دفاعاً عن عروبة القدس
بقلم: محمد جلال السعيد
رئيس مجلس الاتحاد البرلماني العربي
رئيس مجلس النواب المغربي
بسم الله الرحمن الرحيم
" سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير "
صدق الله العظيم
من خلال الإسراء العظيم ، تلك المعجزة الإلهية وكأول قبلة للمسلمين وثالث الحرمين ، تطل علينا القدس . وتستقر في وجداننا - عرباً ومسلمين - رمزاً مقدساً ، نستمد من تاريخها الحافل بالمآثر والبطولات القوة والعزم والقدرة على الصمود . فهي لم تستكن لفاتح , وما طمع بها غاز إلا هبت للدفاع عنها جحافل الحق والإيمان تذود عنها غائلة العدوان ، وتستعيدها نقية ، طاهرة ، ظافرة . احتلها الفرنجة في غفلة عنا ، وفي مرحلة تشرذمت فيها صفوفنا وتضعضعت وحدتنا . واستعادها صلاح الدين عندما التفت حوله رايات التوحيد وألوية الجهاد المقدس . فالقدس كانت ، وما تزال ، وستظل أبداً عامل توحيد للعرب والمسلمين . والدليل أمامنا واضح ناصع : فرغم ما نعانيه اليوم في فرقة في الصفوف وتباعد في المواقف هاهي القدس توحدنا وتجمعنا . وتلبية لندائها تنادينا ، نحن البرلمانيين العرب للقائنا الاستثنائي ، وفي أقرب نقطة جغرافية إلى القدس ، دفاعاً عن المدينة المقدسة وهويتها العربية - الإسلامية . إن فلسطين هي وطن لشعب فلسطين العربي الذي تمتد جذوره فيها إلى أكثر من ثلاثين قرناً . وظلت القدس عاصمة لفلسطين وشعبها العربي حتى الاحتلال الإسرائيلي لها عام 1967 . وما الادعاءات الصهيونية التي تحاول ربط تأسيس القدس بالملك داوود إلا تعبير عن النزعة التوسعية لدى قادة إسرائيل ، ومحاولة للقفز فوق الحقائق وتزوير مفضوح لتاريخ المنطقة . ومنذ تقسيم القدس عام 1947 ونحن ننتظر السانحة ونعد العدة لإعادة توحيدها . وبذلت الكثير من الجهود لإعادة توحيد المدينة المقدسة ، ولم تتوقف حتى بعد احتلالها الكامل إثر عدوان عام 1967 . فأبدى الشعب الفلسطيني رفضه القاطع لسياسة الأمر الواقع وخاض في انتفاضة بطولية ملحمته التاريخية لمقاومة الاحتلال مدعماً بسند عربي وإسلامي تجسد في مبادرات عديدة من أبرزها تشكيل منظمة المؤتمر الإسلامي للجنة القدس التي ترأسها صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني ، عاهل المملكة الغربية ، نصره الله . فقد تمكنت هذه اللجنة أن تضع قضية القدس الشريف في إطارها الطبيعي ، وأن تجعل الرأي العام العالمي أكثر إصغاء لنا وأكثر تفهماً لمواقفنا . وتتالت المبادرات تبعاً لتطورات القضية : فمن الاعتراض على قرار ضم القدس إلى استنكار مصادرة إسرائيل لثلاثة وخمسين هتكاراً من أراضيها لإقامة مستوطنات فيها ، إلى اقتراح إنشاء بيت مال خاص بالقدس لدعم المحافظة على هويتها العربية - الإسلامية ونحن واثقون أن العمل من أجل هذه المهمة الكبيرة والنبيلة لن يتوقف حتى تستعيد القدس طهرها وهويتها . إن المحتل الغاصب يدرك تماماً أهمية القدس ودورها كعامل توحيد للشعوب العربية والإسلامية . ولهذا يمضي في محاولات تهويدها لإفقادها هذا الدور التاريخي ، وحرماننا بالتالي من بعض أهم عناصر قوتنا ، في ظروف لا يمكن فيها استعادة الحق المغتصب إلا إذا تهيأت للمطالبين به أسباب القوة والمنعة . والمؤسف أن هذه المحاولات قد أخذت تلقى الدعم والمساندة في بعض العواصم التي اعتبرت أن دوام الاحتلال طيلة ربع قرن ونيف يضفي عليه الشرعية ويكرسه كأمر واقع . إن الدورة الاستثنائية التي عقدها الاتحاد البرلماني العربي في أوائل كانون الثاني - يناير - الماضي قد جاءت تلبية لنداء القدس ، ودعوة لتوحيد كلمتنا ومواقفنا حول أنجع السبل لمواجهة قرار الكونغرس الأمريكي نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس الشريف - هذا القرار الذي أقل ما يقال فيه أنه يشكل استفزازاً لمشاعرنا ، واستهانة بمقدساتنا ، واستهتاراً بالشرعية الدولية وقرارات مؤسساتها حول المدينة المقدسة ، ناهيك عن العقبات التي يضعها ذلك القرار في وجه عملية السلام وأمام الجهود الدولية والإقليمية المبذولة لإعادة الأمن والاستقرار إلى الشرق الأوسط الذي ظل طيلة العقود الخمسة المنصرمة أكثر بؤر التوتر في العالم سخونة وتفجيراً . لقد أكدت القدس مصداقيتها في توحيدنا دفاعاً عنها . وجاء قرار الدورة الاستثنائية لمجلس الاتحاد البرلماني العربي مؤكداً لجملة من الحقائق التي شكلت رافعة للنضال القومي العربي طيلة فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، من جهة ، ومنسجماً مع حقائق العصر ومستجداته ، من جهة أخرى :
- فقد أكد القرار أن قضية فلسطين ، والقدس في موقع القلب منها ، هي القضية المصيرية الرئيسية للأمة العربية .
- وأكد القرار حرص ممثلي الأمة العربية على إقامة سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط ، مع التمسك الكامل بالشرعية الدولية والدعوة إلى تنفيذ القرارات المختلفة الصادرة عن مؤسساتها الرئيسية : مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة .
- كما أكد القرار رفض جميع الإجراءات التي قام بها المحتل الإسرائيلي لفرض الأمر الواقع على القدس ، ووضع الولايات المتحدة وجميع دول العالم أمام مسؤولياتها بدعوتها إلى تأكيد مصداقيتها من خلال التزامها بقرارت الشرعية الدولية المتعلقة بالمدينة المقدسة .
- وبعد ذلك دعا القرار إلى استنفار جميع القوى العربية والإسلامية والصديقة للدفاع عن عروبة القدس ، وإلى اتخاذ جملة من الإجراءات التي تهدف إلى التصدي للقرار المتحيز الصادر عن الكونغرس الأمريكي الذي من شأن تنفيذه إعادة العالم إلى شريعة الغاب . ومن خلال الكلمات التي ألقيت في دورة مجلس الاتحاد الاستثنائية أوضح جميع الأخوة المتحدثين ، من رؤساء البرلمانات أو الوفود ، أن الحلقة الأساسية في أي نشاط للحفاظ على الهوية العربية الإسلامية للقدس هي تعزيز للتضامن العربي ، وتضافر جميع الجهود لتحقيق هذه المهمة المقدسة العزيزة على قلب كل عربي ومسلم . ولا يبقى أمامنا الآن إلا أن نعمل يداً واحدة موحدي الإرادة والصفوف ، لتنفيذ ما تمخضت عنه دورة مجلسنا العتيد على جميع الأصعدة … لنسهم في إنقاذ المدينة المقدسة . فالوطن لا يضيع بالتقادم ، وسيظل دائماً جدير بالتضحية ، مهما غلت التضحية !!