في الذكرى الخمسين للإعلان العالمي
لحقوق الإنسان
بقلم: نور الدين بوشكوج
الأمين العام للاتحاد
في العاشر من كانون الأول - ديسمبر عام 1948 اجتمع في قصر شايو بباريس ممثلو ست وخمسين دولة عضو في الجمعية العامة للأمم المتحدة للتداول في الحقوق الأساسية للإنسان في العالم . وكانت محصلة هذا الاجتماع إقرار " " الإعلان العالمي للحقوق الإنسان " الذي تضمن ثلاثين حقاً من حقوق الإنسان المدنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية . وهذه الوثيقة البالغة الأهمية ليست الأولى في تاريخ المجتمع الإنساني ذلك أن منطق تطور المجتمعات البشرية عبر العصور يشير إلى أن هذا التطور لم يكن سوى تاريخ النضال المتواصل الذي خاضه الإنسان من أجل الحرية والإنعتاق والحصول على المكاسب والحقوق . من أولى الوثائق المعروفة في هذا المجال " الماغناكارتا " الصادرة في بريطانيا عام 1215 حول ضمان الحريات ، ثم بيان الاستقلال الأمريكي لعام 1777 ، وأخيراً المبادئ التي أقرتها الثورة الفرنسية عام 1789 والتي أكدت الحرية والمساواة والإخاء بين جميع الناس ، ودعت إلى ضمان الحريات الدينية وحرية التعبير . وكان للعرب باع كبير في مضمار حقوق الإنسان ، قبل الإسلام وبعده . فحلف الفضول الذي جرى في القرن السادس الميلادي ن والذي أكد ضرورة منع الظلم ، والانتصار للمظلوم على الظالم يمكن اعتباره أول جمعية للدفاع عن حقوق الإنسان في العالم . وقد لخص القرآن الكريم المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان والدعوة إلى المساواة والإخاء بين الشعوب في الآية الثالثة عشرة من سورة الحجرات ، بقوله عز وجل :
" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " .
وأكد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ بقوله :
" يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ، ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى " .
ولا تزال ترن في أسماعنا صيحة الفاروق الخليفة عمر بن الخطاب حين قال مخاطباً ابن أحد الوجهاء بعد اعتدائه على رجل من العامة " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار !! " وهي أول دعوة في التاريخ البشري تقرن الحرية بالولادة . لقد استوعب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان معظم تجارب الشعوب . ولهذا يمكن القول أن ليس الإنسان لغة ، وليست لها هوية معينة - فهي عالمية المنشأ ، عالمية الجذور ، وبالتالي عالمية الهوية . وقد ازداد اهتمام العالم بمسألة الحرية وحقوق الإنسان بحيث غدت هذه القضية مسألة عالمية وإنسانية شاملة ، وأصبحت معياراً يمكن من خلالها الحكم على الأنظمة والقادة ، بل أصبحت في بعض الأحيان واحداً من الأسس المعتمدة لصياغة العلاقات بين الشعوب والبلدان . غير أن ما يدعو إلى الأسف أن المبادئ التي كرسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ظل في أكثر من مكان في هذا العالم حبراً على ورق . فقد بقيت الكثير من الأنظمة الديكتاتورية والعنصرية تنتهك حقوق الإنسان وترتكب أبشع الجرائم بحق البشرية على مرأى ومسمع من شعوب العالم . فما زالت إسرائيل ، على سبيل المثال تنتهك سائر حقوق الإنسان في فلسطين المحتلة والجولان وجنوب لبنان دون أن يوجه إليها النقد ممن يدعون حماية حقوق الإنسان في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الكبرى . ومما يدعو إلى الأسف الشديد أيضاً أن موضوع حقوق الإنسان في الظروف الدولية الراهنة يجري إخضاعه للاعتبارات السياسية والمصالح الآنية للدول الكبرى ، أي أن هذه الدول تتعامل مع هذا الموضوع وفق معايير مزدوجة ليست في صالح تثبيت هذا المبدأ وتجذيره كواحد من الأسس التي تقوم عليها العلاقات بين الدول . أخيراً ، إن موضوع حقوق الإنسان ينطلق من حقيقة راسخة هي أن الحق والحرية يشكلان قيمتين أساسيتين من القيم الإنسانية في كل مجتمع ، وهما من أكثر القيم التصاقاً بحياة الإنسان ومستقلة . ومن هنا فإنه يرتبط ارتباطاً عضوياً بمجمل التطورات الراهنة والمستقبلية لبلداننا العربية . وفضلاً عن ارتباطه بتحقيق الديمقراطية وترسيخ ممارستها ، وحماية حقوق الإنسان وتطويرها ، فإنه يرتبط كذلك بإطلاق طاقات الجماهير وقدراتها الخلافة وإفساح المجال لها للمساهمة في صنع القرار السياسي والاختيار الحر لطريق التطور الاقتصادي والاجتماعي ، وهو موضوع يتخذ أبعاداً بالغة الأهمية في عالمنا العربي اليوم . ولذلك يعير الاتحاد البرلماني العربي هذه المسألة اهتماماً خاصاً انطلاقاً من أن العمل على حماية حقوق الإنسان والدفاع عن الديمقراطية ، التي هي أحد تجليات تلك الحقوق - تدخل في صلب عمل البرلمانات وهي جزء لا يتجزأ من نشاطاتها وممارساتها .