الاتحاد البرلماني العربي

مجلــة البرلمــان العــربي
السنة الحادية والعشرون- العدد الحادي والثمانون :تشرين أول / أكتوبر 2001

شعار الاتحاد البرلماني العربي

جذوة الانتفاضة لن تخبو !! - بقلم : نور الدين بوشكوج، الأمين العام للاتحاد البرلماني العربي

قبل فترة قصيرة أطلَ علينا الثامن والعشرون من أيلول - سبتمبر من العام 2001 معلناً انقضاء عام كامل من عمر الانتفاضة الباسلة لأهلنا الصامدين في فلسطين المحتلة ، ومدشناً بدء عامها الثاني .

سنة كاملة مرت أصبح فيه ذلك اليوم من شهر أيلول - سبتمبر - تاريخاً معمداً بالدم والجراح ، بالتصميم والعزم على المضي على طريق الكفاح دونما توقف أو تراجع حتى تتحقق الأهداف، وتتجسد على أرض الواقع الحقوق الوطنية المشروع للشعب العربي الفلسطيني : حقه في تقرير المصير والعودة وإقامة الدولة الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس على ترابه الوطني.

عام كامل انقضى والقبضات السمراء التي ارتفعت في وجه الاحتلال تقذف بالأحجار لم تهن ولم تضعف ، بل ازدادت ارتفاعاً ورسوخاً وصلابة ، واكتسبت خبرة ومراساً . وأصبح تحدي الاحتلال الصهيوني ، والتصدي لجنود الاحتلال المدججين بأحدث الأسلحة وأشدها فتكاً خبزاً يومياً لشعب مصمم على انتزاع حقوقه مهما غلت التضحيات .

الانتفاضة الباسلة مستمرة ومتواصلة . أصبحت رمزاً للكفاح الوطني العادل من أجل الحقوق والسيادة على نطاق العالم كله . انتزعت الاعتراف من العدو قبل الصديق ، أعادت للقضية المركزية زخمها وحضورها على الساحة الدولية ، وقفزت بها إلى مكان الصدارة من الأحداث .

الانتفاضة الباسلة التي تلهب الأرض تحت أقدام المحتلين لم تكن حدثاً عابراً ، ولا هبَة عفوية ، ولا رد فعل مؤقت . إنها تتويج لسلسلة طويلة من النضالات الوطنية التي شهدتها الأرض الفلسطينية منذ دنسها العدو الصهيوني باحتلاله البغيض قبل نصف قرن ونيف . إنها فعل واعٍ مدروس يجترحه شعب صمم على التمسك بأرضه ووطنه وهويته وانتمائه إلى أمته والدفاع عن جذوره وأصالته وتاريخه العريق الذي انغرز في الأرض وتجذَر فيها وتدفق عطاء وحضارة ورسالة سماوية منذ آلاف السنين .

نعم الانتفاضة الباسلة مستمرة ومتواصلة .

ولعلَ ما يميزها عن غيرها من أشكال الكفاح السابق … الاتساع والشمولية والعمق . فقد عمت الانتفاضة كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وامتدت إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948 ، وتشارك فيها جميع فئات الشعب العربي الفلسطيني : رجالاً ونساءً وأطفالاً . ولهذا ، كانت ، وما تزال ، تعبيراً أصيلاً عن الوحدة الفولاذية لهذا الشعب في مواجهة الاحتلال . وهذه الوحدة وصلابتها وتواصلها هي شرط أساسي من شروط الانتصار على العدو . وما يظهر بين الفينة والفينة من تباينات إنما هو تباين على الأسلوب الأفضل في مقارعة الاحتلال والتصدي له .

لقد أكدت الانتفاضة الباسلة من خلال تواصلها وتصاعدها جملة من الحقائق ، في مقدمتها :
- استحالة التعايش مع الاحتلال الصهيوني الذي يرمي من خلال سياسته القائمة على الإرهاب والقمع والاستيطان والقتل وتدمير البنى التحتية واغتيال النشطاء إلى إخضاع الشعب العربي الفلسطيني وإلغاء هويته وكيانه وانتمائه .
- إصرار الشعب العربي الفلسطيني على انتزاع حقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف .
- افتضاح الطبيعة العنصرية الفظة للكيان الصهيوني التي تمثل أبشع مظاهر النازية في القرن الحادي والعشرين .
- إفشال جميع المحاولات والمخططات الرامية إلى احتواء الانتفاضة أو الالتفاف عليها .
- التأكيد مجدداً أن القضية الفلسطينية وحقوق شعب فلسطين العربي كانت وما تزال وستبقى القضية المركزية للأمة العربية في أقطارها كافة، وأيَاً تكون الخلافات والاختلافات بين العرب ، فإنهم سيجدون دائماً في القضية الفلسطينية محوراً يتوحدون حوله ويستمدون منه القدرة على تجاوز المحن وأسباب الفرقة.

يرتبط دخول الانتفاضة الباسلة عامها الثاني بأحداث بالغة الأهمية فلسطينياً وعربياً ودولياً .

فلسطينياً - يتصاعد ويتنوع الكفاح الوطني لأهلنا في فلسطين المحتلة وتتواتر وتتكاثف هجمات شباب الانتفاضة على المواقع والمستوطنات الإسرائيلية مما أدى إلى ارتفاع عدد القتلى والجرحى في صفوف القوات الإسرائيلية وفي صفوف المستوطنين . وبالرغم من استخدام العدو كل آلته القمعية وأشد الأسلحة فتكاً من طيارات ودبابات ومروحيات وأسلحة وذخيرة محرمة دولياً ، إلا أنه عجز تماماً عن قهر الإرادة الفولاذية لشعب صمم على القتال والصمود حتى النصر .

كل هذا يؤكد أن جذوة الانتفاضة لم تخبُ ، ولن تخبو … وستبقى متقدة حتى دحر الاحتلال .

عربياً - تشكل الانتفاضة البقعة المضيئة الوحيدة - ربما - في الأجواء العربية القاتمة .. وورقة بالغة الأهمية بأيدي السلطة الوطنية الفلسطينية والدول العربية للوصول إلى تسوية شاملة وعادلة للصراع في الشرق الأوسط تقوم على تطبيق قرارات الشرعية الدولية 242 و 338 و 425 وانسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة ومن الجولان السوري حتى حدود الرابع من حزيران 1967 ، ومن مزارع شبعا اللبنانية ، والاعتراف بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب العربي الفلسطيني ( العودة ، وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس ). ويدرك العدو الصهيوني أهمية ما تمنحه الانتفاضة من قوة للموقفين الفلسطيني والعربي ، ولذلك ليس مستغرباً أن يكون مطلبه الأساسي وقف الانتفاضة كشرط لاستئناف المفاوضات .

دولياً - تواجه القضية الفلسطينية، والانتفاضة أحد تجلياتها الأكثر دلالة وتعبيراً ، مرحلة جديدة في عالم اليوم الذي يتميز بهيمنة أمريكية لا جدال فيها على مقدرات العالم . وتتضح مع مرور الوقت معالم النظام الجديد الذي سيسود العالم لفترة غير قصيرة .

ومما لا شك فيه أن موقف شعوب العالم، ومنها شعبنا العربي، من النظام الجديد يتوقف على مصداقية هذا النظام في التعامل مع قضايا هذه الشعوب . وحتى الآن تشير كل الدلائل إلى تعاطي هذا النظام والقائمين عليه مع قضايانا العربية تعاطياً غير موضوعي يتميز باستخدام المعايير المزدوجة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية، وعندما يكون الموقف المطلوب موجهاً ضد إسرائيل.

والأدلة على ذلك كثيرة أقلّها و آخرها رفض إدانة المجازر التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، ورفض توفير حماية دولية للمواطنين الفلسطينيين من بطش جنود الاحتلال ووحشيتهم.

لقد احتلت القضية الفلسطينية دائماً مركز الصدارة في نشاط الاتحاد البرلماني العربي . ومنذ اندلاع الانتفاضة قبل عام أكد الاتحاد دعمه المطلق لها ووقوفه إلى جانبها واستخدم جميع الإمكانات المتاحة له، عربياً وإقليمياً ودولياً ، لمناصرتها وتوفير المساندة لها.

واليوم وفي الذكرى السنوية الأولى لاندلاع الانتفاضة الباسلة فإننا ننحني خشوعاً وإجلالاً لشهداء الانتفاضة الذين عبدوا بدمائهم وتضحياتهم طريق الكفاح ، ونوجه تحية إكبار وإجلال لأبطال الحجارة ونشطاء الانتفاضة الميامين الذين يواصلون النضال في أقسى الظروف ، ونعلن تضامننا معهم، مؤكدين عهدنا بأن يظل العمل لنصرة القضية الفلسطينية المهمة الأولى في نشاطنا، وأننا لن ندخر وسعاً أوجهداً في سبيل توفير كل مقومات الصمود لكي تبقى جذوة الانتفاضة متقدة حتى تحقيق أهدافها، وما ذلك على الله بعزيز.

المجد والخلود لشهداء الانتفاضة الباسلة.

والنصر المؤزر لكفاح الشعب العربي الفلسطيني وقضيته العادلة.

.
المحتــــوى
البرلمان العربي: نشرة فصلية تصدرها الأمانة العامة للاتحاد البرلماني العربي
المدير المسؤول ورئيس التحرير: نور الدين بوشكوج، الأمين العام للاتحاد البرلماني العربي
مساعد رئيس التحرير: أحمد مكيّس، مدير العلاقات البرلمانية
الإدارة :دمشق ـ سورية، ص. ب. 4130
هاتف : 6130042، 6130043
فاكس : 6130224
تلكس : 412046

[ الاتحاد البرلماني العربي - صفحة البداية ] [ البرلمان العربي - قائمة الأعداد ] [ منشورات الاتحـاد ] [ بريد الاتحـاد ]