الاتحاد البرلماني العربي

مجلــة البرلمــان العــربي
السنة السادسة عشرة - العدد السابع والخمسون :نيسان ( أبريل) 1995

شعار الاتحاد البرلماني العربي
 
المؤتمر السادس خطوة هامة لتفعيل
دور الاتحاد وإحياء التضامن العربي

بقلم الدكتور محمد جلال السعيد
رئيس مجلس الاتحاد البرلماني العربي
رئيس مجلس النواب المغربي

"لم أر قط الأمة العربية مريضة كما هي الآن، ولم أر صفها متصدعاً كما هو الآن متصدع. فإن لم يقع الرأب من القمة فليقع من القاعدة. وها أنا بصفتي مواطناً عربياً أدعوكم، بل أرجوكم أن تدفعوا بقادتكم، وأنا على رأسهم، لنخطو الخطوة الجريئة ونركب الصعاب لتفادي الماضي وحل الحاضر والبناء للمستقبل".
هذه الكلمات البليغة الواضحة هي فقرة من الخطاب الذي وجهه صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني، عاهل المملكة المغربية نصره الله، إلى رؤساء البرلمانات والوفود العربية المشاركين في أعمال المؤتمر السادس للاتحاد البرلماني العربي لدى استقباله لهم، مشخصاً بذلك الداء الذي ينهش قلب الأمة العربية، واصفاً لها العلاج الشافي، وواضعاً بعد ذلك كله البرلمانيين العرب، وبكل صراحة، أمام مسؤولياتهم القومية والتاريخية.
وقد ترك خطاب صاحب الجلالة أبلغ الأثر في نفوس الأخوة رؤساء البرلمانات والوفود، وانعكس ذلك في الخطابات التي ألقوها في جلسات المؤتمر، وفي التصريحات التي أدلوا بها إلى أجهزة الإعلام، معتبرين ذلك الخطاب الهام دليل عمل للمرحلة القادمة. كما انعكس ذلك في قرار المؤتمر السادس الذي اعتبر الخطاب الملكي السامي وثيقة رسمية هامة من وثائقه.
وبعد!!
إذا كان لنا أن نتحدث عن المؤتمر السادس ونتائجه، فإننا نستطيع القول أن انعقاده كان ضرورة أملتها دقة الظروف التي تمر بها الأمة العربية والأخطار والتحديات المحدقة بها، وإن مداولاته كانت مكاشفة جريئة استدعتها ضرورة الخروج من حالة التمزق التي تطبع الصف العربي والعلاقات العربية - العربية، وإن نتائجه قد شكلت القاسم المشترك الذي ارتضاه لأنفسهم البرلمانيون العرب، ممثلو الأمة من المحيط إلى الخليج.
وإذا كان لكل مؤتمر أو مجلس عقده اتحادنا خصوصية، فإن المؤتمر السادس سيدخل تاريخ الاتحاد بوصفه محطة بالغة الأهمية، وانعطافاً جدياً في مسيرة الاتحاد البرلماني العربي:

  1. لأنه جاء بعد ستة أعوام من انعقاد المؤتمر الخامس (أبو ظبي، حزيران-يونيو 1989)، وهي فترة بلغت فيها النزاعات والخلافات العربية - العربية ذروتها، وأصبح غياب التضامن العربي والعمل العربي المشترك ظاهرة خطيرة تهدد الوجود العربي ذاته… وبالتالي فقد كان مجرد انعقاد المؤتمر السادس إنجازاً كبيراً ونجاحاً بالغ الأهمية لا بد أن تكون له آثاره الإيجابية على مسيرة الاتحاد البرلماني العربي، بمشيئة الله.

  2. لأن انعقاد المؤتمر في المغرب، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة، الملك الحسن الثاني نصره الله، قد وفر الأرضية والأجواء الملائمة لانعقاده في أفضل الظروف. فالرعاية الملكية السامية لم تقتصر على إتاحة الفرصة لالتئام هذه التظاهرة البرلمانية العربية الهامة فحسب، ولكن الأبرز والأهم فيها هو الخطاب التوجيهي السامي الذي ألقاه صاحب الجلالة نصره الله أمام السادة رؤساء البرلمانات ورؤساء الوفود، والذي اعتبر بحق - كما سبق أن أشرت - أبرز وثائق المؤتمر، وكان دليلاً هادياً أسهم في توصل المجتمعين إلى أفضل النتائج والقرارات التي من شأن تنفيذها والعمل على هداها وقف التدهور في الوضع العربي.

  3. لأنه عالج بصراحة وجرأة جميع القضايا العربية الإشكالية والحساسة دون حرج أو مواربة أو تهرب. وأفسح المجال لتبادل الأفكار وعرض وجهات النظر كافة، والحوار حول المواقف المتباينة من هذه القضية أو تلك بروح عالية من المسؤولية ورغبة صادقة في تجاوز الواقع المرير للعلاقات العربية - العربية وإخراجها من الدرك للمؤسف الذي وصلت إليه. وبالرغم من أن جلسات المؤتمر ومداولاته لم تخل من بعض اللحظات الساخنة، وبالرغم من أن أحد قرارات المؤتمر قد واجه بعض التحفظات، إلا أنه أمكن التوصل إلى قناعات جماعية حول جميع القضايا الأخرى التي تعرض لها المؤتمر بفضل الوعي الكبير الذي أبداه أعضاء المؤتمر، لاسيما الاخوة رؤساء الوفود، والشعور الرفيع بالمسؤولية الذي ميز مناقشاتهم ومواقفهم.

  4. لأنه المؤتمر الأول في تاريخ الاتحاد الذي تكون جلساته العامة ومداولاته علنية مفتوحة أمام ممثلي المؤسسات الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية. وهذه الظاهرة تمثل توجهاً إيجابياً كبيراً في عمل الاتحاد لأنها تقربه من الجماهير التي يمثلها البرلمانيون المنضوون تحت لوائه من خلال إتاحة الفرصة لهذه الجماهير لمتابعة ما يقوم به ممثلوها من أنشطة ومواقف لخدمة مصالحها، ناهيك عن أن المكاشفة والعلانية يعكسان وعياً أكبر بأهمية الحوار بين مختلف الآراء والأفكار، ويدلان على تعمق الإيمان بالقيم الديمقراطية في وجداننا العربي - وهي ظاهرة جديرة بالتنويه والاحترام والرعاية.

^ العدد 57 - صفحة المحتوى

وعلى صعيد النتائج التي جسدها البيان الختامي الصادر عن المؤتمر، فقد أجمع البرلمانيون العرب على أن إحياء التضامن العربي وإعادة اللحمة إلى الصف العربي المتصدع يشكلان المهمة الرئيسية التي تنهض أمام الأمة العربية في المرحلة الراهنة، باعتبارهما الطريق الوحيد لضمان الأمن العربي والسير نحو الوحدة العربية التي تبقى الهدف النهائي الذي تصبو إليه أمتنا الماجدة. وهذا ما أكده جلالة الحسن الثاني، نصره الله، في خطابه الهام، حين قال جلالته:
"ألم يحن الوقت أن نضع لبنات وحدة عربية لا يمكن لأي أحد أن ينتقدها، أو أن يرميها بتكتل عسكري أو ديني أو سلالي أو عرقي - وحدة عربية تضمن القوت لأبنائنا، وتضمن التقدم التكنولوجي لأجيالنا، وتضمن لنا الكرامة في جهتنا وعلى الصعيد العالمي".
ولم يكتف المؤتمر بتأكيد ضرورة العمل من أجل إحياء التضامن العربي وتعزيزه، بل أشار إلى المقومات التي ينبغي توفيرها ليكون التضامن راسخاً، فعالاً، قادراً على الصمود في وجه الأنواء والمحن. كذلك وضع المؤتمر خطة عملية ملموسة لتحقيق هذا الهدف القومي الكبير. وتمكن المؤتمر من التوصل إلى قناعات جماعية مشتركة ومواقف موحدة حول مجمل القضايا الساخنة في الوطن العربي، ووضع خطة عمل جريئة لتفعيل دور الاتحاد البرلماني العربي بدئ بتنفيذها مباشرة بعد انفضاض أعمال المؤتمر. ومن البديهي القول أن تنفيذ مقررات المؤتمر هو مسؤولية الجميع. وإذا كانت رئاسة الاتحاد وأمانته العامة أقرب إلى مباشرة هذا التنفيذ من خلال موقعيهما، فإن تعاون الشعب الأعضاء مع الرئاسة والأمانة العامة يعتبر الشرط الأول الذي لا غنى عنه لتنفيذ مقررات مؤتمر الرباط. وإني على أتم الثقة أن هذا التعاون سيتحقق على أكمل وجه، بعون الله ومشيئته.
لقد أناط المؤتمر السادس بنا نحن البرلمانيين العرب، ممثلي شعوب الأمة العربية، مسؤولية قومية جسيمة. وقد ارتضينا نحن لأنفسنا تلك المسؤولية بكل القناعة والرضى. وإنني لعلى ثقة كبيرة أننا جميعاً مدركون لأهمية هذه المسؤولية وما يترتب عليها. وقد عقدنا العزم خلال المؤتمر على الإسهام في إحياء التضامن العربي ونبذ الخلافات بين البلدان العربية. وما علينا الآن إلا أن نكون أمناء لما التزمنا به أمام شعوبنا التي تابعت مداولاتنا وتعهداتنا، ومن حقها أن تحاسبنا مستقبلاً على ما نفذناه من قرارات وبرامج عمل. وأستذكر في هذا المجال توصية صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني، نصره الله، لنا حين قال في الخطاب السامي أثناء لقائه بنا: "إن البرلمانات خلقت أولاً لتكون محل الخطاب القومي لكل بلد، ثانياً خلقت لترويج ما يجب أن يروج في السياسة الداخلية وفي السياسة الخارجية. فأنتم بصفتكم ممثلين لشعوبكم روجوا هذه الرسالة، وليكن خطابكم الداخلي والخارجي خطاب المستقبل، خطاب الترفع عما هو الآن لبلوغ ما نريد إنجازه والوصول إليه في مستقبل قريب".
لقد التقينا في المؤتمر السادس يحدونا طموح لا حدود ولا نهاية له. وقد وهبنا الله القدرة على تجسيد ذلك الطموح في مقررات مؤتمرنا التاريخي هذا. وإن الشعبة البرلمانية المغربية التي تشرفت باستقبال هذه التظاهرة البرلمانية العربية الكبيرة، وعبرت عن اعتزازها بالثقة التي منحت لها من خلال تكليفها برئاسة الاتحاد البرلماني العربي تؤكد أنها لن تدخر جهداً في سبيل حمل الأمانة والقيام بالمسؤولية خير قيام من خلال السهر على تنفيذ مقررات المؤتمر على أكمل وجه، معتمدة في ذلك على دعم وتعاون جميع الشعب الشقيقة الأعضاء في الاتحاد. فالقضية أولاً وأخراً هي قضيتنا، والمصلحة هي مصلحة شعوبنا وجماهيرنا.
فلنتضرع إلى الله أن يكلل مساعينا بالنجاح، ويمنحنا القدرة على بناء غد يلتئم فيه جمعنا، وتتوحد فيه كلمتنا في سبيل نصرة الأمة العربية وتعزيز قدراتها لتتبوأ مكانتها اللائقة بين أمم العالم وشعوبه.
والله نسأل أن يوفقنا، إنه نعم المولى ونعم النصير.

^ العدد 57 - صفحة المحتوى

.
المحتــــوى
هذا العدد
كلمة العدد :
المؤتمر السادس خطوة هامة لتفعيل دور الاتحاد وإحياء التضامن العربي
بقلم الدكتور محمد جلال السعيد
ملف العدد (1) :
مجلس الاتحاد - الدورة 25
- جدول الأعمال
- تقرير عن أعمال ومقررات المجلس
-تقرير الأمين العام بالتفويض
ملف العدد (2) :
المؤتمر السادس للاتحاد
- جدول الأعمال
- تقرير الأمين العام
- كلمة صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني
- لقطات من أعمال المجلس والمؤتمر
- النصوص الكاملة للكلمات التي ألقيت في المؤتمر
- البيان الختامي
- البرقية الموجهة إلى صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني
- قائمة أعضاء الوفود المشاركة

البرلمان العربي: نشرة فصلية تصدرها الأمانة العامة للاتحاد البرلماني العربي
المدير المسؤول ورئيس التحرير: نور الدين بوشكوج، الأمين العام للاتحاد البرلماني العربي
مساعد رئيس التحرير: أحمد مكيّس، مدير العلاقات البرلمانية
الإدارة :دمشق ـ سورية، ص. ب. 4130
هاتف : 6130042، 6130043
فاكس : 6130224
تلكس : 412046

[ الاتحاد البرلماني العربي - صفحة البداية ] [ البرلمان العربي - قائمة الأعداد ] [ منشورات الاتحـاد ] [ بريد الاتحـاد ]