الندوة البرلمانية العربية الخامسة
حول المياه ودورها الاستراتيجي
في الوطن العربي
بقلم: نور الدين بوشكوج
الأمين العام للاتحاد
أدرك الإنسان منذ فجر التاريخ أهمية المياه ودورها في بناء المجتمعات والدول واستمرارها . ونع ذلك لم يعط هذا المورد الطبيعي الهام تاريخياً الأهمية التي يستحقها ، انطلاقاً من المفهوم الخاطئ الذي كان سائداً بأن المياه مورد وفير ومتاح دوماً ولاينضب أبداً . ومنذ النصف الثاني من هذا القرن بدأت كثير من دول العالم تعاني عجزاً في مواردها المائية نظراً للتطور الاقتصادي والاجتماعي الهائل الذي بدأ بعد الحرب العالمية الثانية ، مما تسبب في تدهور كمي ونوعي في الكثير من المصادر المائية . ونبه هذا الواقع إلى حقيقة كانت البشرية غافلة عنها ، وهي أن الموارد المائية العذبة القابلة للاستعمال محدودة وغير متاحة دائماً وقابلة للنضوب . ولهذا بدأت القناعات تترسخ بأن المياه تعتبر من أهم الموارد الطبيعية على الإطلاق ، وأنها تشكل العامل الرئيسي المؤثر على النمو الاقتصادي والتطور الاجتماعي . ووضعت هذه النظرة الجديدة قضية المياه على أولويات جداول أعمال علماء السياسة والاقتصاد وخبراء الدراسات الاستراتيجية ، في مختلف أنحاء العالم . وفي العالم العربي تكتسب قضية المياه أهمية استثنائية نظراً للبيئة شبه الجافة الفقيرة بالمياه التي تتميز بها معظم مناطق الوطن العربي . ومن هنا جاء الاهتمام العربي بهذه القضية التي تأخذ في العالم العربي أبعاداً اقتصادية وسياسية واستراتيجية وقانونية . وتتجلى لنا خطورة هذه القضية في حقيقة أن موضوع المياه العربية في الأردن وفلسطين وسوريا - على سبيل المثال - هو أحد محاور الصراع العربي - الإسرائيلي . انطلاقاً من هذا الواقع فإن انعقاد الندوة البرلمانية العربية حول المياه يعتبر حدثاً كبيراً من زاويتين :
الأولى : أنها تعالج موضوعاً حيوياً بالغ الأهمية بالنسبة لجميع البلدان العربية حاضراً ومستقبلاً .
الثانية : أنها جهد تنظيمي يقوم به الاتحاد البرلماني العربي في إطار نشاطه الدائم لجمع الكلمة البرلمانية العربية وتوحيد مواقف البرلمانات العربية من القضايا المصيرية التي تواجه الأمة العربية قاطبة . وهي بالتالي إسهام متواضع ، من جانب البرلمانيين العرب ، في إيجاد الحلول الناجعة لأمثال تلك القضايا . إن انعقاد هذه الندوة يشكل قفزة نوعية في نشاط الاتحاد البرلماني العربي . وهو فضلاً عن ذلك ، ارتقاء بالعمل البرلماني العربي إلى مستوى الأحداث والتحديات التي تواجهها أمتنا العربية في مختلف أمصارها . ومما يدعو إلى الاعتزاز ذلك الاهتمام الكبير الذي لاقته الندوة ، من مختلف الأوساط المهتمة بقضية المياه ، سواء كان ذلك في فترة انعقادها أم بعد انتهاء أعمالها . وتجلى هذا الاهتمام ، بوجه خاص ، في التغطية الإعلامية الواسعة لوقائع الندوة ومداولاتها ، من جهة ، وفي الطلب الكبير على وثائقها ، من جهة ثانية ، مما حدا بالأمانة العامة للاتحاد إلى توثيق أعمال الندوة وإصدارها في سفر خاص ووضعه في متناول جميع الباحثين والخبراء والمهتمين بموضوع المياه في العالم العربي . وتغتنم الأمانة العامة للاتحاد هذه المناسبة لتعرب عن جزيل الشكر والتقدير لجميع الباحثين والخبراء والمشاركين الذين أغنوا الندوة بدراساتهم القيمة ومناقشاتهم المفيدة واقتراحاتهم البناءة . وتؤكد ، في الوقت نفسه ، أنها سوف تواصل مستقبلاً تنظيم ندوات أخرى حول مختلف المواضيع والقضايا التي تستأثر باهتمام الشعب العربي وتخدم تطلعاته في بناء مجتمع عربي متكامل ترفرف عليه رايات الديمقراطية والتقدم والسلام والله من وراء القصد .