|
مجلــة البرلمــان العــربي
|
|
|
الاتحاد البرلماني العربي
المنعكسات السلبية للمتغيرات الدولية على العمالة في الوطن العربي في التجربة البرلمانية المغربية بقلم: الدكتور محمد سعيد نابلسي عميد المعهد العالي للإدارة بدمشق |
. |
المنعكسات السلبية للمتغيرات الدولية على العمالة في الوطن العربي [ ملاحظة ]
مقدمة :
وعلى الرغم من ذلك يتسم عالم ما بعد الحرب الباردة بأنه عالم المتناقضات فقد تفجرت جملة من التناقضات لم تكن معروفة في مرحلة الحرب الباردة . وقد برزت هذه التناقضات على سطح العلاقات الاقتصادية والسياسية الدولية نتيجة غياب الآليات التي يفترض أن تديرها وتنظمها في هذه المرحلة الهامة على أسس وقواعد التكافؤ في العلاقات بين دول العالم . ومنذ بداية العقد الحالي برز على السطح تياران متناقضان يتجاذبان عالم اليوم الأول تيار اندماجي على الصعيدين الإقليمي والعالمي يتجسد في السعي إلى تعميم العولمة لتشمل الاقتصاد والثقافة والإعلام . ويتجسد هذا التيار كما نشهد حالياً في اندماج مؤسسات اقتصادية وشركات كبرى فوق القومية ومصارف ومؤسسات إعلامية برؤوس أموال ضخمة . وعلى رأس هذا الاندماج شركات أمريكية تتغلغل في جسم الاقتصاد العالمي في محاولة منها لفرض سيطرتها الكاملة. ومن ناحية أخرى يشهد العالم تياراً تفتيتياً يهدد سيادة بعض الدول من الداخل كما يهدد الاستقرار الاقليمي ومنها بعض الدول العربية . في المرحلة الحالية يتردد الحديث حول العولمة باعتبارها الحامل أو المجسد للمتغيرات الدولية في المرحلة القادمة وربما البعيدة المدى. ورغم المظاهر العديدة للعولمة وتبلور العديد من مؤشراتها واتجاهاتها إلا أنها مازالت في مرحلة انتقالية تعمل الولايات المتحدة على دفعها وتعميمها لاحتواء أنحاء المعمورة ، وهي بهذا المعنى عولمة أمريكية رأسمالية الشكل والمضمون .
1 - المتغيرات الدولية في مفهوم وأبعاد العولمة :
ويمكن اعتبار التعريف الذي ورد في كتاب مفهوم العولمة للدكتور صادق جلال العظم من أكثر المفاهيم دقة وشمولاً حيث ينص هذا التعريف على أن العولمة هي :
وعند المفكر العربي د. محمد عابد الجابري، العولمة مقرونة بثقافة الاستهلاك تعني إرادة الهيمنة أي هي قمع وإقصاء للخصوصي والذاتي معاً . أما العالمية فهي طموح إلى الارتقاء والارتفاع بالخصوصي إلى مستوى ك تعبر عن ظاهرة كونية رأسمالية الطابع تأخذ مضامين وأشكالاً واستراتيجيات وسياسات محددة تهدف في النهاية إلى تثبيت دعائم رأس المال العالمي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية . وعلى هذا الأساس تبدو العولمة إلى حد كبير إعادة لتقسيم العالم وفق مبدأ الأقوى لكن لبوسها اقتصادية وتقانية ومالية واتصالية يستخدم في تحقيقها كل وسائل العلم الحديث والتكنولوجيا المعاصرة بدلاً من الاحتلال العسكري المباشر الذي كان سائداً في بداية هذا القرن . ويمكن القول بأن الشبكات المالية والتجارية والتقانية والإعلامية تقوم برسم الخريطة العالمية للتنمية الاقتصادية والاقتصاد العالمي بحيث يتحول العالم من منطق الدولة - الأمة إلى منطق الاقتصادات فوق القومية ومن متابعة ما يجري في هذه المرحلة فإن إعادة الهيكلة الاقتصادية والمالية والانخراط في النظام الاقتصادي الدولي كما هو مخطط لها من قادة العولمة قد يؤدي إلى إفقار مفهوم السيادة الوطنية وإضعاف دعائمه في الدولة المنخرطة في النظام الاقتصادي الذي تحاول الرأسمالية العالمية تحديد هويته وأبعاده المستقبلية . ولعل الشركات متعددة الجنسيات من أكثر الأنماط تعبيراً عن الاقتصاد المعولم فهي تتربع في ظل التقسيم الدولي الجديد للعمل على إمكانيات مادية وبشرية هائلة يمتد بعضها إلى أقصى بقاع العالم وقد عمدت الشركات متعددة الجنسيات إلى توزيع وتنوع أنشطتها لتشمل قطاعات الإنتاج والتجارة وقطاع الخدمات والمال والمصارف الدولية بغية توزيع المخاطر وتنويع مصادر الربح وأصبحت الشركات الأم بمثابة شركات قابضة تنشر استثماراتها في كل المجالات وتمارس أعمالها بواسطة فروع أو شركات مستقلة مملوكة لها أو بواسطة شركات مختلطة برؤوس أموال محلية وهي تتولى إنتاج عدد محدود من أجزاء السلعة لا تتكامل حلقات إنتاجها إلا عن طريق العديد من الوحدات الإنتاجية . وتنشر هذه الوحدات في معظم بقاع العالم مما ينتج للشركات الدولية النشاط للاستفادة من المزايا النسبية المتاحة في هذه الدول من حيث وفرة المواد الأولية ورخص الأيدي العاملة بالإضافة إلى توفر الأسواق . وبهذه الطريقة تسعى الشركات عابرة القارات إلى تحويل العالم إلى ميدان اقتصادي واحد محرر من القيود الجيوبوليتيكية وبغية بسط نفوذها وإحكام سيطرتها على قطاعات الأعمال في العالم أوجدت هذه الشركات إدارة مركزية قوية تخطط للشركة ككل . وتصمم استراتيجيات إنتاجية وتسويقية للسوق العالمي بوصفه مجالاً أساسياً لممارسة نشاط هذه الشركة .
لقد مكنت منجزات التقدم العلمي والتقني من حاسبات آلية وتكنولوجيا الاتصالات الشركات متعددة الجنسيات من أن تتوسع في أنشطتها على كافة المستويات القطاعية والاقليمية والدولية كما وفرت لإداراتها وإمكانيات السيطرة على الفروع والشركات التابعة لها وبما يخدم أهداف الشركات الأم ذاتها وبغض النظر عن أهداف الوحدات التابعة لها وأهداف ومصالح الدول المضيفة لهذه الشركات .
3 - العمالة العربية والمتغيرات الدولية :
لقد شهدت بعض الأقطار العربية وخاصة النفطية منها تطوراً ملحوظاً خلال فترة السبعينات وما بعدها ارتفاع أسعار النفط وقد انعكس هذا التطور على بعض الأقطار العربية غير النفطية في صورة استثمارات جديدة بمعونات وقروض من الدول النفطية . إلا أن الظاهرة الأهم التي رافقت هذا التطور هي انتقال العمالة وبشكل مكثف من الأقطار غير النفطية إلى الأقطار النفطية وتحديداً أقطار الخليج العربي .
إلا أن هذا الاتجاه بدأ يميل إلى التراجع في عقد السبعينات على وجه الخصوص وخاصة بعد حرب الخليج الثانية التي استنفذت قسماً كبيراً من الموارد المالية للدول العربية النفطية فضلاً عن الخسائر المادية والبشرية الباهظة .
وحسب آخر احصائيات تقرير البنك الدولي ومنظمة العمل العربية فإن معدلات البطالة تتجاوز في بعض الأقطار العربية نسبة 20% كما هو الحال في الجزائر واليمن ولبنان وتصل هذه المعدلات في الأقطار الأخرى إلى 15% حسب التقديرات المتاحة وهي نسبة مرتفعة بالمقاييس الدولية وهذه النسب قابلة للزيادة في المستقبل بسبب ارتفاع معدل نمو قوة العمل العربية البالغة 4% سنوياً وهي أعلى من معدل النمو السكاني وزيادة عدد الباحثين عن عمل بين الفئات الشابة وخاصة الفئات التي اكتسبت مستويات متقدمة من التعليم المهني والجامعي ورغم اختلاف نوعية مخرجات العمالة العربية نتيجة اختلاف الهياكل الاقتصادية والنظم الاجتماعية والتعليمية بين الأقطار العربية يوجد هناك قواسم مشتركة في واقع العمالة العمالية العربية البطالة بأنواعها ، انخفاض الأجور ، انخفاض نسبة العمالة في القطاعات المنتجة وارتفاعها في قطاع الخدمات وهذه القطاعات جميعها تتسم بانخفاض شديد في إنتاجية العمل الفردي والاجتماعي نتيجة انخفاض معدل التراكم الرأسمالي ومعدل الاستثمار وتخلف المستوى التقني ومستويات مهارات وخبرات العمل بالإضافة إلى تفشي الأمية وبنسبة لابأس بها في أوساط الطبقات المنتجة في الوطن العربي . بالنسبة لتأثير المتغيرات الدولية وانعكاساتها على العمالة في الوطن العربي تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن عدداً كبيراً من الأقطار العربية مازال بعيداً عن تأثيرات واتجاهات العولمة والاندماج الفعلي في نظام التجارة العالمية والأسواق الدولية باستثناء الدول العربية النفطية التي تعتمد في علاقاتها مع الأسواق العالمية على تصدير النفط إليها واستيراد احتياجاتها من السلع الاستهلاكية والإنتاجية من هذه الأسواق . فمن المعلوم أنه خلال العقود الثلاثة الماضية اتجهت الاستثمارات الرأسمالية العالمية بصورة أساسية إلى دول شرقي آسيا وبعض دول أمريكا اللاتينية عبر الشركات عابرة القارات ولم يكن نصيب معظم الأقطار العربية من هذه الاستثمارات بالقدر الذي يستحق الذكر وعلى عكس ذلك فمن المفارقات المثيرة للدهشة أن القسم الأكبر من الموارد المالية العربية وبصورة خاصة الفوائض المالية النفطية اتجهت إلى الأسواق والمصارف العالمية الرأسمالية لتصب في دورة رأس المال العالمي وإعادة إنتاجه في الدول الرأسمالية ومناطق أخرى من العالم . وللدلالة على ذلك تجدر الإشارة إلى أن تطور التقسيم الدولي للعمل الجديد دفع بالشركات متعددة الجنسية إلى الاهتمام بالدول الأكثر تقدماً من الناحية التكنولوجية وركزت استثماراتها في هذه الدول التي تدر أقصى ما يمكن من الربح فمن أصل 500 شركة دولية كبرى تركز نشاط ثلث عدد هذه الشركات على الفروع الصناعية التي تتطلب استخداماً عالياً لنتائج البحوث العلمية والتقنية وغالباً ما تحتفظ هذه الشركات بمراكز البحوث والتطوير في المقرات الرئيسية للشركة الأم مما يعني أن عمليات البحث العلمي والتطوير التقني تتم في أجزاء منعزلة تابعة للشركة الأم وتصل أرباح هذا النوع من الشركات إلى معدلات عالية تفوق معدلات الشركات الدولية الأخرى نتيجة اعتمادها على المكون التكنولوجي والتقنيات الإنتاجية المتقدمة مما يكسبها وضعاً احتكارياً على المستوى الدولي ويمكنها من جني الأرباح الطائلة يذكر هنا أن أعلى الأرباح تجنيها شركة مايكروسوفت الأمريكية .
كذلك يذكر نشاط الشركات دولية النشاط
في المجال المصرفي الذي تتخصص
فيه 130 شركة من أصل 500 شركة دولية كبرى .
وأضحت الأصول المالية المتداولة وما يرتبط بها من أنشطة إنتاجية وتسويقية مختلفة أحد السمات الرئيسية للاقتصاد الدولي المعاصر.
ما يمكن قوله في هذا المجال ونتيجة لاتجاهات الشركات الدولية متعددة الجنسية وخياراتها لمناطق الاستثمار في العالم التي تحقق مصالحها الخاصة فإن المنطقة العربية مازالت خارج نشاط هذه الشركات باستثناء الشركات الدولية العاملة في مجالات النفط ومشتقاته والتي تستخدم تقنية عالية وأيدي عاملة عالية المستوى العلمي والتقني وقد تكون غير عربية في كثير من الحالات .
ما يمكن استنتاجه واستقراؤه من واقع الطبقات العاملة في الوطن العربي بأن قسماً لابأس به من أعدادها مازال خارج عملية النشاط الاقتصادي أو بكلمة أخرى فإن نسبة كبيرة من قوة العمل تعاني من التهميش الاقتصادي والاجتماعي وهي خارج عملية الإنتاج الاجتماعي أو أنها تمارس عملاً غير منتج لا ينعكس في تسريع وتائر التنمية وزيادة معدلات التراكم الرأسمالي الوطني .
وللبرهان على تأثير الاتجاهات الدولية وأسواق العمل الدولية على العمالة العربية في ظل الأوضاع العربية الاقتصادية السائدة وعوامل التنمية المأزومة يمكن الإشارة إلى بعض الأمثلة في بعض الدول العربية فعلى سبيل المثال بلغ عدد العاطلين عن العمل من الخريجين الجامعيين وحدهم في مصر مليون وثمانمائة ألف عاطل عام 1995 ومصر كما هو معروف بدأت تجربة الانفتاح والخصخصة وتحرير التجارة والأسواق في العديد من القطاعات قبل غيرها من البلدان العربية . وفي الجزائر حيث بدأت سياسات التصنيع الثقيل بواسطة الشركات الأجنبية العملاقة وانتشرت مشاريع تسليم المفتاح باليد منذ مطلع السبعينات وحيث تم التركيز على رفع إنتاجية العمل بالاعتماد على التقنيات الحديثة دون الاهتمام بالتشغيل واستيعاب قوة العمل الفائضة فإن هذا البلد العربي يسجل واحداً من أعلى معدلات البطالة في العالم وتعم البطالة بين الفئات العمالية وخاصة الشباب والنساء فالبطالة والفقر حسب رأي العديد من الباحثين والمهتمين تعد من أهم عوامل ما تشهده الجزائر من أحداث . ويمكن إعطاء اليمن كمثال آخر عن التأثيرات السلبية الناجمة عن الخلافات العربية بالإضافة للعوامل الداخلية فالبطالة والفقر تفاقما إلى حد خطير بعد عودة العمال اليمنيين من دول الخليج على أثر حرب الخليج الثانية ونتيجة لما يسمى بسياسات الإصلاح الاقتصادي التي تفرضها قوى العولمة التي أدت إلى التضخم الهائل وارتفاع الأسعار وعجز الحكومة عن دفع رواتب بعض فئات العمال والموظفين . إن انخراط المنطقة العربية في اتجاهات العولمة ربما يؤدي في المستقبل إلى زيادة الاستثمارات في بعض القطاعات التي تختارها القوى الممثلة لهذه الاتجاهات وفي مقدمتها الشركات متعددة الجنسيات وإلى زيادة إنتاجية العمل في بعض المؤسسات الإنتاجية والخدمية المرتبطة بالأسواق العالمية ، إلا أن النتيجة المتوقعة للعولمة من خلال سياسات المؤسسات والمنظمات الدولية والشركات متعددة النشاط هي زيادة معدلات البطالة وتعميق الفقر وتعميمه وبالتالي انتشار التطرف والعنف والفوضى الاجتماعية إذ يستحيل التفكير بأن الرأسمالية العالمية وتيارات أسواق العمل الدولية ستكون قادرة على حل هذه المشاكل الحالية والمتفاقمة في المستقبل . ومن الملاحظ أن أسواق العمل في الدول المتقدمة تسعى فقط إلى جذب الكفاءات والأدمغة النادرة القادرة على التلاؤم مع معطيات التقنيات الحديثة في هذه الدول وذلك خلافاً لما كان عليه الحال في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث فتحت الدول الأوربية أبوابها لليد العاملة الأجنبية ومنها العربية ومن مستويات مختلفة في المهارة لإعادة الإعمار وإصلاح ما خربته الحرب . أو بكلمة فإن أسواق العمل في الدول الصناعية المتقدمة خاضعة لمتغيرات سريعة لتساير التغيرات المتسارعة في تقنيات العمل والإنتاج وتقنيات المعلوماتية والاتصال وفي حال استمرار حال التخلف التقني والمهني التي تعاني منها أسواق العمل العربية فإن الفجوة بين هذه الأسواق والأسواق الدولية ستزداد عمقاً مما قد يؤدي إلى حالات عدم التكافؤ وسيطرة الأسواق العالمية على الأسواق الوطنية في الوطن العربي . هذا بدوره سيؤدي حتماً إلى تعميق الظواهر والمعضلات التي تعاني منها أسواق العمل العربية .
تجاه هذا الوضع هناك تساؤلات عديدة تطرح نفسها بإلحاح وهي تشكل تحديات جدية في الوقت الحاضر والمستقبل أمام أسواق العمل العربية وإذا كانت هذه التحديات أصبحت واضحة للعيان فهنا لابد من التساؤل حول العمل للخروج من هذا المأزق ومواجهة تيارات العولمة واتجاهاتها ضمن استراتيجيات علمية وواقعية تساعد في المستقبل على رفع مستوى العمالة الكمي والنوعي في الوطن العربي .
ملاحظة: عن جريدة كفاح العمال الاشتراكي ( اتحاد نقابات العمال في سورية ) العدد 1861 - 30/11/2000 . |
|
|
||