الاتحاد البرلماني العربي

مجلــة البرلمــان العــربي
السنة العشرون - العدد الثاني والسبعون: حزيران - يونيو/ 1999

شعار الاتحاد البرلماني العربي

كلمة العدد
الاتحاد البرلماني العربي: مسيرة ربع قرن !
بقلم: د. أحمد فتحي سرور
رئيس مجلس الاتحاد البرلماني العربي
رئيس مجلس الشعب المصري

يحتفل الاتحاد البرلماني العربي هذا العام بالذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسه.
ففي الحادي والعشرين من حزيران - يونيو عام 1974 احتضنت العاصمة السورية - دمشق - الاجتماع التأسيسي لممثلي عشرة برلمانات عربية، تمخض عنه ولادة أول مؤسسة برلمانية عربية في تاريخ العرب الحديث وهي: الاتحاد البرلماني العربي. تأسس الاتحاد البرلماني العربي عندما اختمرت فكرة التعاون البرلماني العربي المنظم في أذهان نخبة من البرلمانيين العرب قبل ربع قرن من الزمن. وأمكن بعد سلسلة من الاتصالات الإيجابية المشجعة دعوة البرلمانات ومجالس الشورى العربية القائمة آنذاك إلى عقد المؤتمر التأسيسي للاتحاد البرلماني العربي، الذي حدد أهدافه بتدعيم أسس التضامن العربي، وتعميق المفاهيم والقيم الديمقراطية، وتنسيق التشريع وتوحيده في الوطن العربي، وإتاحة فرص كافية للقاء والحوار بين البرلمانيين العرب وتعزيز الروابط فيما بينهم، وتنسيق جهودهم في مختلف المجالات، وتوحيد أنشطتهم في المنظمات والمحافل الدولية. وقد أسهمت أجواء التضامن والتفاؤل والثقة بالعمل العربي المشترك التي عمت البلدان العربية أبان حرب تشرين الأول - أكتوبر وفي أعقابها، في التشجيع على القيام بهذه الخطوة القومية الجادة. من هذه الزاوية يمكن القول أن تأسيس الاتحاد البرلماني العربي، وبروزه على ساحة العمل القومي العربي المشترك لم يكن حدثاً عابراً أو عادياً، وإنما كان استجابة لضرورة الانتقال بالتمثيل البرلماني العربي من المستوى القطري إلى المستوى القومي الشامل، وتعبيراً عن القناعة بضرورة تدعيم وحدة العمل البرلماني العربي الجماعي في خدمة قضايا التحرر والوحدة والتقدم، تأكيداً لإيمان الإنسان العربي بأن بناء المستقبل الوضّاء للأمة العربية يستلزم حشد جميع الطاقات وتوظيف جميع الإمكانات لمجابهة التحديات التي تواجهها الأمة العربية من جهة، وتعبيراً أيضاً عن الرغبة الجدية في خدمة قضايا التعاون الدولي والإسهام في ازدهار المجتمع الإنساني واستقراره، من جهة أخرى.
كذلك جاء تأسيس الاتحاد البرلماني العربي تجسيداً للمبدأ الأساسي الذي يقوم عليه مفهوم الوحدة العربية، وهو وحدة الشعب العربي في جميع أقطاره ووحدة قضاياه ومصيره، وتكريساً لمبدأ الشورى الذي يعد أحد المبادئ الأساسية في تراث الأمة العربية والإسلامية. ويشكل ربع القرن الماضي مرحلة هامة في حياة الاتحاد، مرحلة زاخرة بالنشاط، عامرة بالتجربة، تمكن الاتحاد خلالها أن يتبوأ تدريجياً مكانته المرموقة عربياً ودولياً، وأن يرسخ دوره على جميع المستويات وفي مختلف الميادين العربية والإقليمية والدولية. لقد طرح ميثاق الاتحاد أهدافاً طموحة جداً أمام البرلمانيين العرب وأضافت التطورات الهامة التي شهدتها السنوات الخمس والعشرون الماضية مهاماً أخرى كبيرة ومتنوعة. وشكلت أهداف الاتحاد والمهام التي أضافتها التطورات المستجدة البوصلة الهادية لنشاط الاتحاد خلال ربع القرن الماضي. وعمل الاتحاد، وما يزال يعمل للقيام بالمهام الموكلة إليه وتحقيق أهدافه بكل جدية. ويمكن القول أنه استطاع أن يحقق أموراً هامة من أبرزها:
أولاً - لقد ازدادت عضوية الاتحاد من عشرة برلمانات عند تأسيسه إلى عشرين برلماناً في الوقت الحاضر. وهذا يعني اتساع دائرة الاقتناع برسالة الاتحاد وأهدافه في الوطن العربي.
ثانياً - استطاع الاتحاد أن يجمع الكلمة البرلمانية العربية على قيم وأهداف مشتركة وخطط وبرامج عمل قابلة للتطبيق، بالرغم من اختلال المؤسسات البرلمانية والتشريعية الأعضاء فيه من حيث الأنماط والتركيب وطريقة التمثيل، كما أصبح منبراً يعبر عن المطامح القومية في كل قطر عربي، ومؤسسة أثبتت وجودها على الصعيد القومي العربي في عدد من المجالات.
ثالثاً - سار الاتحاد شوطاً هاماً في ميدان تبادل الخبرات التشريعية والبرلمانية العربية والتعريف بالتجارب البرلمانية والديمقراطية في البلدان العربية، وهي التمهيد الذي لا غنى عنه لتعميق المفاهيم الديمقراطية في الوطن العربي من جهة، والوصول إلى توحيد التشريعات الأساسية في البلدان العربية، من جهة أخرى - وهما هدفان أساسيان يسعى الاتحاد البرلماني العربي إلى تحقيقهما.
رابعاً - نجح الاتحاد في إقامة شبكة من العلاقات الهامة مع العديد من المنظمات البرلمانية الإقليمية والدولية استطاع من خلالها أن يكون أحد الأقنية الهامة لطرح القضايا العربية على الساحة الدولية وكسب التأييد لها.
وتظهر القرارات والتوصيات التي اتخذتها مجالس الاتحاد ومؤتمراته المتعاقبة على امتداد السنوات الخمس والعشرين الماضية أن البرلمانيين العرب قد أدركوا الحلقات الرئيسة في مجريات الواقع العربي، وأكدوا رغبتهم في أداء دور متميز من خلال سعيهم الحثيث لحشد الطاقات العربية والتعبئة القومية الشاملة لتحقيق أهداف الأمة العربية في التحرر والديمقراطية وتعزيز حقوق الإنسان والانطلاق في موكب الوحدة والمعاصرة والتقدم. تمر الذكرى الخامسة والعشرون لتأسيس الاتحاد البرلماني العربي هذا العام في ظروف بالغة الدقة والخطورة على الصعيدين العربي والدولي: فعلى الصعيد العربي تعاني البلدان العربية من تصدع لحمتها، وتشرذم صفوفها، وغياب تضامنها الذي كان رافعة انتصاراتها السابقة كافة. ويمر الوضع العرب بمنعطف خطير، خاصة بعد تعثر عملية السلام في الشرق الأوسط وتزايد الضغوط والتحديات الإقليمية والدولية التي تستهدف الأمة العربية قاطبة، وجوداً ومصيراً. ومما لا شك فيه أن ضعف التضامن العربي، إن لم نقل غيابه الكامل، يوفر الظروف المناسبة لنجاح تلك الضغوط والتحديات. وفي ظل هذه الظروف تتعقد أيضاً قضايا التنمية، وممارسة الديمقراطية وحقوق الإنسان في العديد من البلدان العربية إلى حد يهدد استقرارها وأمنها. وعلى الصعيد الدولي - فإن مخاض تشكيل النظام العالمي الجديد ذي القوة الوحيدة المهيمنة لا يشجع على التفاؤل. فالقوة المهيمنة في عالم اليوم تعمل بصورة واضحة على تهميش دور الأمم المتحدة ونشر مفاهيم ومبادئ وفرض سياسات تخدم مصالحها بالدرجة الأولى، غير عابئة بمصالح الدول الأخرى، خاصة في بلدان العالم الثالث. ويجري تشكيل الكتل الدولية والإقليمية الكبرى التي تريد تحويل العالم إلى أهداف لاستثمارها وخدمة مآربها. إن هذا الوضع الجديد يطرح أمام الأمة العربية، وأمام ممثلي شعوبها بالدرجة الأولى، مهاماً كبيرة وخطيرة، في مقدمتها:
    1. الإسهام في إيجاد مخرج من التشرذم العربي السائد حالياً، وبعث التضامن العربي وإرسائه على أسس واضحة في ضوء المبادئ التي أقرتها مؤتمرات العمة العربية، والقيام بدور فاعل في تنقية الأجواء العربية، والعمل على تجاوز الصراعات الجانبية التي لا يستفيد منها إلا الأعداء المتربصون. ذلك أن مواجهة المرحلة الراهنة في العلاقات الدولية والتكيف معها يتطلب كيانات كبيرة في عالم لا يعترف بالكيانات الصغيرة، وفي ظروف لم تعد الدول المنفردة تستطيع أن تمارس تأثيراً يمكنها من إثبات وجودها أو التوصل إلى حلول عادلة ومعقولة لقضاياها.
    2. وضع ميثاق شرف للعمل البرلماني العربي يحدد دور البرلمانات العربية في الألفية الثالثة، لاسيما في ما يتعلق ب:
    أ. إيجاد آلية لتطوير صيغ التضامن العربي والعمل العربي المشترك؛
    ب . وضع أسس عملية لتطوير الاتحاد البرلماني العربي تدريجياً ليصبح هيئة تشريعية عربية، أو برلماناً عربياً موحداً يمثل جميع الأقطار العربية.
    3. حث الحكومات العربية على اتخاذ الخطوات التشريعية والتنفيذية الكفيلة بجعل البرامج والمشروعات السياسية والاقتصادية التي أقرتها مؤتمرات القمة العربية فعالة وملموسة ومتلائمة مع ضرورات المرحلة الراهنة ومتطلباتها. ومن الأهمية بمكان التركيز حالياً على موضوع السوق العربية المشتركة باعتبارها الأساس الذي تنطلق منها مشاريع التكامل العربي كافة. ويعتز الاتحاد البرلماني العربي بمبادرته نحو إنشاء هيئة برلمانية للسوق تعتبر بمثابة برلمان لها.
    4. التنسيق والتعاون المستمرين مع جامعة الدول العربية ومع المنظمات والاتحادات العربية ذات الصلة بالعمل البرلماني العربي.
إن هذه المهمات تنهض أمام الاتحاد البرلماني العربي بكل أبعادها وثقلها. وفي يقيننا أن الاتحاد قادر على القيام بجميع تلك المهام. ومن الطبيعي أن تكون نقطة البدء في ذك أن يعمل الاتحاد على تدقيق أهدافه وبحث المستجدات التي طرأت على الميادين التي ينشط فيها. وستكون هذه القضية ضمن الموضوعات التي ستناقشها الدورة الرابعة والثلاثون لمجلس الاتحاد التي ستنعقد في دمشق عما قريب.
فلنجعل من الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس الاتحاد منطلقاً لرأب الصدع العربي، وتعزيز المسيرة الديمقراطية والبرلمانية والتنموية في الوطن العربي الكبير.

^ العدد 72 - صفحة المحتويات

.

كلمــــة العــــدد

الاتحاد البرلماني العربي:
مسيرة ربع قرن !
بقلم: د. أحمد فتحي سرور
رئيس مجلس الاتحاد البرلماني العربي
رئيس مجلس الشعب المصري


[ الاتحاد البرلماني العربي - صفحة البداية ] [ البرلمان العربي - قائمة الأعداد ] [ منشورات الاتحـاد ] [ بريد الاتحـاد ]