كلمة العدد:
"الرؤية الأمريكية للقضية الفلسطينية
بين المنطق وازدواجية المعايير"
بقلم : نور الدين بوشكوج
الأمين العام للاتحاد
في أواخر حزيران - يونيو /2002 ألقى الرئيس الأمريكي جورج بوش خطاباً سياسياً هاماً ضمّنه الرؤية الأمريكية لتسوية الصراع في الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، وفق تسلسل ينطلق من المطالبة بتغيير القيادة الفلسطينية الحالية، بما فيها رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، وتدمير المنظمات الفلسطينية المقاتلة وتصفية بناها التحتية، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية بإشراف خارجي،وبناء ديمقراطية يرضى عنها الغرب، واعتماد اقتصاد السوق. وبعد توفر هذه الشروط وخلال ثلاث سنوات سيجري العمل على إقامة "دولة فلسطينية مؤقتة" - لا أحد يعرف حدودها وأبعادها وصلاحياتها - للتفاوض مع إسرائيل على الحدود والعاصمة ووضع اللاجئين والمستوطنات. كذلك تضمن الخطاب تهديدات مبطنة صيغت بلهجة تصعيدية لبعض البلدان العربية .
وقد أثار خطاب الرئيس بوش ردود أفعال وانتقادات محلية وإقليمية ودولية واسعة . فقد تجاهل الخطاب عناصر الصراع الأساسية في المنطقة، وخصوصاً الاحتلال الإسرائيلي للأراضي والمدن الفلسطينية -الذي هو السبب الأساسي لتفجر الأوضاع في المنطقة - كما تجاهل الحرب العدوانية الوحشية والفظائع التي ترتكبها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، متبنياً - وبالكامل - وجهة نظر رئيس وزراء إسرائيل شارون حول "المبررات الأمنية" لتلك الحرب الوحشية .
بالإضافة إلى ذلك فإن الخطاب يمثل خطوة متقدمة وخطيرة في مجال انحياز السياسة والمواقف الأمريكية إلى إسرائيل وتبرير عدوانيتها وحربها الوحشية ضد الشعب الفلسطيني وقيادته ومؤسساته، لأنه يشير بوضوح إلى ابتعاد الإدارة الأمريكية عن واجباتها والتزاماتها إزاء عملية السلام من جهة، ولأنه من جهة أخرى، يتضمن رؤية تتناقض مع قرارات مجلس الأمن الدولي وأسس مؤتمر مدريد، وتلغي الجهود الدولية المبذولة ودور الأمم المتحدة واللجنة الرباعية الدولية، وتتعمد تجاهل المبادرة العربية الأخيرة التي أقرتها قمة بيروت، والتي رحب بها العالم أجمع - ما عدا إسرائيل - باعتبارها أساساً واقعياً لتسوية دائمة وشاملة للصراع في المنطقة.
وفضلاً عن كل ما تقدم فإن الشروط الأمريكية المسبقة التي تضمنها خطاب الرئيس يوش لقيام دولة فلسطينية "مؤقتة" بالإضافة إلى مجافاتها للمنطق والعدل وتعارضها مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، فإنها أيضاً شروط تعجيزية مستحيلة التنفيذ في ظل الواقع العسكري العياني داخل المدن والبلدات الفلسطينية التي أعادت إسرائيل احتلالها بالكامل. وإذا كانت هذه الرؤية مرفوضة من جانبنا فلأنها فوق ذلك كله تمثل، قلباً وقالباً، قضية داخلية تخص الشعب الفلسطيني وحده، ولأنه ليس من الديمقراطية في شيء أن تفرض جهات خارجية - تعلن ليل نهار أنها مع إشاعة الديمقراطية وترسيخها - على الشعب الفلسطيني أي تغيير وأن تتدخل في شأن داخلي خاص وحساس جداً كانتخاب قائد ورئيس له … أم أن المعايير تختلف عندما يتعلق الأمر بشأن عربي وفلسطيني على وجه الخصوص !!
نـور الدين بوشـكوج
الأمين العام
للاتحاد البرلماني العربي