الاتحاد البرلماني العربي

مجلــة البرلمــان العــربي
السنة الحادية والعشرون- العدد السابع والسبعون: تشرين أول/أكتوبر 2000

شعار الاتحاد البرلماني العربي
الاتحاد البرلماني العربي

نظام الغرفتين
في
التجربة البرلمانية المغربية

بقلم:
الدكتور ابراهيم رشيدي

أستاذ بجامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء
نائب رئيس مجلس النواب المغربي
.

نظام الغرفتين في التجربة البرلمانية المغربية

تقــديم :
أثارت الثنائية البرلمانية جدلاً كبيراً ، سواء لدى فقهاء القانون الدستوري ، أو لدى الفاعلين السياسيين . ويمكن القول بأن الفقهاء الدستوريين يجمعون في هذا المجال ، على تمايز المراحل والبيئة التي انبثقت فيها هذه الظاهرة السياسية الدستورية انطلاقاً من الأسباب ومروراً بالأهداف والغايات المختلفة التي أريد للثنائية تحقيقها في سياق كل منظومة سياسية .
ولفهم هذه الظاهرة السياسية لابد من الوقوقف عند أهداف ومبررات الثنائية عامة ، قبل تحليل التجربة المغربية في هذا المجال ، للوقوف في النهاية عند آفاق التجربة المغربية بعد قرابة ثلاث سنوات من الممارسة الفعلية .

1 - أهداف ومبررات الثنائية البرلمانية :
تهدف الثنائية في الدول الفيدرالية إلى ضمان تمثيلية خاصة للدول الأعضاء من خلال غرفة منتخبة من لدن السكان بالاقتراع العام المباشر ، وغرفة منتخبة من لدن سكان كل دولة على أساس التساوي بين الدول الأعضاء .
وقد أملى هذا الاختيار طبيعة البنية السياسية للدول الفيدرالية ، والذي يرمي إلى تمثيل الأمة في شموليتها والدول الأعضاء في الفيدرالية بخصوصياتها .
أما في الدول الموحدة فإن الثنائية من الناحية التاريخية كانت تهدف إلى تكريس مبدأ تمثيلية متميزة للطبقة الأرستقراطية ( بغرفة عليا ) وتمثيلية عامة للشعب ( بغرفة سفلى ) .
ومن تراكم التجارب ، عبر تمايز المراحل التاريخية لكل من الثنائية الأرستقراطية والديمقراطية الليبرالية والفيدرالية ، وكذا الوظائف المختلفة التي أنيطت بها : سياسية وتمثيلية وتقنية ، قام الفقهاء الدستوريون وعلماء السياسية ببلورة مجموعة من المبررات وإبراز عدد من الخصائص في محاولة لدعم الطروحات المؤيدة لنظام الغرفة الثانية . ويمكن حصر أهم تلك المبررات في ما يلي :
1 - تدعيم شرعية المؤسسات السياسية من خلال تمثيلية متنوعة ومتكاملة تضم ممثلي الجماعات ، والنقابات وممثلي رجال الأعمال ، والفاعلين الاقتصاديين على اختلاف مشاربهم من حيث :
أ ) توسيع وتدعيم القاعدة الديمقراطية للدول .
ب) تمثيل الوحدات الترابية المختلفة وإبراز التوجهات العامة للنشاط الاقتصادي والاجتماعي.
2 - الحد من هيمنة واندفاع الغرفة الأولى قصد مراقبتها والتحكم في توجهاتها من حيث :
أ ) تليين النزاعات بين الغرفة الأولى والحكومة .
ب ) تليين الديناميكية الديمقراطية بالغرفة الأولى .
3 - بناء منظومة تمثيلية تؤمن توازناً أفضل في ممارسة السلط والمراقبة ونجاعة في الوظيفة التشريعية من حيث :
ضمان العمل لبرلمان هادئ ومتوازن وغرفة للتفكير تبقى تحت السيطرة المباشرة للسلطة التنفيذية والمراكز المحافظة التي لا تتوخى تغيير الواقع المعيش للساكنة .
وباستقراء التجارب في مجال الثنائية في أغلب الدول ، نجد أن الغرفة الثانية قامت بأدوار محافظة متميزة في إطار المنظومة السياسية وطبيعة العلاقات بين السلط العمومية ، استناداً إلى أصولها التاريخية وبنيتها الطبقية والأدوات والوظائف المخولة لها ( من حيث سلطة القرار والمراقبة ، ومسألة الحل ... ) والتي لم تصل حد التماثل أو التكافؤ مع الغرفة الأولى ، بفعل مصدر وأسس التمثيلية غير المباشرة في أسلوبها والمحدودة في نطاقها ( استثناء تجربة مجلس الشيوخ الأمريكي وتجربة الغرفتين في إيطاليا وبلجيكا ) .

2 - التجربة المغربية في مجال الثنائية :
في إطار السياق التاريخي السابق ، واستئناساً بمختلف التجارب في مجال الثنائية ( وخاصة بريطانيا ، الولايات المتحدة الأمريكية، مؤسسات الجمهورية الفرنسية الخامسة ... ) ، يمكن الحديث عن تجربة الغرفتين في التطبيق المغربي من حيث إطارها وأسسها وخصوصياتها ، وكذا حصيلتها في محاولة لملامسة آفاقها .
لقد اختار المغرب منذ دستور سنة 1962 التعددية السياسية والنتظام البرلماني ، مستنداً إلى مجموعة من الخصوصيات والتقاليد المغربية ، ومستأنساً بالنظام البرلماني للجمهورية الفرنسية الخامسة كما مرت التجربة الدستورية المغربية بعدة تطورات فيما يخص الثنائية البرلمانية ويمكن تلخيصها فيما يلي :
- دستور 1962 نص على الثنائية البرلمانية على الشكل التالي :
مجلس للنواب منتخب بالاقتراع العام المباشر ، ومجلس للمستشارين منتخب بالاقتراع غير المباشر .
- دستور 1970 نص على نظام الغرفة الواحدة جمع فيها بين الاقتراع المباشر وغير المباشر ، وهي مجلس النواب حيث يتكون المجلس من 240 عضواً ، ينتخب تسعون منهم بواسطة الاقتراع العام المباشر ، وينتخب الباقون بالاقتراع غير المباشر .
- دستور 1972 أقر نظام الغرفة الواحدة بشكلها السالف ، وهي مجلس النواب المكون على أساس ثلثين من الأعضاء ينتخبون بالاقتراع العام المباشر ، والثلث الباقي ينتخب بالاقتراع غير المباشر .
- دستور 1996 المعدل ، عاد إلى نظام الغرفتين ، مجلس للنواب ينتخب بالاقتراع العام المباشر ، وآخر للمستشارين ينتخب بالاقتراع غير المباشر ، كما انصبت أيضاً تلك التعديلات على وظائف المؤسسة البرلمانية من حيث مجال القانون ومسطرة تحريك المسؤولية السياسية للحكومة ووسائل المراقبة ( الأسئلة ، لجن البحث والتقصي ... ) وبالرغم من الديناميكية المحسوسة التي أحدثتها هذه التعديلات في الممارسة البرلمانية ، ظلت التجربة المغربية متميزة من حيث العلاقات بين السلط ووسائل العمل بالثابتين التاليين :
الأول : ثنائية السلطة التنفيذية ( ملك - حكومة ) بأدوات دستورية فاعلة تجاه المؤسسة النيابية والحكومية : توجيه السلطة التشريعية في مختلف المراحل ، كما أن المجالات الدبلوماسية ، وتعيين كبار موظفي الدولة بالإضافة إلى المجال القضائي والعسكري تعد من اختصاصات الملك ، بينما تسند المهام التنفيذية والتدبيرية إلى الوزير الأول والوزراء.
الثاني : تقنين لمجال تحرك المؤسسة النيابية ووسائل عملها (مجال القانون ، تحديد الدورات، جدول الأعمال ، الأغلبيات الموصوفة لاتخاذ القرار ، مراقبة النظام الداخلي ... ) .
وفي هذا الإطار المقنن للتطبيق البرلماني المغربي ذي الغرفة الواحدة ، اندرج التعديل الذي أريد له ، بإحداث غرفة ثانية ، تحقيق تمثيلية أوسع لمختلف الجهات والقطاعات بالبلاد وإرساء الجهوية والرفع من الأداء الوظيفي للمؤسسة التشريعية .
وباستقراء التعديلات الجديدة في الدستور المعدل ، نجد أن الغرفتين تشتركان وتتماثلان في أغلب الاختصاصات التشريعية والرقابية ، ولا تختلفان إلا فيما يتعلق بتحريك المسؤولية السياسية للحكومة أمام المجلسين ( المواد 60-75-76-77 من الدستور ) :
- فالحكومة في الفصل الستين من الدستور مسؤولة أمام الملك والبرلمان بغرفتيه الوزير الأول ملزم بتقديم برنامج الحكومة ، بعد تعيينه من لدن الملك ، أمام الغرفتين ، على أن الغرفة الأولى وحدها هي التي تقوم بالتصويت على هذا البرنامج ، أما الغرفة الثانية فتكتفي بالمناقشة فقط .
أما فيما يتعلق بمسألتي الثقة وملتمس الرقابة، فقد نظمها الدستور بالنسبة للغرفة الأولى كما يلي :
- يمكن للوزير الأول أن يربط مواصلة الحكومة لمهامها بتصويت بمنح الثقة بشأن تصريح يقدمه ، ولا يمكن سحب الثقة من الحكومة أو رفض النص إلا بالأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب ( الفصل 75 ) .
- ملتمس الرقابة يقدمه مجلس النواب ، بعد توقيع ربع أعضائه ، ولا يقبل الملتمس إلا بتصويت الأغلبية المطلقة لأعضائه ( الفصل 76 ) .
وقد نظم الدستور مسالتي التنبيه وملتمس الرقابة بالنسبة للغرفة الثانية كما يلي :
- يمكن لمجلس المستشارين أن يتقدم بملتمس تنبيه للحكومة أو ملتمس رقابة ضدها ، مع اشتراط توقيع ثلث أعضائه عند التقديم ، وموافقة الأغلبية المطلقة لأعضائه ليصبح ذا مفعول ( الفصل77 ) .
إن نظام الثنائية البرلمانية في الدول النامية ومن بينها المغرب ، كان موضع تساؤل وانتقاد، وذلك لعدة أسباب منها :
- إن هذه الدول لم تمر بنفس التطورات التاريخية التي دعت إلى إحداث غرفتين ، إحداهما عليا وتمثل الأرستقراطية ، والأخرى دنيا وتمثل عامة الشعب .
- إن هذه الدول النامية في حاجة إلى مؤسسة تشريعية ديناميكية وسريعة ، للاستجابة للحاجات الملحة للتنمية بالسرعة المطلوبة ، في حين أن الإزدواجية كثيراً ما تؤدي في هذه الدول ( وحتى في بعض الدول المتقدمة ) ، نظراً لعدة عوامل سياسية وإدارية واجتماعية ، إلى بطء ملحوظ في العمل التشريعي ، وخصوصاً إذا كانت إحدى الغرفتين أو كلتاهما مرتبطة بعوامل ضغط سياسية أو سلطوية أو اقتصادية أو اجتماعية .
- الثنائية البرلمانية تتطلب تكلفة مالية وبشرية إضافية لا تتوفر لدى الدول النامية ، بل إنها تكون في أشد الحاجة إلى توظيف هذه الاعتمادات المالية الإضافية لعمليات التنمية الاجتماعية والاقتصادية .
- الثنائية البرلمانية ارتبطت في بعض التجارب الدستورية ، كالولايات المتحدة الأمريكية مثلاً ، بالنظام الفيدرالي ، حيث تمثل الغرفة الثانية الولايات المكونة للدولة الاتحادية، أما في الدول البسيطة النامية ، مثل المغرب ، فإن التمثيل الجهوي يمكن أن يتأتى بفعالية من خلال مجالس الجهات التي تعتبر برلمانات جهوية مصغرة .
- يؤخذ على الثنائية البرلمانية في كثير من الدول النامية بأنها وإن كانت تساهم في تكوين وتوسيع الطبقة السياسية ، وإعداد نخب وقيادات جديدة ، إلا أن كلفتها الاقتصادية وحتى السياسية، تفوق في الغالب قدرات هذه البلدان ، وخاصة عند حدوث تعارض مفتعل بين غرفتي البرلمان.
- يؤخذ على هذه التجارب كذلك بأن بعضها ( حالة المغرب مثلاً ) تتسم بتكرار العمل في الغرفتين ، نظراً لتداخل الاختصاصات وتشابهها، حيث تتحول الغرفة الثانية من غرفة للتفكير والتأمل ، إلى نسخة مكررة في اختصاصاتها للغرفة الأولى الشيء الذي يؤدي إلى التعقيد والازدواجية دون أي جدوى سياسية. كما أن المراقبين والرأي العام يلاحظون نوعاً من الرتابة والملل نظراً لأن نفس العمل التشريعي والرقابي يمر في الغرفتين دون أي مبرر .

3 - استنتاج :
لقد جاء إحداث الغرفة الثانية بالمغرب ، في نطاق التعديل الدستوري لسنة 1996 ، بعد المطالبات السياسية العديدة التي نادت بانتخاب مجلس النواب بكامله عن طريق الاقتراع العام المباشر .
ويسود الاعتقاد حالياً أن مجمل السلبيات المذكورة آنفاً ، بخصوص الثنائية البرلمانية في الدول النامية ، قد تكرست في ظل هذا التعديل الدستوري ، كما أبانت عنها الممارسة طيلة مدة هذه التجربة . وهذا ما يستدعي التفكير في العودة إلى نظام الغرفة الواحدة ، المنتخبة عن طريق الاقتراع العام المباشر ، مع الاكتفاء بمجالس الجهات ، بالإضافة إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي ، فيما يخص التمثيل الجهوي والقطاعي لمختلف الحساسيات المهنية والاقتصادية والاجتماعية .
كما أن انتخابات نزيهة وشفافة ، كفيلة بالإضافة إلى الأحادية البرلمانية ، بضمان فعالية وسرعة أكثر في المجالات التشريعية والرقابية ، وهذا ما يحتاجه بلد نام مثل المغرب في الظروف الراهنة .


[ الاتحاد البرلماني العربي - صفحة البداية ] [ البرلمان العربي - قائمة الأعداد ] [ العدد الحالي - صفحة المحتويات ] [ بريد الاتحـاد ]