الاتحاد البرلماني العربي

مجلــة البرلمــان العــربي
السنة الثانية والعشرون - العدد الثاني والثمانون: كانون أول/ديسمبر 2001

شعار الاتحاد البرلماني العربي
الاتحاد البرلماني العربي

ملامح تطور التجربة الدستورية والنيابية في السودان

بقلم
إبراهيم محمد إبراهيم
الأمين العام للمجلس الوطني السوداني
.

ملامح تطور التجربة الدستورية والنيابية في السودان
بقلم
إبراهيم محمد إبراهيم
الأمين العام للمجلس الوطني السوداني

تمهيـــد
نحاول - هنا - أن نرصد ملامح وإشارات حول تطور التجربة الدستورية والنيابية في السودان ، والتي تفتقت بواكيرها عام 1882 م عندما آل الأمر إلى الإمام محمد أحمد المهدي وبسط سلطانه في سائر مديريات السودان وأخذ يتوجه إلى الناس وأفراد من مندوبيه بمنشورات وخطابات تتضمن الأصول والإرشادات الواجبة الاتباع في الإدارة والحكم والقضاء . وإذا كان القرآن الكريم هو المصدر الأول للتشريع ، وكانت السنة المطهرة هي المصدر الثاني منذ انتشار الإسلام ، فقد أضحت منشورات المهدي في حياته ، وبعض منشورات الخليفة من بعده هي المصدر الثالث ، وذلك فضلاً عن العرف بطبيعة الحال . فبينما كانت الشريعة تطبق على المديريات الشمالية ، كان العرف القبلي هو السائد في المديريات الجنوبية ، وسنصوب تركيزنا على التجربة المتميزة الراهنة لهذا الجهاز في اختصاصاته التشريعية والرقابية التي بدأت ببروز المجلس الوطني المنتخب في مفتتح أبريل ( نيسان ) 1996 م ، وصولاً إلى المجلس الحالي.

بدأت أطياف الممارسة النيابية في السودان عند تكوين مجلس الحاكم العام سنة 1910م في عهد الاستعمار ، والذي اقتصرت مهامه على دراسة القوانين واللوائح والأوامر التي يصدرها الحاكم العام ، وضمت عضويته أربعة أعضاء هم الحاكم العام رئيساً ، والسكرتير الإداري ، والسكرتير المالي ، والسكرتير القضائي . وقد هدف الاستعمار بهذا التكوين إلى تركيز السلطتين التشريعية والتنفيذية في يد حفنة من أبنائه ، مع عزل وإقصاء أبناء الوطن الأصليين ، لضمان استغلال موارد البلاد وتوظيفها على النحو الذي يتسق وسياسة الإمبراطورية البريطانية .

شهد يوم 16 مارس ( آذار ) 1943 م ، قيام المجلس الاستشاري لشمال السودان ، بناء على توصية من لجنة شكلها الحاكم العام من أربعة بريطانيين ، وأصدر بموجب ذلك تشريعاً يفصل قانون المجلس الذي اشتمل تكوينه على المديريات الشمالية ويرأسه الحاكم العام ، ويبلغ عدد أعضائه ثمانية وعشرون عضواً معيناً من قبل السلطة ، في تمثيل يضم زعماء العشائر ، ورجال الدين ، والوجهاء ، والأثرياء . وقد خلّف هذا التشكيل بتركيبته الجهوية والصفوية آثاراً سلبية عميقة ساهمت - لاحقاً - في خلخلة بنية المجتمع السوداني.

من مظاهر هذا المجلس أن رئيسه هو الذي يقدر الموضوعات التي يجوز إدراجها في جدول الأعمال ، وينعقد المجلس سنوياً لثلاثة أو أربعة أيام ، ويجوز لرئيس المجلس فض الدورة متى رأى ذلك ، مع إحالة البنود المؤجلة إلى دورة قادمة . وقد واجه تشكيل المجلس بالصورة المشار إليها معارضة القوى الوطنية الحية . وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وفي خضم تداعياتها ، ووسط تسارع الأحداث ، واندلاع الكفاح المسلح ضد الاستعمار في العديد من دول العالم الثالث ، وتصاعد مد حركات التحرر ، عمد الحاكم العام إلى عقد مؤتمر لإدارة السودان يقوم بالبحث عن الوسائل العلمية لكيفية حكم وإدارة السودانيين لبلادهم . وكان الأمر ينطوي على مكيدة سعت إلى امتصاص الغضب العام لإقامة مؤسسة صورية جديدة . ولا يجد المرء صعوبة في نقد النظم والأشكال التي خلفها الاستعمار في السودان مثل مجلس الحاكم العام والمجالس الاستشارية والجمعية التشريعية كما لايجد كبير عناء في نقد الحكم الذاتي .

تجدر الإشارة إلى مؤتمر الخريجين الذي كان يضم الكثير من المتعلمين ، وأوائل الخريجين من السودانيين المنضوين تحت لواء الجمعيات الأدبية والسياسية التي عرفت بمناهضتها للاستعمار في تلك الحقبة . وقد أعلن تكوين هذا المؤتمر في 12 فبراير ( شباط ) 1938 بمدينة أم درمان ، حيث اجتمع أكثر من ( 1180 ) خريجاً ، جاءوا من أقاليم السودان كافة ، وتقدموا في 31 مارس ( آذار ) 1947 م إلى الحاكم العام بتقرير يتضمن التوصيات التالية:
1. وجوب تعديل قانون المجلس الاستشاري وتطويره بغرض إقامة جمعية تشريعية تؤلف من أعضاء منتخبين من أرجاء البلاد كافة ، يعهد إليها بصلاحيات تشريعية ومالية وإدارية تضطلع بها بالاشتراك مع مجلس تنفيذي يقوم مقام مجلس الحاكم العام .
2. وجوب اتجاه السودان صوب نظام برلماني ومجلس تنفيذي مسؤول أمامه على غرار النظام البريطاني .
3. وجوب أن توفر هذه الجمعية للسودان صوته الخاص ، وذلك بتكوين هيئة ذات ولاية في التقرير عن القطر بأسره . علماً بأن مؤتمر الخريجين قد قاطع إنشاء المجلس الاستشاري عام 1943 م ، رغم العرض المقدم له بتمثيله بمقعدين ، إلا أن المؤتمر ظل ينادي ويطالب بتقرير المصير .

كما تمخض مؤتمر جوبا الذي عقد بمدينة جوبا في جنوب السودان في الفترة 12 - 13 يونيو ( حزيران ) 1947 م عن رغبة أبناء الجنوب في الاتحاد مع الشمال ، مع ضرورة تمثيل الجنوب في الجمعية التشريعية المقترحة .

في 23 أكتوبر ( تشرين الأول ) 1947 ، وافقت الحكومة البريطانية على تلك التوصيات ، ومضت السلطات الاستعمارية في ذلك الحين إلى إصدار مشروعات القوانين التي أعدت لتنفيذ تلك التوصيات . رغم الاعتراضات التي أثيرت من قبل المؤتمر العام للخريجين والأحزاب الاتحادية .

الجمعية التشريعية ( 1948 م ـ 1952 م )
في 19 يونيو ( حزيران ) 1948 تألفت الجمعية التشريعية بمقتضى تشريع صدر من الحاكم العام بناء على اقتراحات تقدمت بها لجنة مؤتمر إدارة السودان التي انبثقت من المجلس الاستشاري ، وقد قامت مظاهرة شعبية عاصفة بمدينة أم درمان يوم انعقاد الجمعية نادت بسقوطها ونددت بالاستعمار ، وألقي القبض على كثير من المناضلين وقدموا للمحاكمة ، وصدرت الأحكام على بعضهم بالسجن وعلى البعض الآخر بالغرامة واندلعت المظاهرات في شتى بقاع السودان ، وسقط بعض الشهداء في مدينة عطبرة . وقد تكونت الجمعية التشريعية مـن ( 86 ) عضواً ، منهم ثلاثة عشر يمثلون مجالس المديريات الجنوبية ، وأربعة أعضاء من البريطانيين بحكم مناصبهم في المجلس التنفيذي . ويقوم الحاكم العام بتعيين عشرة أعضاء مراعياً تمثيل مصالح تلك الفئات التي أقرت بمبدأ قيام هذه الجمعية . وتلخصت اختصاصات الجمعية في التداول ، والنظر في مشروعات القوانين المقدمة من الجهاز التنفيذي ، وتكتمل شروط نفاذ المشروعات المقدمة إلى الجمعية برفعها إلى الحاكم العام للتصديق عليها . وفي حالة إقرار الجمعية لمشروع قانون يقترن بتعديلات لا تحظى بقبول المجلس التنفيذي يجوز للأخير سحب المشروع وإحالته إلى الحاكم العام ، وفي هذه الحالة تصبح الصيغة التي ارتضاها الحاكم العام قانوناً نافذاً في صورته الأصلية أو وفق التعديلات التي أجريت . وما برح الشعب يشجب أعمال الجمعية ، مطالباً باسترداد سيادته الكاملة ، خاصة أن كثيراً من الدول الأفريقية والآسيوية قد حصلت على استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية ، وسادت الأفكار التحررية في ذلك الحين . وقد أجازت الجمعية التشريعية قرار دولتي الحكم الثنائي (المصري والبريطاني) بمنح السودان الحكم الذاتي .

البرلمان الأول ( 1954 م ـ 1958 م )
في الفترة الواقعة ما بين 1954 و 1958 م ، أخذ الحكم الذاتي بنظام المجلسيـــن ( مجلس الشيوخ ، والنواب) إذ يتكون مجلس الشيوخ من خمسين عضواً يتم اختيارهم عبر الانتخابات أو التعيين ، ويقوم رئيس البلاد بتعيين خمسي الأعضاء ، ويتم انتخاب البقية بالاقتراع العام . وتتمثل شروط الأهلية في أن لا يقل عمر العضو عن أربعين سنة ، وأن يكون قد أكمل تعليمه الثانوي ، ومن ذوي الكفاية في الآداب والعلوم والفنون ، عوضاً عن الخبرة الطويلة في العمل الاجتماعي ، وإدارة شؤون الدولة . كما تستغرق دورة المجلس ثلاث سنوات من تاريخ انعقاده ، وهو غير قابل للحل ، وتعلق جلساته عند حل مجلس النواب . ويختص مجلس الشيوخ باتخاذ التدابير اللازمة شروعاً في تقرير مصير السودان السياسي ومن ثم إقرار قانون الجمعية التأسيسية .

أما مجلس النواب - في ذات الفترة - فيتكون من 95 عضواً يتم اختيارهم عبر الانتخاب المباشر ، وغير المباشر ، ودوائر الخريجين ، وتبلغ دورات انعقاده ثلاث سنوات ما لم يتم حله .

من أهم اختصاصاته إنهاء الفترة الانتقالية وإصدار قرار يعبر فيه عن رغبته في اتخاذ التدابير للشروع في تقرير مصير البلاد ، وإقرار قانون انتخابات الجمعية التأسيسية ، ووضع الدستور الدائم للبلاد ،إضافة إلى الحق الدستوري في الرقابة على السلطة التنفيذية ، والحق في سحب الثقة من الحكومة . ومن أنصع إنجازات هذا المجلس إعلانه للاستقلال من داخل البرلمان في التاسع عشر من ديسمبر 1955 م ، وكانت ممارسته البرلمانية مصدر إجلال واعتزاز للأمة السودانية. وقد حفلت هذه الفترة أيضاً باحترام التقاليد البرلمانية ،فعند مناقشة الميزانية في مرحلة القراءة الأولى ، صوت إلى جانبها 45 عضواً وعارضها 48 عضواً منهم ثلاثة من نواب الحكومة . وقد اعتبر رئيس الحكومة في ذلك الحين أن نتيجة الميزانية بمثابة سحب الثقة من الحكومة ، ودعا إلى اجتماع طارئ لمجلس الوزراء مبدياً الرأي في استقالة الحكومة في الحال ، لأن البرلمان قد صوت ضد الميزانية . ورغم محاولة الوزراء من القانونيين في إقناعه بإرجاء ذلك بعد مرحلتي القراءة الثانية والثالثة ، ولكن رئيس الحكومة تمسك بموقفه مراعاة للممارسة الديمقراطية وصوناً للأصول البرلمانية .

بعد أن نال السودان استقلاله في مطلع عام 1956 م ، استقر الرأي على أن يظل العمل سارياً بأمر أحكام الحكم الذاتي بعد إجراء بعض التعديلات عليه ، وحذف بعض النصوص ، وصدر الدستور المؤقت بالديباجة التالية : ( نحن أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب ، وفي جلسة مشتركة نقرر الموافقة على الأحكام المرافقة ونصدرها : دستوراً سودانياً مؤقتاً ، يرعاه الشعب السوداني ويطيعه إلى أن تصدر في الحين المرتقب أحكام أخرى ) .

المجلس المركزي ( 1962 ـ 1964 م )
عقب قيام النظام العسكري في 17 نوفمبر ( تشرين الثاني ) 1958 م ، أصدر مجلسه الأعلى قراراً بتشكيل لجنة التطوير الدستورية في 18 ديسمبر ( كانون الثاني ) 1961م. ومن مهام هذه اللجنة دراسة كيفية إدخال نظام الانتخاب النسبي في تشكيل المجالس المحلية ، وتقديم التوصيات لتكوين مجلس مركزي عبارة عن هيئة تشريعية يأتي بعض أعضائها عن طريق مجالس المديريات ، وتستكمل بقية العضوية بالتعيين .

في يناير ( كانون الثاني ) 1962 م قدمت اللجنة تقريرها بالتوصية لقيام المجلس المركزي على المستوى القومي ، وله سلطات تشريعية ، وتم إصدار قانون المجلس المركزي عام 1962م الذي يشكل مع رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة . ويتكون المجلس المركزي من ( 86 ) عضواً يتم اختيارهم كما يلي :
- وزراء الحكومة ، أعضاء بحكم مناصبهم وعددهم ( 14 ) .
- أعضاء منتخبون وعددهم ( 54 ) تقوم مجالس المديريات بانتخابهم ، ونشير هنا إلى أن كل مديرية يمثلها ستة أعضاء يعينهم وزير الحكومة المحلية ويعني ذلك أن معظم أعضاء المجلس جاءوا بالتعيين .
- أعضاء بالتعيين وعددهم ( 18 ) عضواً ( من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة ).
ينهض المجلس باختصاصات تشريعية تشمل إجازة مشروعات القوانين وإقرار الموازنة العامة للدولة ، و أخرى سياسية تختص بمهام الرقابة على السلطة التنفيذية ومناقشة الوزراء وتوجيه الأسئلة حول أعمال وزاراتهم .

الجمعية التأسيسية الأولى ( 1965 ـ 1968 م )
بعد انتفاضة الحادي والعشرين من أكتوبر ( تشرين الأول ) 1964 م ، التي ألهب جذوتها طلاب جامعة الخرطوم بمشاركة شعبية . وصاحب زوال الحكم العسكري حماس، وزخم جماهيري رافق عودة الديمقراطية ، وعجت الساحة السياسية بالأحزاب المتعددة . وبعد صدور الدستور المؤقت لعام 1964 م ، نص الدستور على نيل العضوية بالانتخاب واستبعاد نظام التعيين ، ونصت المادة 4 من قانون انتخابات الجمعية التأسيسية لعام 1965 م على تكوين الجمعية من فئتين تمثلان الدوائر الإقليمية، ودوائر الخريجين .

بلغ عدد الدوائر (218 ) دائرة ، خصص القانون منها ( 158 ) دائرة للمديريات الشمالية و ( 60 ) دائرة للمديريات الجنوبية ، وتم إجراء الانتخابات على مرحلتين :
المرحلة الأولى ـ المديريات الشمالية ـ أبريل ( نيسان ) 1965 م .
المرحلة الثانية ـ المديريات الجنوبية ـ أبريل ( نيسان ) 1967 م ( وذلك بسبب الأوضاع الأمنية بالجنوب ) .
كما حدد القانون ( 15 ) دائرة للخريجين .

كان الهدف الجوهري لقيام الجمعية وضع دستور دائم للبلاد ، وإقراره ، والقيام بمهمة التشريع ،على أن تتكون الهيئة التشريعية من مجلس السيادة والجمعية التأسيسية ، كما تختص الجمعية باختيار أعضاء مجلس السيادة ، ورئيس الوزراء ، فضلاً عن الرقابة على أداء السلطة التنفيذية . وشهدت تلك الفترة حمى الخلافات الدستورية وكان خلو دستور 1964 م من النصوص التي تبين كيفية تعديله قد أفسح المجال لأحزاب الحكومة اعتبار أن الدستور مرن فأقدمت الجمعية التأسيسية على تعديله مما أفقده ثباته واحترامه وقدسيته . وبموجب أحد هذه التعديلات أسقطت عضوية بعض أعضاء الجمعية التأسيسية ( من الحزب الشيوعي السوداني ) ، بعد صدور قانون حل الحزب الشيوعي السوداني لسنة 1965 م ، بناء على المادة 5 ( 2 ) التي تم تعديلها في دستور السودان المؤقت المعدل لسنة 1964 م ، والتي تقرأ:

لا يجوز لأي شخص أن يروج أو يسعى لترويج الشيوعية سواء أكانت محلية أو دولية أو يروج أو يسعى لترويج الإلحاد أو عدم الاعتقاد في الأديان السماوية …. الخ ). وقد لجأ بعض أعضاء هذا الحزب بدورهم إلى المحكمة العليا بوصفها حارساً للدستور ، فحكمت لصالحهم ، وأدى هذا الحكم إلى نشوب أزمة حادة بين السلطات الثلاث ، السلطة القضائية من جهة والسلطتين التشريعية والتنفيذية من جهة أخرى .

قامت الجمعية في 4 يناير ( كانون الثاني ) 1967 م بتشكيل لجنة قومية من ( 37 ) عضواً يمثلون ألوان الطيف السياسي المختلفة ، وكذا ( 15 ) عضواً من القانونيين للجنة الفنية، وشرعت اللجنة في وضع مسودة لمشروع الدستور ، وعرض على الجمعية ، وتم حلها قبل إجازة الدستور ، إذ عمدت قيادات الائتلاف الحاكم إلى حل الجمعية التأسيسية بعد الإيعاز لنوابها بتقديم استقالات جماعية فاستقال خمس أعضاء الجمعية ، وبذلك فقدت قدرتها وأهليتها لإجازة الدستور الدائم وهي المهمة الأساسية لانتخابها . وفي محاولة عملية لإسقاط مبدأ حل الجمعية التأسيسية زحف نواب المعارضة في صخب صبيحة اليوم التالي لحلها ، نحو مبنى البرلمان لاتخاذ قرار بالأغلبية لكنهم جوبهوا بقوات من الجيش والشرطة فتعذر عليهم بلوغ مراميهم. وعندما اجتمعوا خارج البرلمان في الهواء الطلق ، واتخذوا من القرارات ما يقضي بتدخل القوات المسلحة لحماية الدستور والنظام . وقد تزامنت الخلافات السياسية بالبلاد مع نكسة 5 يونيو ( حزيران ) 1967 م ، وشهد هذا العام انعقاد مؤتمر القمة العربي بالسودان الذي خرج بلاءات الخرطوم الشهيرة .

في مايو ( أيار ) 1968 م أجريت انتخابات جديدة للجمعية التأسيسية التي عقدت أول جلساتها في 27 مايو ( أيار ) 1968 م ، وقامت بتكوين لجنة قومية للدستور لمراجعة المشروع السابق ، وإجراء التعديلات المقترحة عليه توطئة لإجازته ولم تفرغ من مهمتها حتى قيام النظام العسكري في 25 مايو ( أيار ) 1969 م .

مجلس الشعب ( من الأول إلى الخامس ) 1972 ـ 1985 م
تكون مجلس الشعب القومي الأول بموجب القرار الجمهوري ( 104 ) عام 1972 م وتمثله عضوية بحكم المنصب ( الوزراء ) وعضوية بالانتخاب ( دوائر إقليمية وجماهيرية ) ، وعضوية بالتعيين .

أنشئ المجلس للاضطلاع بمهمة وضع الدستور وإقراره ، ولم تخول لهذا المجلس أي اختصاصات مالية أو سياسية أو تشريعية واضحة .

تركز الاختيار في مجلس القومي الثاني ( 1974 م ـ 1976 م ) على تمثيل المناطق الجغرافية ، والوحدات الإدارية، وتحالف قوى الشعب العاملة . ولرئيس الجمهورية الحق في تعيين عشرة أعضاء ،ويختار المجلس رئيسه من بين أعضائه. وقد منح دستور السودان لعام 1973 م المجلس الاختصاصات التي تتمتع بها الهيئات التشريعية في النظم البرلمانية الرئاسية ، وهي المهام التشريعية والرقابية والمالية وامتدت هذه الممارسة بذات التكوين والاختصاصات من المجلس الثاني ( 1974 م ـ 1976 م ) حتى المجلس الخامس ( 1983 م ـ 1985 م ) .

الجمعية التأسيسية الثانية ( 1985 م ـ 1989 م )
بعد انتفاضة أبريل ( رجب ) 1985 م ، وعند انقضاء الفترة الانتقالية وإجراء الانتخابات ، تكونت الجمعية التأسيسية من مجلس واحد مدته أربع سنوات ، وتختص بإجازة الدستور وإصدار القوانين والأوامر واللوائح التشريعية وإجازة مشروع الموازنة العامة ، والرقابة على الجهاز التنفيذي . وصدر في هذه الفترة الدستور الانتقالي .

المجلس الوطني الأول ( الانتقالي ) 1991 م ـ 1995 م
بعد قيام نظام الإنقاذ الوطني في 30 يونيو ( حزيران ) 1989 م تم تكوين المجلس الوطني الانتقالي ، وفقا للمرسوم الخامس 1991 م لملء الفراغ الدستوري . ويتولى المجلس مهام الشورى والتشريع والتخطيط والرقابة على أداء الجهاز التنفيذي إلى حين قيام انتخابات المجلس الوطني . وقد روعي في تكوين المجلس البالغة عضويتـــه (303) التمثيل الجغرافي والفئوي والاجتماعي ، إضافة إلى أعضاء مجلس قيادة الثورة ، عدا الرئيس . كما شملت عضويته الوزراء الاتحاديين ، ومستشاري مجلس قيادة الثورة ، وولاة الولايات ، ورؤساء اللجان الشعبية للإنقاذ بحكم مناصبهم . وقد اختص المجلس بالعمل على بناء النظام السياسي والسعي لتحقيق السلام ، وإقرار الاستراتيجية القومية الشاملة .

المجلس الوطني الثاني ( 1996 م ـ 1999 م )
صدر القرار الجمهوري رقم ( 81 ) بدعوة المجلس الوطني المنتخب للانعقاد في مستهل شهر أبريل ( نيسان ) 1996 م بعضوية بلغت ( 390 ) . وقد أقر المجلس في جلسته الأولى إجازة لائحة تنظيم أعماله .ونصت المادة 51 منها على تشكيل سبع عشرة لجنة من أعضاء المجلس ، وحددت اختصاصاتها ، وهي: - لجنة شؤون المجلس ، والقانون والعدل ، والأمن والدفاع ، والعلاقات الخارجية ، حقوق الإنسان والواجبات العامة ، العلاقات الاتحادية، السلام ، الشؤون الاقتصادية ، والشؤون الزراعية والحيوانية والمائية ، الصناعة ، الطاقة والثروة المعدنية ، النقل والاتصال والأراضي، العمل والإدارة العامة، الشؤون الاجتماعية ، التربية والتعليم والبحث العلمي ، الإعلام والثقافة ، ولجنة الحسبة العامة ، إضافة إلى الهيئة النيابية التي تضم خمس شعب تعنى بشؤون الأعضاء ،التعبئة والسياسة العامة ، التواصل مع المجالس الولائية ، وشعبة العلاقات بالمؤسسات الخارجية .

في النصف الثاني من عمر المجلس ، عند بداية دور الانعقاد الخامس أجرى المجلس الوطني تعديلاً على مستوى اللجان والشعب وقيادات المجلس حيث تم تعديل المادة 51 من لائحة تنظيم أعماله ، وذلك بدمج بعض اللجان والشعب على النحو التالي :
- دمج لجنتي الطاقة والثروة المعدنية ، والصناعة في لجنة واحدة تحت مسمى لجنة الصناعة والطاقة والتعدين .
- دمج لجنتي العمل والإدارة ، والحسبة العامة في لجنة واحدة هي لجنة العمل والإدارة والحسبة العامة .
- بينما انشطرت لجنة الشؤون الاجتماعية العامة إلى لجنتي الشؤون الاجتماعية العامة ، وتنمية المجتمع .
- بالنسبة للهيئة النيابية تم دمج شعبتي التعبئة السياسية العامة والتواصل مع المجالس الولائية في شعبة واحدة هي شعبة التواصل مع المجالس الولائية والتعبئة السياسية العامة.
على ضوء ذلك صدر القرار رقم (9) بتاريخ 9 يونيو ( حزيران ) 1998 م باختيار رؤساء هذه اللجان والشعب .
وجاء تشكيل المجلس بالانتخاب وفاء لنص المادة 27 من المرسوم الدستوري الثالث عشر لسنة 1995 م على النحو التالي :
‌أ. خمس وسبعون ومائتا مقعد في المجلس عن طريق الانتخاب المباشر في الدوائر الجغرافية بتمثيل عادل للسكان في البلاد.
‌ب. خمسة وعشرون ومائة مقعد بالانتخاب من المؤتمر الوطني وفق نظم النظام الأساسي وقواعده في التمثيل المتوازن لقوى الشعب وأنواعه وأقاليمه .
حددت مهام المجلس الوطني وفق نص المادة 33 من ذات المرسوم كما يلي :
1. إجازة الخطط والبرامج السياسية القومية المتعلقة بالدولة والمجتمع
2. إجازة المشروعات الدستورية وإجازة القوانين والمراسيم المؤقتة الاتحادية
3. إجازة الميزانية الاتحادية لدخول الدول ومصروفاتها
4. إجازة مشروعات قوانين التصديق على المعاهدات والاتفاقات الدولية
5. مراقبة الأداء التنفيذي
وفقاً للمهام المحددة مارس المجلس الوطني المنتخب دوره في التشريع والرقابة على أداء الجهاز التنفيذي بالتنسيق مع قيادة الجهاز التنفيذي . ولعل أوضح ما تم إنجازه خلال السنوات الأربع ما يلي :

في مجال التشريع أجيزت العديد من المراسيم المؤقتة ، ومراسيم بالتصديق والأوامر وقرارات المجلس ومشروعات القرارات أبرزها قانون الأمن الوطني ، وقانون القضاء الدستوري ، وقانون تشجيع الاستثمار … الخ .

واستكمالاً للثورة التشريعية التي انتظمت البلاد بعد تكوين المجلس المنتخب والذي أسهم بقدر فاعل في إنفاذ تشريعات الحكم الاتحادي والانتقال إلى المرحلة الدستورية ، قامت الدولة بتكوين لجنة قومية وفنية لإعداد مسودة الدستور. وبناء على دعوة من السيد رئيس الجمهورية عقد المجلس دورته الطارئة للنظر في مشروع الدستور الذي قدم للمجلس الوطني حيث أفرد المجلس أربع عشرة جلسة من بينها سبع جلسات في هيئة لجنة ، شارك فيها الخبراء ورجال القانون والسياسيون ذوي الاهتمام . وقد ابتكر المجلس آلية خاصة تمثلت في تقسيم عضويته إلى أربع هيئات فرعية ، وتناولت هذه الهيئات نصوص الدستور بالدراسة و التمحيص وتقدمت بالتعديلات التي رأتها و من ثم رفعت إلى هيئة عليا قامت بتصنيف المقترحات ورفعها إلى المجلس الذي أخضعها بدوره إلى تداول مستفيض سعياً للوصول إلى دستور للبلاد يؤطر للمرحلة القادمة في سائر مجالات العمل السياسي و الأمني و الاقتصادي و الاجتماعي. وفي نهاية جلساته أجيز مشروع الدستور بالإجماع بعد إدخال بعض التعديلات الجوهرية والصياغية على نصوصه , ومن ثم أرسل مشروع الدستور مشفوعاً بخطاب من المجلس إلى رئيس الجمهورية الذي وقع عليه . وفي جلسة احتفالية تم تسليم الدستور إلى رئيس هيئة الانتخابات لإجراء الاستفتاء عليه و اصبح الدستور بعدها نافذاً.

كما أجاز المجلس العديد من مشروعات القوانين التي تنظم العمل الدستوري ,مثل قانون المحكمة الدستورية , التوالي السياسي , الانتخابات , هيئة المظالم و الحسبة العامة…الخ.

قام المجلس بمبادرة منه بطرح مشروعات قانون الصحافة و المطبوعات لسنة 1996م تعديل لسنة 1999م و مشروع قسمة الموارد المالية لسنة 1999م.

أما في مجال الرقابة فقد استمع المجلس إلى العديد من بيانات الوزراء , و أثيرت الكثير من المسائل المستعجلة و الأسئلة المقدمة للوزراء . وتم الرد عليها ،و قامت اللجان بالرد على بيانات الوزراء و المسائل المحالة إليها مقترنة بتوصيات ومشاريع قراراتها .

و بقراءة متعجلة يتضح بجلاء تفرد هذا المجلس عن بقية المجالس و البرلمانات السابقة حيث ضم في عضويته عدداً من حملة المؤهلات العليا , و شكل العنصر النسائي نسبة مقدرة، كما اتسمت عضويته بتنوع التخصصات والخبرات مما أثرى عمل المجلس التشريعي والرقابي على مستوى لجانه . كما استن المجلس سنة لم تسبقه إليها أي من المجالس السابقة وذلك عبر إفراد جلسات عامة يشهدها بعض المواطنين و المهتمين بالموضوعات ذات الصلة والحساسية مثلما تم أبان مناقشة مسودة الدستور و اتفاقية الخرطوم للسلام .

إضافة إلى مشاركات المجلس الخارجية , والإقليمية و الدولية في الاتحاد البرلماني العربي و الاتحاد البرلماني الأفريقي و اتحاد البرلمانات و مجالس الدول الأعضاء في المؤتمر الإسلامي و الاتحاد البرلماني الدولي و المجلس البرلماني المشترك لدول ACP.EU

امتدت الدورات حتى الدورة الثامنة حيث قضى قرار السيد رئيس الجمهورية في الرابع من رمضان 1420 الموافق 12 ديسمبر (كانون الأول ) 1999م بانتهاء أمد المجلس الوطني.

المجلس الوطني الثالث (2001م - … )
جاء المجلس الوطني المنتخب (الراهن ) في ظل ظروف سياسية معقدة , إذ نادت بعض العناصر المعارضة بتأجيل الانتخابات الرئاسية و البرلمانية لإفساح المجال أمام مساعي الوفاق . إلا أن غياب المؤسسة التشريعية كان يمثل ثغرة كبيرة في مسيرة الحكم بالبلاد، الأمر الذي أدى إلى إصرار الحكومة على إجراء الانتخابات ليقوم مجلس تشريعي ينهض بدوره تشريعياً و رقابياً و استنهاضاً جماهيرياً .

بعد إعلان نتائج الانتخابات انطلقت أعمال المجلس الوطني الثالث المنتخب بقرار من السيد رئيس الجمهورية داعياً إياه للانعقاد في جلسات استثنائية وفقاً لما تنص عليه أحكام المادة 75 من دستور جمهورية السودان .ومن ثم كان الإعداد و الترتيب لاستقبال المجلس الوطني الذي بدأ بجلسات استثنائية في 5 فبراير(شباط) 2001م -18 فبراير (شباط)2001م. ويجدر هنا أن نشير إلى أن هذه الجلسات الاستثنائية قد واكبت حدثاً إفريقياً كبيراً هو انعقاد مؤتمر قادة ورؤساء تجمع دول الساحل والصحراء الذين شرفوا البلاد عند استهلال أعمال المجلس الوطني ، وكذلك شاركت وفود برلمانية عربية وإفريقية في جلسات المجلس .

وقد شهدت الدورة الأولى عملاً نيابياً كثيفاً ومرد ذلك لغياب الجهاز التشريعي لعام كامل صدرت خلاله جملة من المراسيم المؤقتة والتشريعات والتي عكف المجلس من خلال لجانه الدائمة على النظر فيها بغرض إجازتها أو تعديلها أو إلغائها .وقد أجاز المجلس خلال تلك الفترة ( 94 ) تشريعاً . وفي الجانب الرقابي استمع المجلس إلى ( 22 ) بياناً من الوزراء حول السياسات العامة لوزاراتهم ، إضافة إلى طلب بيانات والأسئلة والمسائل المستعجلة . وبلغت عضوية المجلس ( 349 ) عضواً .

كما تواصل عمل اللجان خلال عطلة المجلس الأخيرة . وقد طافت اللجان بالولايات ووقفت على أداء الجهاز التنفيذي ، واستمر المجلس في مشاركاته الخارجية .

في هذه الأيام يعد المجلس الوطني السوداني العدة لاستضافة المؤتمر العاشر للاتحاد البرلماني العربي والدورة الأربعين لمجلس الاتحاد اللذان سيعقدان بالخرطوم في فبرايــر ( شباط ) 2002 م، بمشيئة الله تعالى .

المصادر
1. موجز تاريخ السلطة التشريعية في السودان - الأستاذ هنري رياض - دار الثقافة - بيروت - 1967 م
2. انتخابات وبرلمانات السودان ( توثيق وتحليل ) - الأستاذ محمد محمد أحمد كرار - معهد البحوث والدراسات الاجتماعية - الخرطوم 1998 م
3. تطور الجهاز التشريعي في السودان ( بحث لنيل زمالة الأكاديمية ) - الأستاذ محمد إبراهيم أحمد حمزة ( الكندو ) 1993 م
4. في دهاليز السلطة - د. إسماعيل الحاج موسى - بيت الخرطوم للطباعة والنشر - 2000 م
5. قصر الحكم وصراع السلطة - الأستاذ محمد سعيد محمد الحسن - مطابع نصر دمشق - دون تاريخ .


[ الاتحاد البرلماني العربي - صفحة البداية ] [ البرلمان العربي - قائمة الأعداد ] [ العدد الحالي - صفحة المحتويات ] [ بريد الاتحـاد ]