الاتحاد البرلماني العربي

مجلــة البرلمــان العــربي
السنة الحادية والعشرون- العدد الحادي والثمانون: تشرين أول/أكتوبر 2001

شعار الاتحاد البرلماني العربي
الاتحاد البرلماني العربي

وجهة نظـر
في الديبلوماسية البرلمانية

إعداد :
النائب السيد صلاح الدين بوجاه
عضو لجنة التربية والثقافة والإعلام والشباب في مجلس النواب التونسي
.

في الديبلوماسية البرلمانية [ 1 ]

من المفاهيم الشائعة اليوم مفهوم " الديبلوماسية البرلمانية " . وليس هذا المفهوم بالمصطلح الجديد ، وإنما هو قديم قدم البرلمانات في العالم ، إذ نشأ ليوازي " الديبلوماسية الحكومية " ... أو قل " الديبلوماسية " على وجه العموم والإطلاق .
إنه يوازيها ويختلف عنها في آن ! أو فلنجزم بأنهما يسيران في خطين متوازيين يلتقيان ، على عكس القاعدة الهندسية الشائعة !

ويقوم المصطلح بالأساس على اعتبار المجالس البرلمانية في العالم فضاء ملائماً للحوار وتبادل المشورة والرأي ، يستقبل نواب الدول الأخرى ويشرف على تنظيم الندوات والملتقيات ... ضمن أطر البرلمان الدولي بمختلف شعبه وفروعه ، أو ضمن المجموعات البرلمانية الإقليمية .. نظير المجموعة العربية ، والمجموعة الافريقية .

ويعنينا أن نؤكد ههنا أن مثل هذا الجهد النيابي الدولي مافتئ يزداد أهمية بعد انتشار ظاهرة العولمة ، وما يحف بها من استفهامات سياسية واقتصادية وثقافية تقتضي من الإنسانية المزيد من التأمل والنظر .

ولاشك أن البرنامج المستقبلي لسيادة الرئيس زين العابدين بن علي قد أكد ضرورة انخراط تونس في هذا الإيقاع العالمي الجديد الذي يلح على ضرورة المشاركة ... في أوسع مفاهيمها ، ضمن تصور جديد للإنسان ، إنسان الغد ومواطن العالم !

في هذا السياق نشير إلى أن تطور مفهوم المجتمع المدني يزيد الديبلوماسية البرلمانية حضوراً وآنية ، ويكسبها قيمة وجدوى ، بالإضافة إلى أن المسألة برمتها تُثار ضمن قضايا الديمقراطية والحداثة ، وحفظ حقوق الإنسان .

وإذا سلّمنا بأن التحولات الكبرى الحاصلة اليوم هي تحولات ثقافية بالأساس ... أيقنا أن الإسهام في الحوار المدني العالمي إسهام في توجيه هذه التحولات الوجهة الصحيحة التي تخدم الناخبين الذين حمّلوا النائب شرف ومسؤولية تمثيلهم .

لذلك ينتظر أن تكون الأجوبة ثقافية بالمعنى الحضاري العام ، أي اقتصادية سياسية أمنية شاملة !
ولقد دأب مجلس النواب في بلادنا على تنظيم اللقاءات البرلمانية داخل تونس ، وعلى الإسهام في الندوات الإقليمية والدولية بالخارج، حتى أصبحت المسألة بمثابة التقليد الراسخ بالنسبة إلى النواب والموظفين على حد سواء ، خاصة بما استحدث من آليات عمل وهيكل اجتماعية وثقافية .. تجمع بين النواب في مختلف البلدان ... ضمن جمعيات صداقة تثير المسائل السياسية ، وتعمّق الحوار وتقترح الكثير من سبل المعالجة !

وقد كان لاختيارات سيادة الرئيس زين العابدين بن علي بالغ الأثر في توجيه أعمال نواب الشعب بحيث تكون موازية لجهود السلطة التنفيذية ... سواء في وزارة الخارجية أو غيرها من القطاعات والمجالات والاختصاصات .
ولاشك أن " الديبلوماسية البرلمانية " تتسم بالكثير من المرونة ، والقدرة على الاستباق ، مما يتيح لها التفاعل الإيجابي مع مختلف الأطراف العالمية في مستويات واختصاصات مختلفة ... ومن ثمة فهي ذات نجاعة وقدرة على الاستشراف ... بحيث تسهم في تهيئة الملفات الكبرى لتيسّر للسلطة التنفيذية أن تقول كلمتها الأخيرة .

إن موقع تونس الجغرافي والسياسي قد مكّنها - خاصة بعد تحول السابع من نوفمبر - من النهوض بدور ريادي في باب حوار الحضارات ، ودعم السلم العالمية وتأكيد قيم التسامح والتضامن والحرية !

ولاشك أن هذه المسائل قد وردت جليّة في البرنامج الانتخابي للرئيس زين العابدين بن علي الذي أكد حضور تونس في الفضاء الإعلامي المعولم ، واقتضى أن تظل بلادنا عاملة على إحياء ودعم قيم الحرية والتسامح في الداخل والخارج .

ضمن المحور الاقتصادي يمكن أن تنهض الديبلوماسية البرلمانية بدور الرائد الذي يستشرف الفرص التجارية والصناعية والفلاحية الممكنة في هذه القرية الكونية والتي من شأنها أن تعزز تطورنا الاقتصادي ، فتكون مثل هذه اللقاءات الأولية فاتحة تهيئ المناخ لرجال الأعمال وللإدارة ولجميع هياكل التدخل الاقتصادي كي تنجز شراكة مجدية ضمن مناخ ملائم . والأمثلة كثيرة في هذا السياق سواء ضمن العلاقة بالاتحاد الأوروبي أو في الأسواق الجديدة نسبياً كأمريكا الجنوبية واليابان . أما المحور الاجتماعي فيمكن للديبلوماسية البرلمانية أيضاً أن تقوم فيه بدور المنشط الفعلي خاصة أن انتشار اقتصادي السوق في العالم قد أثار أسئلة اجتماعية كبرى وفي إمكان بلادنا أن تسهم في الجدل القائم على وجوب المحافظة على إنسانية الإنسان ، ورعاية حقوقه وضمان أمنه .

وفي المحور السياسي يمكن للنائب أن يكون حاملاً لرسالة هي رسالة تونس ، تونس العهد الجديد بقيمها وثوابتها المستندة إلى تاريخها الإصلاحي الطويل ونضالها الوطني وتوازنها واعتدالها ...
فالتضامن مثلاً يمثّل قيمة إنسانية كبرى ويمكن أن يكون حافزاً على المزيد من العمل الداخلي والخارجي وما دعوة الرئيس زين العابدين بن علي من أعلى منبر الأمم المتحدة للشعوب كي تولي هذه القيمة المزيد من العناية، إلا صرخة تستنهض ضمير البشرية لجعل الفضاء المعولم فضاء تضامنياً .

يتاح للنائب ههنا أن يشرح وجهة النظر التونسية ويعرض نماذج من تجربتنا الوطنية كي يمكّن المجتمعات المماثلة من شواهد حيّة تثبت نجاعة التوجه وإمكان النسج على منواله .

أما في المحور الثقافي فيمكن للديبلوماسية البرلمانية أن تعمل على إبراز مجمل القيم التي يؤمن بها مجتمعنا نتيجة المخاض الإصلاحي الذي شهده منذ قرون ، وبما يتماشى مع شخصيته ومقوماته العريقة . ويعنينا أن نلاحظ أن سمة التعددية الراهنة تيسّر لمجلسنا النيابي تقديم وجهات نظر تتسّم بالتنوع والاختلاف ويمكن أن تمثل إسهاماً في الجدل العالمي الذي هو في الأصل جدل ثقافي .

لهذا نلح على الدور الكبير الذي نُدعى جميعاً إلى النهوض به دعماً لمفهوم المجتمع الدولي الواحد وتكريساً لثقافة حقوق الإنسان وتشبّثاً بمفاهيم العدالة الاجتماعية والاقتصادية وإيماناً بوجوب التوزيع العادل لثمار العلم والتكنولوجيا ورغبة في مزيد من التعايش بين البشر والأفكار والأديان والعقائد .

وللإسهام في تطوير دبلوماسيتنا البرلمانية وتمكينها من أدوات عمل كفيلة بجعلها أكثر نجاعة وأقدر على الفعل إقليمياً ودولياً ، يمكن أن نقدم الاقتراحات الأولية التالية :
- ضرورة عقد حلقات عمل دورية بين أعضاء مجلس النواب والوزارات الفاعلة مثل وزارة الخارجية ، وزارة الثقافة ، وزارة التعاون الدولي ، وزارة السياحة وغيرها حتى يكون النائب على اطلاع شامل ومحيّن على جميع المستجدات في الشأن .
- ضرورة دعم إدارة مجلس النواب بالموارد البشرية وبإمكانات مادية ، من أجهزة تخزين معلوماتية ونشريات محيّنة وسواها .
- العمل على دعم تقاليد ديبلوماسية فعلية ، بحيث يتجاوز العمل النيابي في المجال الصبغة المناسباتية ليندرج في سياق حلقات متكاملة متواظفة .
- إمكان التفكير في بعث لجنة دائمة تُعنى بالديبلوماسية البرلمانية ضمن جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية .

إن جوهر الديمقراطية في العالم واحد ، والقيم التي تستند إليها إنسانية مشتركة ، أما الطريق إلى إرسائها ، وأسلوب التأسيس لها .. فعملية متشعبة يمكن للعمل النيابي أن يسهم فيها بقسط هام .
ولقد اتسم فكر العهد الجديد في هذا الباب بفسح مجال المشاركة للجميع ... إيماناً بالحق في الاختلاف ، وبوجوب حفظ حرية التعبير ، وحماية القدرة على إعلان المواقف والآراء .

ولاشك أن التحولات الداخلية والعالمية قد يسّرت للسلطة التنفيذية أن تعيد النظر في دورها ... دون التخلي عن خياراتها السياسية والاجتماعية الكبرى ذات البعد الاستراتيجي . ضمن هذا السياق ندرك قيمة وجدوى " الديبلوماسية البرلمانية " اليوم ، إذ يقع على عاتقها الاضطلاع بالإسهام في بلورة القيم الإنسانية المستحدثة في بلادنا وفي العالم .. خاصة أن تونس قد أضحت من العناصر الفاعلة في هذا " العالم البلدة " ... وقد أقبلت على أداء دور ناصع جديد ... هو من قبيل سالف ما أدت ضمن " العالم القديم " ... ساعة لم تقنع بدور الهامش ... إنما كانت المحور ... في أكثر من حقبة !

______________________________
[1] عن مجلة الحياة النيابية التونسية العدد 46 - تموز - يوليو - 2001 .


[ الاتحاد البرلماني العربي - صفحة البداية ] [ البرلمان العربي - قائمة الأعداد ] [ العدد الحالي - صفحة المحتويات ] [ بريد الاتحـاد ]