلدان العربية.
- تعزيز التواجد العربي داخل الاتحاد البرلماني الدولي ورفع مستوى التنسيق والتخطيط البرلماني العربي المسبق في المؤتمرات البرلمانية الدولية، والتقدم إلى هذه المؤتمرات بدراسات ومذكرات مشتركة لا تقتصر على القضايا التي تهم العرب فحسب، بل تتناول أيضاً القضايا ذات الاهتمام الدولي مثل: الحد من التسلح وتصفية الأسلحة النووية وجميع أسلحة الدمار الشامل، محو الأمية، الحفاظ على البيئة، تعزيز الديمقراطية، حقوق الإنسان، التنمية الاقتصادية والاجتماعية … الخ.
- إجراء التعديلات الضرورية في ميثاق الاتحاد وأنظمته المختلفة لمواكبة التطورات التي جرت في العالم العربي وفي العالم أجمع من جهة، ولإضفاء المرونة على نشاط مختلف أجهزة الاتحاد وعلاقتها مع بعضها، من جهة أخرى.
- تعزيز العلاقات الثنائية بين البرلمانات العربية.
- تعزيز العلاقات مع جامعة الدول العربية والتوصل إلى وضع صيغة فعالة للتنسيق معها في مختلف مجالات العمل المشتركة.
- متابعة الحوار البرلماني مع مختلف المنظمات البرلمانية الإقليمية ووضع أسس للاستفادة من هذا الحوار في خدمة القضايا العربية.
- وضع خطة شاملة لتحسين عمل الأمانة العامة للاتحاد في مختلف المجالات، وتحديد مسؤوليات العاملين فيها وزيادة كفاءاتهم وإيجاد صيغة أكثر مرونة للعلاقة مع الشعب الأعضاء، وترشيد الإنفاق.
ومن هنا فإننا نتطلع إلى انعقاد المؤتمر السادس للاتحاد البرلماني العربي بوصفه خطوة هامة تفسح المجال أمام البرلمانيين العرب للإسهام في إعادة التضامن العربي من جهة، ودراسة السبل الكفيلة بتفعيل دور الاتحاد في مختلف المجالات، من جهة أخرى. وإننا لعلى يقين بأن مشاركة جميع البرلمانات العربية في هذا المؤتمر سيجعل منه محطة هامة في حياة الاتحاد وفي حياة العمل السياسي العربي المشترك الرامي إلى تحقيق وحدة الصف العربي وتعزيز التضامن بين جميع البلدان العربية الشقيقة. وإنا لتحقيق هذه الغاية النبيلة لعاملون.
"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" صدق الله العظيم
والله الموفق