مجلــة البرلمــان العــربي | ![]() |
| معلومات برلمانية عربية تاريخ الحياة البرلمانية في البلدان العربية تمهيد 1-2 خصائص عملية تكوين الوعي الاجتماعي والثقافة السياسية في سورية المعاصرة أ .المراحل الأولية لنشوء الثقافة السياسية والحقوقية في المجتمع السوري ب . قضايا تكوين المجتمع المدني في سورية بعد إحراز الاستقلال ج . الحركة التصحيحية وإقامة المؤسسات السياسية في سورية السلطة التمثيلية في سورية : مراحل التطور الأساسية أ .التجربة الأولى للنظام البرلماني ضمن أطر الإمبراطورية العثمانية ب . دور السلطة التمثيلية في النضال من أجل استقلال سورية ج . تطورات السلطة التمثيلية في سورية المستقلة د . السلطة التمثيلية في منظومة المؤسسات السياسية في سورية بعد انتصار الحركة التصحيحية مراجع البحث تمهيد تتابع « البرلمان العربي » في هذا العدد سلسلة المقالات الهادفة إلى التعريف بتاريخ الحياة البرلمانية في البلدان العربي . وتقدم فيما يلي دراسة عن البرلمان السوري . البرلمان السوري في تطوره التاريخي 1919-2001 بقلم : د. شاكر اسعيِّد رئيس لجنة العلاقات العربية والخارجية في مجلس الشعب السوري . أصدر د. شاكر اسعيد ، رئيس لجنة العلاقات العربية والخارجية في مجلس الشعب السوري الشقيق ، كتاباً هاماً حول البرلمان السوري منذ نشوئه في عام 1919 وحتى بداية الألفية الثالثة في عام 2001 . ويشكل الكتاب دراسة تاريخية موثقة حول تطور الحياة البرلمانية في الجمهورية العربية السورية منذ بداياتها الأولى وحتى الآن . وهو أطروحة تقدم بها الدكتور اسعيد لنيل شهادة الدكتوراه من الأكاديمية الدبلوماسية التابعة لوزارة الخارجية في جمهورية روسيا الاتحادية . ويشكل هذا الكتاب إضافة جادة لتأريخ وتوثيق الحياة البرلمانية في القطر الشقيق، كما أنه يسد ثغرة كبيرة في ميدان دراسة التطورات البرلمانية التي عرفتها سورية الشقيقة ، ومرجعاً غنياً للباحثين في هذا المجال . ويسر « البرلمان العربي » أن تنشر فيما يلي الفصل الثاني من هذا السفر الهام الذي يحمل العنوان التالي : في الجمهورية العربية السورية » | . | معلومات برلمانية عربية الفصل الثاني نشـوء وتطـور السـلطة التمثيليـة في الجمهورية العربية السورية 2-1 خصائص عملية تكوين الوعي الاجتماعي والثقافة السياسية في سورية المعاصرة كان العرب على العموم والسوريون بوجه خاص يعتبرون أنفسهم على الدوام أحفاد وورثة الحضارات العظيمة في الشرق الأوسط وهذا ما يعفيهم دون أدنى شك من الشعور بمركب النقص أمام الأوربيين الأجانب ولقد ساعدت هذه البنية على نشوء وترعرع شخصيات بارزة ومفكرين ورجال دولة وإصلاحيين عظماء .
أ. المراحل الأولية لنشوء الثقافة السياسية والحقوقية في المجتمع السوري: يتميز التطور الاجتماعي السياسي المعاصر لسورية ، شأنها شأن الكثير من البلدان الأخرى في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ، بثنائية معينة واستقطاب المجتمع نتيجة للبنية الاجتماعية الاقتصادية المعقدة : تعدد الأنماط في القاعدة الاقتصادية المتميزة بوجود الإنتاج الصناعي المعاصر إلى جانب الاقتصاد العيني، والتمايز الشديد بين السكان من حيث مستوى الدخول ونوعية المعيشة ، والتفاوت في تطور مختلف المناطق وإلخ .إن العمليات السياسية في سورية الحديثة تتطور إلى درجة كبيرة تحت تأثير التنظيم التقليدي المتميز للمجتمع ، الأمر الذي يتجلى في تشابك البنى الطبقية المعاصرة مع تلك المؤسسات التقليدية مثل " الأسرة الكبيرة والعشيرة والقبيلة والمذهب ". وكل ذلك يخلق تناقضات حادة بين الميل نحو تكوين مجتمع مدني وجمود عدد كبير من القوالب الاجتماعية التي تعرقل أية محاولات للتجديد لأنها ترى فيها خطراً على الأصالة القومية والدينية . ومارست تأثيراً ضخماً على التطور الاجتماعي والسياسي لسورية السيطرة العثمانية التشريعية امتدت لأربع مائة عام تقريباً وكذلك الانتداب الفرنسي الذي استمر خمسة وعشرين عاماً مما شوه جميع أسس المجتمع السوري . والى هذا بالذات إنما يعزى بحث سورية على مدى أربعة قرون تقريباً عن وجهها الحقيقي ونظام دولتها السياسي بما يتجاوب على أفضل نحو مع ظروفها الاجتماعية ومزاياها وحاجاتها . وجاءت الحركة التصحيحية عام 1970 لتصل بأعمال البحث هذه إلى نهايتها وتقدم جواباً نهائياً على تحدي الزمن وتحقق آمال الشعب السوري في واقع الحياة . من المتعارف عليه أن نقطة الانطلاق للتطور السياسي الحديث في سورية هي تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين عندما ابتدأت عملية التغيير في المجتمع العربي التقليدي والتي أسفرت عن نشوء أولى المؤسسات السياسية العصرية وتطورت إلى نظام الدولة الحالي فيما بعد. واتسمت هذه الفترة من تطور الإمبراطورية العثمانية ، التي كانت سورية داخلة في قوامها ، ببدء الإصلاحات الاجتماعية السياسية التي انعكست بهذا النحو أو ذلك على الوضع في شتى أرجاء الدولة الضخمة التي ابتدأت فيها إنجازات التقدم التقني مثل البريد والتلغراف والسكك لحديدية والمطابع . وأرست آنذاك أيضاً أسس الخدمة في نظام الدولة . وإن انتشار العلم والتعليم ، ونشوء تقسيم اجتماعي جديد للعمل في المجتمع السوري ، مهدا التربة لنشوء مجموعات مهنية جديدة كالأطباء والمعلمين والصحفيين والتجار والصناعيين . وجرت بالتدريج عملية التكوين الاجتماعي للأجيال السورية الناشئة مع تغيير تصوراتها عن المشاركة السياسية وغيرها من عناصر الثقافة السياسية . ونشأت في سورية بالتدريج نخبة جديدة كانت قليلة العدد في بدايتها تمثلت أفكار التنوير والديمقراطية . وكان ممثلو هذه النخبة الذين تلقوا تعليمهم في أوربا الغربية بالدرجة الأولى ينظرون نظرة واسعة إلى العالم ويتقبلون بشكل جديد كل ما يجري في داخل البلاد وخارجها . وهم بالذات الذين أصبحوا حملة الثقافة السياسية الجديدة المهتمة بقيم المجتمع الغربي وقيم المجتمع الإسلامي التقليدي . واستوعب المثقفون السوريون الكثير من النظريات والأفكار التي وضعت في الغرب ومنها أفكار الدستورية والبرلمانية والحرية والعدالة والقومية وغيرها . ورأت غالبية السوريين في الدستور والبرلمان أداة سياسية قادرة على تحويل المجتمع الشرقي للسير على طريق التقدم . ومع ذلك ففي نهاية القرن التاسع عشر عانى المثقفون السوريون ، شأنهم شأن المثقفين في البلدان العربية الأخرى وبالدرجة الأولى في مصر ، من ثنائية شديدة في تقويم الثقافات الأوربية والقومية . يضاف إلى ذلك ذلك البون الشاسع بين المثقفين الطليعيين وغالبية الشعب . ومارست تعددية الأديان والمذاهب تأثيراً معيناً على تكوين الوعي الاجتماعي في سورية وفي المجتمع السوري الذي لعب دوراً ملحوظاً فيه منذ القدم بعض السوريون المرتبطون ارتباطاً وثيقاً بالتقاليد الثقافية الأوربية الغربية وكذلك الهجرة من سورية ولبنان إلى بلدان الغرب ، بما في ذلك إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأمريكا الجنوبية ، التي اكتسبت في مطلع القرن العشرين طابعاً جماهيرياً وكانت عبارة عن تيار متدفق ومتسع على الدوام من الناس والأشياء وحتى الأفكار التي ربطت سورية بالعالم الخارجي . وتخلصت هذه المنطقة في الإمبراطورية العثمانية من عزلتها الثقافية والسياسية السابقة وهذا ما أسهم به إلى درجة معينة تغلغل الرأسمال الأوربي وخاصة في لبنان . وفي سورية ، التي كانت مواقع العثمانيين قوية فيها بما فيه الكفاية، وكذلك تحت تأثير / جمال الدين الأفغاني / وغيره من المفكرين الإسلاميين، ابتدأت بالانتشار الأفكار القومية وانطرحت مسألة الأصالة القومية لسكان الولاية السورية في الدولة العثمانية . ولوحظ كذلك نشوء جمعيات سرية ساهم فيها ممثلو المثقفين المحليين وكان بينهم شخصيات بارزة مثل /إبراهيم اليازجي/و/ فارس نمر/ وغيرهما من الذين دعوا إلى استقلال سورية ولبنان وتقدموا بمطالب الاعتراف باللغة العربية لغة رسمية للدولة وإلغاء الرقابة وغيرها من القيود المفروضة على حرية الكلمة ووقفوا ضد استخدام القوات العسكرية المحلية خارج أراضي سورية ولبنان .
بعد الثورة التركية عام 1908 ازداد نشاط مجموعات السوريين واللبنانيين المنادين باستقلال سورية ولبنان تحت حماية فرنسا . ومثلاً دعا اللبناني شكري غانم ( 1861-1932 ) إلى تأسيس دولة مستقلة للبنان خارج الإمبراطورية العثمانية1 . أما السوري جورج سمني الذي كان مهاجراً إلى فرنسا فقد تقدم بفكرة إقامة دولة سورية ديمقراطية علمانية على شكل اتحاد بين مناطقها التي تتمتع كل منها بحكم ذاتي واسع على أساس قومي أو ديني . ورأى سمني أنه يمكن أن تنشأ بالتدريج على أساس هذه الدولة الاتحادية وحدة اجتماعية هي الأمة السورية المستندة إلى الثقافة المشتركة واللغة العربية ووحدة التقاليد والتراث الشرقي . وجرى تطوير هذه الفكرة في كتاب نشره سمني عام 1921 دعا فيه من جديد إلى إقامة جمهورية سورية اتحادية ديمقراطية تحت الحماية الفرنسية ودحض فيه بصورة حاسمة الفكرة الأساسية للقوميين العرب الذين اعتبروا السوريين قسماً من الأمة العربية وكتب يقـــول: " العرب ليسوا أمة والسوريون ليسوا عرباً2 » . مع بداية الحرب العالمية الأولى انقسم القوميون العرب إلى معسكرين إزاء الأطراف المتحاربة و وقفوا أمام خيارين: إما تأييد دول الائتلاف والوقوع تحت الاحتلال الإنكلوفرنسي، وإما المشاركة في الحرب إلى جانب تركيا لتحقيق المطالب القومية مستقبلاً ضمن أطر الإمبراطورية العثمانية.ووقف القوميون العرب بغالبيتهم إلى جانب إنكلترا و فرنسا ولم يكن هذا الموقف تحالفاً استراتيجياً وإنما تكتيكياً للخلاص من الاستعمار التركي ، ولم تكن هناك سوى مجموعة صغيرة نسبياً ولكنها قوية النفوذ3 أدركت بوضوح خطر الاحتلال الإنكلوفرنسي ففضلت تأييد تركيا تحت الشعار الإسلامي العام "الجهاد المقدس" ولكن سرعان ما تغلبت الأمزجة المعادية لتركيا في سورية. وأقام القوميون العرب اتصالات وثيقة مع الأمير فيصل و نصحوه بالوقوف إلى جانب إنكلترا ضد الأتراك و صاغوا شروط التعاون الانكلو عربي التي أرسيت في أساس ما يسمى ببروتوكول دمشق . وكان يجب على إنكلترا طبقاً لهذه الوثيقة الاعتراف بالدولة العربية و ضمان استقلالها ضمن "حدودها الطبيعية" والتي كان يقصد بها الأراضي الممتدة من خط العرض 37 والتي تشمل سورية و فلسطين و العراق و شبه الجزيرة العربية بكاملها ما عدا عدن . ومقابل ذلك وافق القوميون على توقيع اتحاد دفاعي بين بريطانيا والدولة العربية المقبلة و تقديم أفضليات اقتصادية إلى بريطانية لمدة 15عاماً4 . وعندما عرف الأتراك بهذه الاتصالات انهالوا بأعمال تنكيل قاسية على قادة الحركة القومية العربية وأعدموا بنتيجتها أبرز المثقفين العرب حيث أعدم حتى أواسط عام 1916 بموجب أحكام أصدرتها محاكم عسكرية تركية أكثر من 800 شخص من نشطاء حركة التحرر الوطني العربية5. وبالإضافة إلى التنكيل بواسطة المحاكم عمد الأتراك إلى ترحيل العرب المشكوك بولائهم للحكومة التركية و جرى نفي عشرات الآلاف من المثقفين العرب و رجال الدين إلى معسكرات اعتقال في الصحراء ماتوا فيها من الوجع والأمراض. و أسفرت أعمال التنكيل الجماهيرية عن تدمير عدد كبير من المنظمات القومية العربية بكاملها وتصفية قادتها الرئيسيين وتم بذلك إنزال ضربة قوية بحركة التحرر الوطني العربية. ترافقت الثورة العربية الكبرى عام 1916 وانهيار الإمبراطورية العثمانية بنهوض قوي للوعي القومي العربي و بدت واقعية تماماً آفاق إقامة دولة عربية ولكن خيبة أمل شديدة كانت بانتظار العرب بمن فيهم السوريون. فكما هو معروف حصلت فرنسا على انتداب بإدارة هذه المنطقة من الإمبراطورية العثمانية المنهارة و ذلك بقرار من مؤتمر سان ريمو عام 1920 . واستولت القوات الفرنسية على سورية ولبنان وخلعت الأمير فيصل و حلّت هيئات السلطة المحلية بعد أن طالب المؤتمر العربي الأول بإقامة دولة سورية يجلس الأمير فيصل على عرشها و تضم "سورية التاريخية" أي سورية و لبنان و كذلك فلسطين التي وقعت تحت الانتداب الإنكليزي . وبالنتيجة انقسمت سورية إلى دويلات صغيرة و جاء الاضطهاد الفرنسي ليحل محل الاضطهاد التركي .ولم تبد فرنسا أية رغبة في تحقيق أماني القوميين السوريين و هذا ما عزز الاتجاه المعادي للفرنسيين في الفكر القومي في سورية. كانت المهمة التي سعت السلطات الفرنسية لحلها في سورية متمثلة في التحديث المُوَجًّهِ من الأعلى الذي يرمي إلى تحقيق أهداف محددة تماماً وهي توفير الممهدات اللازمة لإشراك سورية في التقسيم الدولي للعمل بصفتها شبه مستعمرة .و هذا بالذات ما كانت تتوخاه إعادة التنظيم الحكومي و الحقوقي للمجتمع السوري .أما هدف السياسة الاقتصادية الفرنسية فكان يكمن في ربط سورية على أوثق نحو ممكن بمصالح فرنسا الاقتصادية . كانت سورية مكبلة حتى قبل مجيء المستعمرين الفرنسيين بشبكة من الاتفاقيات و أصبح يتوجب عليها تسديد مديونية الإمبراطورية العثمانية المنهارة. وتميزت فترة الانتداب الفرنسي بالتغلغل الشديد للرأسمال الفرنسي في الاقتصاد السوري و هذا ما شجعت عليه إلى حد كبير خطوات المستعمرين الهادفة إلى تكييف النظام التسليفي المالي المحلي مع حاجات فرنسا . ومارس تأثيراً سلبياً على وضع الفلاحين بالدرجة الأولى طرح عملة جديدة غير ثابتة في التداول واستبدال جميع الضرائب العينية التي كانت مفروضة أيام الأتراك بضرائب نقدية. ولكن سياسة المستعمرين الفرنسيين لم تسهم في تطوير الفروع الطليعية للإنتاج السوري بل حافظت على الأنماط التقليدية المتمثلة في الإنتاج الحرفي والمهني الذي يغلب فيه العمل اليدوي . إن الركود في التجارة وأزمة الصناعة المحلية ونظام الاستسلام وسريان مفعول الأحكام العسكرية لوقت طويل كل ذلك آثار استياء الشعب . وترافق تواجد المستعمرين الفرنسيين بتعسف كبير وقسوة متطرفة من جانبهم إزاء السكان المحليين الذين أبدوا مقاومة فعالة للمغتصبين الأجانب. واندلعت انتفاضات شعبية في مدن سورية وأريافها ترافقت باشتباكات دموية مع القوات الاستعمارية المسلحة . ففي آب 1920 ابتدأت ثورة جبل العرب وسبقتها ثورة جبال الساحل بقيادة الشيخ صالح العلي عام 1919، ومن ثم ثورة سكان جبل الزاوية بقيادة إبراهيم هنانو ، وثورة حسن الخراط ومحمد الأشمر في غوطة دمشق ، وثورة أحمد مريود . وتحولت انتفاضات السوريين المتفرقة ضد المحتلين الفرنسيين إلى حرب تحرير وطنية حقيقية ( 1925 – 1927 ) بالثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش شملت جميع الأراضي السورية وتمثلت شعاراتها العامة في إجلاء القوات الأجنبية من أراضي سورية واستعادة وحدة أراضي البلاد والاعتراف باستقلالها الوطني وتشكيل حكومة شعبية وإجراء انتخابات إلى الجمعية التأسيسية لوضع وإقرار دستور للبلاد . وإن الكراهية من السيطرة الفرنسية دفعت جميع شرائح المجتمع السوري للمشاركة في الحياة السياسية النشيطة . في عام 1925 توجه وجهاء دمشق ومشايخها إلى الحاكم الفرنسي / سارايلو / ببرنامج ينص على وحدة سورية في حدودها ما قبل الحرب واستقلالها وإجراء انتخابات إلى الجمعية التأسيسية ووضع الدستور وتطبيق النظام البرلماني وتقييد سلطة المستشارين الفرنسيين وتعيين شخصيات وطنية في المناصب الحكومية القيادية وإجراء المرافعات القضائية باللغة العربية وتطبيق الحريات الديمقراطية ونظام الحماية الجمركية وإلغاء المشاريع والمؤسسات الفرنسية بصورة جزئية ووضعها تحت إشراف الحكومة الوطنية وإعادة المعادل الذهبي للعملة السورية وإعادة وضع الأوقاف تحت إشراف رجال الدية6 . وانطوى على مطالب مماثلة برنامج حزب الشعب الذي كان حزباً للبرجوازية والإقطاعيين . وكان سلطان باشا الأطرش الذي ترأس عام 1925 ثورة جبل العرب ضد المستعمرين الفرنسيين صاغ على النحو التالي أهداف هذه الثورة : " الانتخاب الحر للجمعية التأسيسية لتضع دستور سورية بصورة مستقلة وتشكيل حكومة وطنية مسؤولة أمام البرلمان وتكوين جيش وطني7 » . ورغم حصار ثورة الشعب السوري إلا أنها أظهرت عقم السياسة الاستعمارية الفرنسية. واضطر الفرنسيون للجوء إلى المناورات السياسية والبدء بحوار مع القوميين وتقديم بعض التنازلات . وسمحت السلطات الاستعمارية عام 1927 بتشكيل حزب سياسي هو الكتلة الوطنية بدلاً من حزب الشعب الذي جرى حله . وفي نيسان عام 1928 جرت انتخابات الجمعية التأسيسية التي فازت فيها الكتلة الوطنية ، فأصبح محمد علي العابد أول رئيس للجمهورية . في أيار عام 1930 جرى تطبيق الدستور الذي نص على أن سورية جمهورية برلمانية . ولكن الانتداب بقي قائماً ، ورداً على ذلك جرت في الكثير من المدن السورية مظاهرات احتجاج صاخبة. وتمثل محور النضال اللاحق للشعب السوري في مطالب الحرية والاستقلال والديمقراطية. عملت الكتلة الوطنية للأحزاب البرجوازية الوطنية الإصلاحية التي نشأت في سورية عام 1928 على إحراز سيادة ووحدة سورية ضمن حدودها الجغرافية وعقد اتفاقية سورية – فرنسية تحدد التزامات الطرفين وإلغاء الإدارة المباشرة والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد وإعلان عفو عام عن السجناء السياسيين وتكوين جيش وطني وإطلاق الحريات العامة وإلغاء القوانين الاستثنائية وغير ذلك8 . وشكل موقفاً أكثر حزماً الجناح المتطرف للقوميين السوريين المتمثل في الحزب السوري القومي الذي تأسس عام 1932 وغير تسميته عام 1958 إلى الحزب القومي الاجتماعي . خلافاً لمصر والعراق لم تكن سورية تتمتع تحت الانتداب ولو باستقلال شكلي وبقيت البلاد بلا حــدود ســياسية رســمية . واضطرت الجمعية التأسيسية عام 1928 لرفض صيغة القسم القائلة: " أقسم بالله وبشرفي أن أكون مخلصاً لوطني " وذلك لأن مفهوم الوطن لم يكن واضحاً ولم تكن حدوده معروفة9 . وفقط في عام 1936 جرى إدخال اللاذقية وجبل العرب والجزيرة ضمن قوام الجمهورية السورية ( وبضعة أقاليم ذاتية الحكم فقط ) بينما بقي لبنان وفلسطين والأردن خارج حدودها علماً بأن فلسطين أخذت تتحول بالتدريج إلى " وطن قومي لليهود" . وكما أشرنا سابقاً شارك قسم كبير من المثقفين السوريين مشاركة نشيطة في الثورة العربية الكبرى أملأ منهم في أن التحرر من التبعية العثمانية سيتيح إقامة دولة سورية مستقلة. وبعد انهيار الإمبراطورية العثمانية نشأ جيل جديد من المثقفين السوريين ليحل محل أولئك الذين استشهدوا في سير الثورة العربية الكبرى . وإن هذا الجيل الجديد ، الذي تلقى الكثيرون من ممثليه تعليمهم في الغرب ، أبدى اهتماماً كبيراً بالثقافة الغربية وكان على معرفة بالحياة السياسية لبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية . وكان المثقفون السوريون ، شأنهم شأن المثقفين في البلدان العربية الأخرى ، مولعين بالأفكار الليبرالية ورأى هؤلاء المثقفون أن طريق النهوض ليس في الرجوع إلى الماضي وليس في التنكر له بل في الإصلاحات التدريجية الواسعة على أساس حديث في التعليم وفي تربية الفرد. واعتبروا العلم الحديث بمثابة أداة جبارة للتقدم الاجتماعي كما اعتبروا الهدف الرئيسي للتربية هو تنمية المشاعر الوطنية والأمزجة القومية التي كان الكواكبي وأمين الريحاني وغيرهما من دعاتها. ومع ذلك فإن نهاية العشرينات تميزت بأزمة فكرية نجمت عن أن المثقفين العرب الذين خابت آمالهم في الحرية والاستقلال أخذوا يفقدون ولعهم بأفكار الليبرالية الغربية . وانخرط المثقفون السوريون بنشاط في النضال من أجل استقلال بلادهم وشكلوا أساس حركة التحرر الوطني الآخذة بالاشتداد . ونشأ تياران أساسيان وسط القوميين السوريين راح أحدهما يعمل من أجل إحراز استقلال سورية وسيادتها الوطنية ضمن حدودها الجغرافية بينما عمل التيار الآخر على تحقيق وحدة تراب البلاد ولكن بصفتها قسماً من اتحاد الدول العربية المستقلة . وفي الثلاثينات أخذ القوميون السوريون يميلون أكثر فأكثر نحو شعارات ورموز القومية العربية التي أرست في سورية بالذات أسسها النظرية . وللمرة الأولى جرى في سورية بالذات أيضاً تسجيل أفكار القومية العربية في برنامج الأحزاب السياسية . ولقد تأسست هنا منذ عام 1935 عصبة العمل القومي كما تأسس في الوقت ذاته تقريباً الحزب العربي القومي اللذان جسدا أهدافهما في إحراز الاستقلال الوطني والوحدة العربية وإحياء التراث الثقافي العربي وإقامة دولة دنيوية وتنفيذ إصلاحات اجتماعية.
أخذت الماركسية ولا سيما بتأويلاتها الغربية الإصلاحية تسترعي الاهتمام في البلدان العربية وبصورة خاصة في سورية كما ابتدأ الاهتمام بالتجربة السوفيتية لبناء مجتمع جديد وكذلك بالإنجازات التي أحرزتها الجبهة الشعبية في فرنسا . وأخذ بالازدياد تعداد ونفوذ الحزب الشيوعي السوري . وفي وقت واحد مع تطور التيارات الدنيوية في الفكر السياسي في سورية ابتدأ الاهتمام أيضاً بالفكر الفلسفي الديني الإسلامي . وأخذ بالازدياد تأثير الحركات السياسية الإسلامية المعادية للغرب. وفي تلك الفترة بالذات كتب الأكاديمي السوفييتي ايغناني كراتشكوفسكي أنه يلاحظ في سورية وغيرها من البلدان العربية " ميل واضح لدى الأوساط لبعث الإسلام بكل تعاليمه11 » . وكانت سورية أول بلد بعد مصر انتشر فيها نشاط " الأخوان المسلمين " . ومارس / حسن البنا / تأثيراً هادفاً على السوريين المتواجدين في القاهرة آنذاك والدارسين في جامعة الأزهر وأصبح من أنصاره المقربين محمد الحامد ومصطفى السباعي . وأرسل الأخوان المسلمون مبعوثيهم إلى سورية كما حدث في عام 1935 . وبنتيجة هذه الجهود تأسست في حلب عام 1937 أول منظمة للإخوان المسلمين السوريين . وفي أوائل الأربعينات اتحدت المجموعات السياسية الإسلامية في سورية في تنظيم أطلقت عليه تسمية الإخوان المسلمين . واستخلاصاً لنتائج تحليل تطور الفكر السياسي والثقافة السياسية في سورية في مرحلة الانتداب الفرنسي يمكن القول إن المغرى العام لسياسة المستعمرين الفرنسيين انحصر في محاولة تقويض الصلات الاجتماعية التقليدية السابقة التي كانت مميزة للمجتمع الإسلامي السوري بهدف إقامتها بعد ذلك على أساس جديد مبدئياً يعتمد على النزعة الفردية واقتصاد السوق . وإن سعي السلطات الاستعمارية لتأمين حاجات فرنسا المتزايدة إلى الخامات والمواد الغذائية دفعها إلى تطوير العلاقات البضاعية النقدية وتكوين السوق المحلية. ومن الطبيعي أن سلطات الاستعمار لم تفلح في إحداث تغيير جذري في المجتمع السوري الذي كان مستحيلاً في ظروف السيطرة الاستعمارية. ومع ذلك فإن سياسة المستعمرين الفرنسيين أستدعت ، أو بالأحرى حفزت على حدوث العمليات التكاملية في سورية وأدخلت جميع مناطق البلاد ضمن دورة الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية على النطاق السوري العام . وإن تطور الاتصالات الناجم عن ضرورة المشاركة في تقسيم العمل الإقليمي زاد من كثافة الاتصالات بين مختلف مناطق سورية وهذا ما شكل الأساس المادي لنمو الوعي الوطني في سورية بشكل عام . وفي مرحلة الانتداب الفرنسي أرسيت في سورية أسس المجتمع الحديث بمؤسساته الرئيسية. وأصبح الانتشار التدريجي لنظام التعليم الأوربي بمثابة أحد عوامل نشوء وتطور العلاقات المدنية. كما أن ظهور أولى المنظمات السياسية والاجتماعية أقام القاعدة للعمليات السياسية المعاصرة في المجتمع السوري ، الأمر الذي أسهم في نهاية المطاف في إشراك هذا المجتمع في العملية الاجتماعية السياسية العالمية. ومهدت حركة التحرر الوطني في سورية التربة للتطور الديمقراطي في البلاد ، وإن لم يكن تطوراً مباشراً على الدوام، كما جرت بالتدريج عملية نشوء المجتمع المدني والمواطن الواعي سياسياً . وتحت تأثير المشاركة في نضال التحرر الوطني كان الوعي الاجتماعي يزداد لدى المواطن السوري على أساس ديمقراطي لأن هذا النضال كان يهدف منذ البداية إلى إقامة نظام ديمقراطي في البلاد وضمان حقوق الإنسان . وعملياً فإن مجمل تاريخ تطور حركة التحرر الوطني السورية ينحصر في عملية إقامة المؤسسات السياسية الحديثة والقيم والمثل المطابقة لها على الأرض السورية . وهناك العديد من الحقائق والوقائع التي تشهد على المستوى العالي للوعي السياسي في المجتمع السوري ورسوخ الميول الديمقراطية في سورية أثناء الانتداب الفرنسي . وتجب الإشارة بصورة خاصة إلى مضمون أول دستور سوري وضعته الجمعية التأسيسية عام 1928 . فقد تجسدت في هذا الدستور الصلة العضوية بين المبادئ الديمقراطية لتنظيم الحياة الاجتماعية وبين تاريخ سورية والقيم التقليدية للشعب العربي السوري12 .
ب. قضايا تكوين المجتمع المدني في سورية بعد إحراز الاستقلال: بعد إحراز الشعب السوري الاستقلال الوطني ، وبغض النظر عن الصعوبات التي واجهتها الدولة الفتية ، أخذت تزداد سرعة وتائر التحديث الاجتماعي – الاقتصادي والسياسي للمجتمع.وتمثل أحد مؤشرات هذه العملية في نشوء شبكة واسعة للتعليم الشعبي . وبينما لم يتردد على المدارس الابتدائية والمتوسطة عام 1943 سوى / 46 / ألف تلميذ فإن عددهم وصل إلى / 165 / ألفا بعد مضي ثلاث سنوات . وفي عام 1960 بلغ عدد تلاميذ المدارس في سورية / 424 / ألفا ووصل إلى حوالي المليونين في عام 131968 . وتطور بوتائر عالية أيضاً نظام التعليم العالي وإلى جانب جامعتي دمشق وحلب أقيمت جامعة اللاذقية . وفي بداية السبعينات كان يدرس في الجامعات السورية حوالي أربعين ألف طالب وكان عدد مماثل لهؤلاء من المواطنين السوريين يتلقون التعليم في الخارج أيضاً . وفي وقت واحد مع ذلك كانت تتطور عملية التعليم العسكري كذلك حيث نمت القوات المسلحة السورية من الناحيتين الكمية والنوعية. وإن عملية نشوء كيان الدولة السورية التي تعود بدايتها إلى أيام الانتداب الفرنسي ترافقت كما رأينا بعملية نشيطة لإقامة مجموعة واسعة من الأحزاب والمنظمات السياسية في البلاد . واستمرت في سورية المستقلة عملية التمايز السياسي في المجتمع ، الأمر الذي انعكس في نشاط مختلف الأحزاب والحركات السياسية سواء منها ذات الطابع الديني أم الدنيوي. وانقسمت الكتلة الوطنية الحاكمة إلى الحزب الجمهوري العربي الذي سمي فيما بعد بالحزب الوطني وإلى مجموعتين سياسيتين شعبية وليبرالية توحدتا بعد انتخابات عام 1947 في حزب الشعب. وطرأت تحولات إيجابية على حزب البعث أيضاً حيث جرى توحيد تنظيمي بين هذا الحزب والحزب العربي الاشتراكي وهذا ما أسهم في تلاحم القوى اليسارية ووسع كذلك أطر الدعم الاجتماعي لحزب البعث. وعلى هذا النحو أرسي برنامج حزب البعث في الأساس الإيديولوجي للحزب الجديد الذي سمي البعث العربي الاشتراكي . وازداد في الوقت ذاته نفوذ الحزب الشيوعي في المجتمع السوري، وشهدت بداية الخمسينات في سورية مرحلة زيادة فعالية تنظيم " الأخوان المسلمين" الذين أخذوا يقيمون معسكرات شبه حربية في مختلف أنحاء البلاد ويحاولون الاضطلاع بدور ما في الحياة السياسية . ودخل " الأخوان المسلمين " في حكومة خالد العظم ( 28/12/1949 )– 19/5/1950 وفي عام 1950 جرى تعيين المحامي عمر بهاء الدين ، وهو ممثل السباعي ، سفيراً لسورية في باكستان . ومارست تأثيراً كبيراً على التطور اللاحق لحركة التحرر الوطني العربية إقامة دولة إسرائيل والحرب العربية – الإسرائيلية التي اندلعت عام 1948 . وأسفرت الهزيمة في الحرب عن إدراك القوى الوطنية والديمقراطية لعجز القيادة التقليدية وإفلاسها في سورية حيث اتضحت عدم مقدرتها على الدفاع عن مصالح الشعب العربي الفلسطيني . وأدت الإضرابات التي عمت البلاد آنذاك وخروج بعض الوزراء من الحكومة والأزمة الحكومية التي >نشأت إثر ذلك إلى فرض حالة الأحكام العرفية في كانون الأول عام 1948 من قبل رئيس هيئة الأركان العامة السورية حسني الزعيم. إن عجز الحكومات البرجوازية – الإقطاعية في سورية عن تنفيذ التغييرات الضرورية في الحياة الاجتماعية – الاقتصادية ، والفساد الذي انتشر في أجهزة الدولة وقيادة الجيش ، كل ذلك أدى في عام 1949 إلى تدخل الجيش في الحياة السياسية للبلاد . ونتيجة لذلك ومنذ 27 كانون الأول عام 1949 عندما قام / أديب الشيشكلي / بانقلابه الأول وحتى 29 تشرين الثاني عام 1951 عندما أسقط الحكومة بالقوة من جديد وفرض نظام حكمه الشخصي ، جرى في سورية استبدال ست حكومات متعاقبة دخل في قوامها بصورة دورية ممثلو جميع الأحزاب والمنظمات السياسية تقريباً وكذلك " المستقلون " .
وفي 25 شباط 1954 ونتيجة لانتفاضة اندلعت في جميع القطعات العسكرية تقريباً وحظيت بتأييد واسع من قبل جماهير الشعب تم إسقاط حكم الشيشكلي وفي 28 شباط أصبح رئيس حزب الشعب هاشم الأتاسي رئيساً مؤقتاً للبلاد . واتخذت الحكومة الجديدة عدداً من التدابير لإعادة نظام الإدارة المدنية وإضفاء الطابع الديمقراطي على الحياة الاجتماعية – السياسية وألغت جميع أوامر وقرارات الديكتاتورية العسكرية وأعادت العمل بدستور عام 1950 . وسنت في الوقت ذاته قانوناً يحد من حرية الصحافة والإضرابات والاجتماعات والمظاهرات . ولكن وبغض النظر عن ذلك لم تتوقف في طول البلاد وعرضها انتفاضات الجماهير الشعبية الواسعة المطالبة بتحسين ظروف العمل ورفع مستوى المعيشة . وفي 25 أيلول عام 1954 جرت انتخابات برلمانية لعبت نتائجها دوراً حاسماً في التطور السياسي اللاحق لسورية . وللمرة الأولى جرى انتخاب عدد كبير من ممثلي القوى اليسارية إلى البرلمان وحصل ممثلو حزب البعث3 على 16 مقعداً نيابياً مما شكل نجاحاً كبيراً لحزب شارك في الانتخابات لأول مرة بوصفه تنظيماً سياسياً . وبمبادرة من حزب البعث أقرت جلسة البرلمان السوري في 5 تموز عام 1956 مشروع الوحدة بين سورية ومصر . وفي 14 تموز 1956 شكل رئيس الحزب الوطني / صبري العسلي / حكومة جديدة حصل فيها حزب البعث على حقيبتي وزير الخارجية ووزير الاقتصاد الوطني . وأرست قيادة حزب البعث في كانون الثاني من عام 1958 رسالة إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر أعربت فيها عن اقتراح بإقامة وحدة فورية بين سورية ومصر . وبنتيجة المفاوضات تم في الأول من شباط 1958 توقيع إعلان قيام الجمهورية العربية المتحدة التي حظيت بتأييد السكان في سير استفتاء شعبي عام جرى في البلدين في 21 شباط وانتخبت جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية الجديدة . وأرسي نظام الحكم الرئاسي المصري في أساس تنظيم الجمهورية العربية المتحدة بينما أعطيت السلطة التشريعية إلى برلمان موحد . وتقرر إقامة مرحلة انتقالية كان يجب على الجمهورية أن تشكل خلالها من إقليمين هما : الإقليم الشمالي ( سورية ) والإقليم الجنوبي ( مصر ) يضم كل منهما مجلساً تنفيذياً إلى جانب الحكومة المركزية في القاهرة . وفي أيلول 1961 دبرت الأوساط البرجوازية والإقطاعية في سورية انقلاباً عسكرياً أسفر عن حل الجمهورية العربية المتحدة بينما جرى في الأول من كانون الأول من العام نفسه استفتاء عام لإقرار دستور مؤقت ينص على إقامة جمهورية برلمانية في سورية . وتم نقل السلطة التشريعية إلى جمعية تأسيسية كلفت بانتخاب رئيس للجمهورية لفترة خمسة أعوام ووضع نص دائم للدستور خلال ستة أشهر . واستمر في واقع الأمر إلغاء التحويلات الاجتماعية والاقتصادية التقدمية التي نفذت في عهد الوحدة بين سورية ومصر وهذا ما أثار استياءاً متنامياً من نشاط الحكومة في المجتمع السوري. وانعكس ذلك كله في ثورة عسكرية قامت بها مجموعة من ضباط حزب البعث العربي الاشتراكي بتاريخ 28 آذار عام 1962 لإسقاط الانفصال . وازدادت فعالية الأحزاب السياسية إذ انعقد في مدينة حمص في أيار 1962 المؤتمر الخامس لحزب البعث العربي الاشتراكي الذي قرر إحياء تنظيم الحزب في سورية . وأدى تفريق مظاهرات الطلاب في دمشق في كانون الثاني 1963 وما تلا ذلك من أعمال تعسفية إلى نشوء أزمة حكومية في البلاد ازدادت حدة على الرغم من إعادة توزيع الحقائب الوزارية . وفي هذه الظروف قامت في سورية ثورة الثامن من آذار عام 1963 التي جاءت انتصار كبيراً للشعب السوري تحت قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي وأدت إلى وصول قوى اجتماعية جديدة إلى السلطة تمثلت في الفئات الوسطى للمجتمع السوري وبدأت مرحلة جديدة تماماً في التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للبلاد . وجرى في 23 حزيران 1963 إدخال عدد من التغييرات على قانون الإصلاح الزراعي لعام 1958 . ونصــت هــذه التغييرات عــلى تقليص كبيـر لمساحة الأراضي الباقيـة في ملكية الملاكيــن العقاريين . وكان الهدف من وراء ذلك الحصول على تأييد الفلاحين الذين يشكلون الغالبية الساحقة بين السكان . واعترف الجميع بأن الإصلاح الزراعي في سورية كان الأكثر جذرية في الشرق العربي في تلك الفترة .
ج. الحركة التصحيحية وإقامة المؤسسات السياسية في سورية : لم يستطع الحزب أن يحقق برنامجه الفكري والسياسي الذي عبر عنه في المؤتمر القومي السادس الذي عقد في عام 1963 نتيجة لهيمنة العقلية اليمينية حتى 1966 والعقلية المناورة حتى عام 1970 والتي أبعدت الجماهير عنه وأوقعت البلاد بإخفاقات داخلية وخارجية مما أملى ضرورة قيام الحركة التصحيحية التي قادها القائد حافظ الأسد مع قواعد الحزب . وفي 16 تشرين الثاني عام 1970 أخذت الحركة التصحيحية قيادة البلاد في أيديها بدعم من القوات المسلحة وجماهير الشعب .وفي 16 تشرين الثاني عام 1970 نشرت القيادة المؤقتة لحزب البعث العربي الاشتراكي التي تشكلت بياناً تضمن برنامجاً للأعمال التالية : توحيد القوى التقدمية في جبهة وطنية ، وإقامة مجلس الشعب في غضون ثلاثة أشهر ( وهذا وعد لم تحققه القيادة السابقة ) وإقرار دستور دائم ، وتنفيذ التنمية الاقتصادية مع مراعاة حاجات الشعب ومتطلبات التصدي للعدوان ، ومواصلة تعزيز القدرة الدفاعية للبلاد ، وزيادة دور المنظمات الشعبية . وجرى التأكيد بصورة خاصة على اعتزام سورية توطيد علاقاتها مع جميع البلدان العربية والدول الاشتراكية وحركات التحرر الوطني وعملت من أجل تحقيق التضامن العربي . وجرى في 21 تشرين الثاني 1970 تشكيل " حكومة الوحدة الوطنية " برئاسة حافظ الأسد بينما جرى في 12 آذار 1971 استفتاء عام انتخب حافظ الأسد بنتيجة وبغالبية الأصوات الساحقة رئيساً للجمهورية العربية السورية. وفي أيار من العام ذاته انتخبه المؤتمر القطري الخامس لحزب البعث العربي الاشتراكي أميناً عاماً للقيادة القومية للحزب . لقد أسهم في انتصار الحركة التصحيحية واقع أن حزب البعث العربي الاشتراكي اكتسب أكبر نفوذ في المجتمع السوري وذلك بفضل فعاليته وحرصه على تحقيق أماني الجماهير الشعبية والعمل لتطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية . وأصبح حزب البعث الحزب الأساسي في >سورية والأكثر انضباطاً ومرونة ونضجاً من الناحية النظرية وكان يزداد رسوخاً بالتدريج من الناحيتين السياسية والإيديولوجية . في آذار 1972 تم تأسيس الجبهة الوطنية التقدمية التي ضمت إلى جانب حزب البعث أحزاباً ومنظمات أخرى في البلاد هي الحزب الشيوعي السوري والاتحاد الاشتراكي العربي وحركة الاشتراكيين العرب ومنظمة الوحدويين الاشتراكيين . وأصبح الرئيس حافظ الأسد رئيساً للقيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية التي جاء تأسيسها خطوة هامة على طريق ترسيخ وحدة المجتمع السوري لأنها تتجاوب مع متطلبات الشعب ومصالحه ومع السير نحو توحيد قوى الثورة العربية في منظمة سياسية موحدة . كما جاء انتصار الحركة التصحيحية في 16 تشرين الثاني 1970 بمثابة تعبير عن اهتمام أوسع فئات الشعب السوري من عمال وفلاحين ومثقفين وطلبة بمواصلة التحويلات الاجتماعية التقدمية التي ارتسمت في سورية في نهاية عهد الوحدة مع مصر . وفي الوقت ذاته فإن الحركة التصحيحية رمزت بدورها إلى بداية مرحلة متميزة في التطور الاجتماعي – السياسي والاقتصادي لسورية ، وتميزت هذه المرحلة بالتعددية السياسية والاقتصادية وتتصف هذه المرحلة بالاستقرار السياسي الداخلي والنهوض الاقتصادي . وتسارعت بصورة ملحوظة إقامة الهياكل الارتكازية للصناعة وتمديد السكك الحديدية وشق طرق السيارات واستخدام وسائل الاتصالات الحديثة وتشييد مشاريع للصناعتين الخفيفة والثقيلة وأنظمة الري وتزويد السكان بمياه الشرب ومؤسسات الصحة والتعليم . وارتقت القدرة الدفاعية للبلاد إلى مستوى متطور ونوعي . وأتاح ذلك للشعب السوري إحراز النصر في حرب تشرين الأول عام 1973 بقيادة الرئيس حافظ الأسد التي حطمت أسطورة استحالة الانتصار على إسرائيل وزادت من الخبرة القتالية للجيوش العربية عامة ولسورية خاصة وعادت بنتائج إيجابية كبيرة لتعزيز مواقع سورية في جميع المجالات >العسكرية والسياسية والمعنوية السيكولوجية والدولية والجيو استراتيجية . ويجب الاعتراف بأن العامل الرئيسي الحاسم الذي أسهم بخروج سورية الثوري من حالة عدم الاستقرار يتمثل في قيادة المناضل البارز وقائد الحركة التصحيحية الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي ورئيس الجمهورية العربية السورية حافظ الأسد . وإن سورية تدين بنجاحاتها بالدرجة الأولى إلى جرأته وثباته ومرونته التكتيكية وبعد نظره الاستراتيجي وموهبته السياسية ونفوذه الكبير في العالم العربي وعلى الحلبة الدولية عموماً .
وأتاحت الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية - السياسية للحركة التصحيحية لسورية أن تلعب دوراً هاماً على الصعيد الدولي ولا سيما ما يتعلق بالصراع العربي – الصهيوني في الشرق الأوسط بتصديها لسياسة الإمبريالية والصهيونية . وهذا ما تجلى بصورة واضحة على وجه الخصوص في سير أحداث لبنان حيث اندلع فيه عام 1975 كما هو معروف لهيب الحرب الأهلية التي غدت مصدراً للتوتر الإقليمي في الشرق الأوسط وخارجه . وضمنت سورية وحدة لبنان وعروبته وبذلت جهوداً هائلة لإعادة أعمار هذا البلد الشقيق . ونجحت في تحقيق ذلك وهذا كان واضحاً بعد عام 1990. وأحبطت سورية جميع محاولات إسرائيل لأن تحول لبنان بمساعدة الولايات المتحدة وغيرها من البلدان الغربية إلى محمية لها . وبفضل المقاومة البطولية التي أبدتها الجماهير الشعبية اللبنانية والقوات السورية لم يفلح العدوان الإسرائيلي عام 1982 في تحقيق أهدافه المتمثلة في إلغاء النتائج الإيجابية بالنسبة للعرب لحرب تشرين الأول عام 1973 والقضاء على حركة المقاومة الفلسطينية وإخضاع لبنان إلى تل أبيب . يضاف إلى ذلك أن سير الأحداث لاحقاً أفضى إلى إخراج القوات الإسرائيلية وقوات الدول الأطلسية التي أدخلت إلى لبنان بهدف ممارسة الضغط على سورية وإرغامها على الامتناع عن دعم الوطنيين اللبنانيين. وواصلت سورية نضالها العنيد من أجل وقف التدخل في شؤون لبنان واستعادة وحـدة هــذا البلد العربي الشقيق. ونجحت في ذلك كما أشرنا سابقاً . إلى ذلك سعت سورية بكل الوسائل للحيلولة دون بدء الحرب العراقية – الإيرانية الطويلة ( لسنوات 1980 – 1988 ) وكذلك حرب الخليج التي أثرت على الأخوة والوحدة العربية وقضية الصراع العربي – >الإسرائيلي ( 1990 1991 - ) . إن كل هذه الأحداث تمت بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي وأمينه العام الرئيس حافظ الأسد أسهمت في زيادة الفعالية السياسية للشعب السوري ومواصلة إقامة المجتمع المدني في سورية . وإن تطور العلاقات البضاعية – النقدية مع ازدياد دور الدولة في مجالي الإشراف والتنظيم ترافقاً مع إشراك جماهير واسعة من السكان في العلاقات الإنتاجية الحديثة . وجاء التحديث، على الرغم من طابعه البؤري نسبياً ومحدوديته الجغرافية ، بمثابة مدرسة عصرية اكتسب فيها سكان المدن والأرياف الخبرة التقنية والإدارية الحديثة التي شجعت على تطوير أفكار العلاقات الحقوقية بين الفرد والدولة ، أي المبادئ القائمة في إرساء المجتمع المدني . وكما أشرنا سابقاً كانت ابتدأت في سورية عملية إقامة علاقات مجتمع مدني من طراز متميز تماماً حتى قبل حصولها على الاستقلال الوطني ، ونظراً لخصوصية تطور المجتمع السوري التي مارست الصلات والمؤسسات التقليدية تأثيراً قوياً عليه . وكان الممثل الأساسي لهذا المجتمع الطبقة المتوسطة ( أي الموظفون الحكوميون وأصحاب الأعمال الحرة والمثقفون ) التي أخذت تتسع كثيراً بعد إنجاز الاستقلال وأصبحت نقطة استناد للديمقراطية التمثيلية . ومما يستدعي الانتباه أن عملية نشوء طراز جديد للشخصية في المجتمع السوري ، بوصفها الحلقة الأساسية للعملية السياسية ، ترتبط كذلك بالقاعدة الاجتماعية للديمقراطية التمثيلية . فهذا الطراز الذي نشأ في بيئة تقليدية أخذ ينفصل عنها بصورة تدريجية علماً بأنه يتميز بامتلاك بواعث سياسية عصرية ولكنها موجودة جنباً إلى جنب مع مخلفات الوعي التقليدي المرتبطة بمنظومة القيم السابقة والتي يشغل مكاناً هاماً فيها الإخلاص للأسرة والعشيرة والقبيلة . ومع ذلك فإن قسماً قليلاً من سكان سورية هم أناس لا تزال أشكال الوعي التقليدية هي التي تحدد بالأساس فعاليتهم الاجتماعية وسلوكهم السياسي . ويتصف هذا القسم من السكان بعدم وجود خبرة سياسية كافية كنتيجة للموقف اللامبالي من العمليات السياسية الجارية في المجتمع السوري . ولم تتأثر هذه المجموعات تقريباً بالتحديث الاقتصادي الذي تشهده البلاد ولا تزال حياتهم تمر بالأساس ضمن أطر العلاقات الاجتماعية – الاقتصادية التقليدية . ويرى ممثلو هذه الفئة من السكان أن كثير من الأفكار والقيم العصرية للتقدم والديمقراطية ، التي تضطلع بدور هام في تلاحم المجتمع السوري ، هي غريبة ومجلوبة من الخارج , ويبدو لهم من الأسهل الرجوع إلى القيم الدينية كأساس لانبعاث الثقافة القومية . أما أفكار التحديث السريع وتحطيم قوالب وأطرزة السلوك القديمة ، الموجودة في سورية ، فتثير لديهم احتجاجاً كبيراً يتخذ أحياناً شكل الأصولية والتطرف الديني . إن ما أشرنا أليه من طابع متناقض ومتمايز في الوعي الاجتماعي في سورية لا يمكن أن ينعكس في عملية نشوء الثقافة السياسية العصرية للمجتمع السوري وفي طابع نشاط المؤسسات السياسية بما في ذلك السلطة التمثيلية . 2-2 السلطة التمثيلية في سورية : مراحل التطور الأساسية إن تطور المؤسسات الديمقراطية في سورية يملك تاريخاً يتجاوز القرن من حيث الزمن . أما ما يتعلق بالسلطة التمثيلية في سورية فإنها تملك تقاليد غنية وتعتمد أيضاً على خبرة البلدان الأخرى .
أ. التجربة الأولى للنظام البرلماني ضمن أطر الإمبراطورية العثمانية : جنت سورية خبرتها الأولى في مجال السلطة التمثيلية ضمن أطر الإمبراطورية العثمانية التي كانت ملكية مطلقة كما هو معروف . ولكن رياح التغيير التي هبت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على أوربا الغربية وصلت إلى الإمبراطورية العثمانية أيضاً التي بقيت معقلاً من معاقل القرون الوسطى .في 9 تشرين الأول عام 1876 ألقى السلطان عبد الحميد الثاني خطاباً وعد فيه بإقامة برلمان على أساس الدستور الذي اقتبست أحكامه الرئيسية من الوثائق التشريعية لإنكلترا وفرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة . وتشكل أول برلمان في الإمبراطورية العثمانية من مجلسين هما مجلس الشيوخ ومجلس النواب. وطبقاً للدستور كان كل من المجلسين يبدأ دورته في بداية تشرين الثاني من كل سنة ويواصل عمله في غضون أربعة أشهر . وكان السلطان يملك الحق في دعوة البرلمان للانعقاد قبل الموعد المعين أو يؤجل عقده. كما كان السلطان يحدد برنامج عمل البرلمان في خطابه عند افتتاح دورته . وكان الدستور يقدم لأعضاء البرلمان حرية التعبير عن آرائهم ويحميهم من الملاحقة بسبب هذه الآراء . أما نظام سن القوانين الجديدة أو إدخال تعديلات على التشريعات السارية المفعول يتمثل في أن الاقتراحات بصدد هذه المسائل كانت تعالج في مجلس الشورى أولاً وترسل من ثم إلى مجلس النواب وبعد ذلك إلى مجلس الشيوخ . وبعد أن يحظى مشروع القانون بالموافقة بغالبية الأصوات في المجلسين كان يرسل إلى السلطان للمصادقة عليه . وكان عدد أعضاء المجلس الأعلى الذين يعينهم السلطان لا يجب أن يتجاوز ثلث عدد أعضاء المجلس الأدنى الذين يجري انتخابهم بموجب اقتراع سري وبنسبة نائب واحد لكل خمسة آلاف من الذكور . وكان يدخل في المجلس الأعلى 25 موظفاً معيناً بينما انتخب إلى مجلس النواب 125 نائباً يمثلون جميع مناطق الإمبراطورية العثمانية بمن فيهم 16 نائباً عن البلدان العربية . وجرى افتتاح البرلمان بصورة رسمية احتفالية في 7 آذار عام 1877 وترأسه أحمد وفيق باشا. وجاء عمل البرلمان الأول بمثابة اتجاه جديد في الحياة السياسية للإمبراطورية العثمانية . فنواب البرلمان لأول الممثلين لمناطق متخلفة جداً ومنعزلة عن بعضها في الدولة العثمانية المترامية الأطراف التقوا مع بعضهم وتبادلوا الخبرة والآراء واكتشفوا أن هناك قضايا مشتركة كما أن هناك أسباباً للتذمر والاستياء . ولم يكن النواب يتعرضون للسلطان أبداً في سياق خطاباتهم في البرلمان . ولكن الوزراء وغيرهم من كبار الموظفين كثيراً ما كانوا يجدون أنفسهم تحت نيران النقد بسبب الرشوة وغيرها من حوادث الفساد . وكانت ترتفع بعض الأصوات مطالبة بإجراء إصلاح جذري للنظام الإداري في البلاد . وكان بين النواب ممثلو النخبة المثقفة في الإمبراطورية الذين كانوا يملكون سعة إطلاع وآراء مستقلة . وكان بإمكانهم أن يقدموا إلى السلطان أفكاراً قيمة لوضع برنامج إيجابي للتغيرات والتحويلات . بيد أن السلطان لم يستغل هذه الفرصة بل عمد إلى حل أول برلمان بعد ثلاثة أشهر من افتتاحه وذلك بسبب أمزجة النواب الانتقادية . وعلى الرغم من أن البرلمان الأول لم يستمر في عمله طويلاً إلا أنه أرسى بداية خبرة السلطة التمثيلية في الإمبراطورية العثمانية . وجرى انتخاب برلمان جديد بعد ستة أشهر من حل البرلمان الأول ولكنه لم يعمل طويلاً هو الآخر . فعقب توقيع الهدنة مع تركيا في 31 كانون الثاني 1878 أعلن السلطان فترة توقف في عمل البرلمان استمرت ثلاثين عاماً تقريباً. وإيضاحاً لبواعث قراره بحل البرلمان عملياً أعلن السلطان عبد الحميد : " أن القوة وحدها هي القادرة على تحريك الشعب الذي كلفني الله بحمايته14 " . وهذا يعني أن السلطان لم ير من الضروري نقل ولو جزء من صلاحياته إلى السلطة التمثيلية . ولم ينعقد البرلمان مرة أخرى سوى خريف عام 1908 في عهد ثورة تركيا الفتاة وبعد إعادة العمل بالدستور وإجراء انتخابات إلى مجلس النواب الذي تمثلت فيه جميع شعوب الإمبراطورية . ومع ذلك كان في البرلمان الجديد 150 نائباً تركياً وفقط 60 نائباً من العرب علماً بأنه كان في الإمبراطورية العثمانية 7,5 مليون تركي وأكثر من 10 ملايين عربي . ولم يبد الوفد العربي أثناء عمل البرلمان أية استقلالية ولم يتقدم بأية مبادرات . وعلى الرغم من أن غالبية النواب العرب كانوا مستاءين من سياسة الحكومة إلا أنهم أيدوا مواقف أنصار تركيا الفتاة من حيث الأساس . وفي عام 1909 عمد السلطان إلى حل البرلمان من جديد وجرت في نهاية عام 1913 انتخابات برلمانية جديدة ولكن البرلمان الذي نشأ عنها لم يعمل سوى حتى 7 آب عام 1914 وبذلك انتهت خبرة الحياة التمثيلية في الإمبراطورية العثمانية . لقد اتسم الحكم العثماني بالتسلط على الشعوب العربية وانتهاك حقوقها وغياب الحريات المدنية والعدالة الاجتماعية. وبغض النظر عن أن ممثلي الشعوب العربية شاركوا في عمل البرلمان في الإمبراطورية العثمانية إلا أنه لا يجوز اعتبار هذه الخبرة هامة بالنسبة لتطور النظام البرلماني في البلدان العربية على العموم وفي سورية بشكل خاص لأن هذه الخبرة كانت محدودة من حيث الزمن ولم تمارس تأثيراً كبيراً على التطور التاريخي للشرق الأوسط. ولم تظهر في هذه الفترة شخصيات بارزة على المسرح السياسي للبلدان العربية كما لم ينعكس صدى المناقشات البرلمانية على الحياة السياسية الداخلية لبلدان المشرق العربي .
ب. دور السلطة التمثيلية في النضال من أجل استقلال سورية : نشأت في سورية أثناء سنوات الحرب العالمية الأولى أحزاب ومنظمات سياسية متعددة، واكتسبت تأييداً واسعاً فكرة إقامة هيئة تعبر عن مصالح سكان مختلف مناطق البلاد . وتجسدت هذه الفكرة في المؤتمر السوري الذي كان عبارة عن جمعية تمثيلية انتخب إليها الكثيرون من ممثلي نخبة المثقفين السوريين . وانعقدت الجلسة الأولى في 6 آذار عام 1919 وكان يدخل في قوامه 90 نائباً ومثل كل من سورية ولبنان وفلسطين .ولكن الاحتلال الفرنسي عام 1920 بدخول القوات الفرنسية بقيادة الجنرال غورو عام 1920 واستشهاد وزير الدفاع السوري يوسف العظمة في معركة ميسلون البطولية ،عرقل تحقيق الأهداف السامية التي أعلنها المؤتمر الوطني وحال دون أن يصبح هذا المؤتمر حجر الزاوية في تشييد صرح الحياة البرلمانية في سورية التي قسمها الفرنسيون إلى عدة أجزاء صغيرة . وبذلك حصلت كل من منطقة جبل العرب والمنطقة الساحلية ولواء الإسكندرون على وضع إداري منفصل . وجرت في أيلول وتشرين الأول من عام 1923 انتخابات برلمانية في المناطق السورية طبقاً لأوامر السلطات الاستعمارية الفرنسية . وأسفرت هذه الانتخابات عن تشكيل مجلس يضم 33 عضواً برئاسة / بديع المؤيد/ ودخل فيه ممثلو " دول " دمشق وحلب والمنطقة الساحلية ( جبال العلويين ) والداخلية في اتحاد فيما بينها. وكان يجب أن تعود السلطة التنفيذية في هذا الاتحاد إلى رئيس ينتخبه أعضاء المجلس . وتم انتخاب /صبحي بركات / إلى هذا المنصب ولكن المجلس لم يكن يتمتع بأية صلاحيات عملياً . وأمام ازدياد المعارضة من قبل جميع فئات المجتمع السوري ، بما في ذلك من قبل النخبة التقليدية ، شرعت السلطات الفرنسية في البحث عن أشكال مناسبة لإقامة كيان الدولة في سورية . وقرر المستعمرون إبداء " حسن الإدارة " انطلاقاً منهم بالدرجة الأولى في السعي لتوفير ظروف سياسية من أجل الحفاظ على انتدابهم وحرصاً منهم على مصالح الاستعمار الفرنسي . ووافق المستعمرون في شباط 1928 على تشكيل حكومة وطنية وحددوا موعد الانتخابات إلى الجمعية التأسيسية . وفي 15 حزيران 1928 انعقدت الجمعية التأسيسية في دورتها الأولى وشرعت بوضع الدستور برئاسة هاشم الأتاسي ، وجرى تشكيل لجنة دستورية دخل في قوامها ساسة بارزون بينهم فوزي الغزي وسعد الله الجابري وعبد الرحمن الكيالي ولطفي الحفار وإحسان الشريف ومظهر إرسلان وفارس الخوري ونوري الأصفري وإسماعيل الحريري ومجهم بن مهيد وغيرهم15 . وكما يتضح من تصريحات أعضاء اللجنة الدستورية فإنها استرشدت في عملها من آخر الإنجازات في مجال التشريع ودرست دساتير الكثير من البلدان سعياً منها لأخذ كل ما هو مفيد للدستور السوري مع مراعاة تقاليد الشعب السوري . وجرى الحرص بالدرجة الأولى على ضمان حرية واستقلال ووحدة أراضي الدولة السورية . وانعكس في مسودة الدستور مبدأ الفصل بين السلطات ونصت هذه المسودة على إقامة مؤسسة السلطة التمثيلية . وفي 1 آب 1928 وصلت مسودة الدستور إلى الجمعية التأسيسية . وبعد مناقشات طويلة وفي ظل تدخل مباشر من قبل السلطات الفرنسية ، التي طالبت بسحب ست مواد من المسودة تتكلم عن وحدة البلاد وتمثيلها الخارجي وجيشها الوطني وغير ذلك من مقومات الدولة المستقلة، وأضاف كذلك المادة 116 التي شطبت عملياً مضمون الدستور بكامله ، إلا أن الجمعية التأسيسية أقرت مع ذلك الدستور السوري . وبعد ذلك أعلنت السلطات الفرنسية فترة توقف في عمل الجمعية التأسيسية التي لم تجتمع عقب ذلك أبداً . وألغى الفرنسيون الدستور عملياً أيضاً . وبدلاً من ذلك فرض المستعمرون على الشعب السوري ثلاث وثائق هي : وضع لواء الإسكندرون ، وحكومة الساحل ، ودستور حكومة جبل العرب . وبكلمات أخرى فإن السلطات الفرنسية رفعت الأحكــام الأساسية المتعلقــة بوحــدة البــلاد وإزالة الانتداب التي يضمنها الدستور وسرى بدلاً من ذلك مفعول وثائق تقيد استقلال سورية وتبقي على تشتتها الإقليمي . وفي عام 1932 جرى انتخاب برلمان جديد برئاسة صبحي بركات عقد جلساته في المبنى الحالي للبرلمان السوري وانتخب هذا البرلمان محمد علي العابد رئيساً للجمهورية . ابتدأ عمل البرلمان الجديد من محاولة النواب إلغاء المادة 116 السيئة الصيت من الدستور . وجرى عمل البرلمان لاحقاً تحت شعار النضال من أجل الاستقلال الوطني وكذلك من أجل استعادة وحدة أراضي البلاد . وعارض النواب معارضة قطعية سلخ لواء الإسكندرون عن سورية . ونوقشت في البرلمان مسائل هامة أخرى لتنمية البلاد ومنها معارضة النواب للتعليم في المدارس باللغة الفرنسية مطالبين بإعادة النظر في جميع المناهج المدرسية . وطرحت في جلسات البرلمان مسائل تتعلق بتنفيذ عدد من المشاريع الاقتصادية الهامة مثل جر مياه الفرات إلى مدينة حلب وشق طريق من دير الزور إلى الحسكة ونصب جسور عبر نهري الفرات والخابور وغير ذلك . وكان البرلمان في تلك الفترة صلة وصل بين الشعب والدولة إذ كان يعبر عن أمزجة الناس ويعكس مطالبة الأحزاب والمنظمات السياسية . وعلى الرغم من أن سلطة البرلمان الفعلية لم تكن كبيرة إلا أن اضطلع مع ذلك بدور كبير في تكوين المناخ السياسي في البلاد . وقد جرى حل هذا البرلمان في 21 كانون الأول عام 1933 بعد أن رفض مسودة حول الصداقة والاتحاد بين سورية وفرنسا . ولم يتم انتخاب برلمان جديد إلا بعد توقيع هذه المعاهدة في نهاية عام 1936 . وجرى انتخاب رئيس جديد لسورية هو هاشم الأتاسي وتشكلت حكومة جديدة برئاسة جميل مردم بك . واتخذ هذا البرلمان الذي ترأسه فارس الخوري عدداً من القرارات الهامة المرتبطة بالحصول على الاستقلال . وعادت منطقتا جبل العرب واللاذقية لتدخلا في قوام سورية . وطرحت كذلك مسألة وضع لواء الإسكندرون نظراً لوجود خطر سلخ هذا اللواء عن سورية . وفي إحدى جلسات البرلمان طرح النائب توفيق الشيشكلي مسألة توحيد سورية ولبنان . وفي هذه الأثناء ثارت الاضطرابات في مختلف أنحاء سورية بعد أن ألغت السلطات الفرنسية قرار إعادة جبل العرب واللاذقية إلى سورية. واضطر رئيس الجمهورية إلى الاستقالة وأصاب الشلل عمل البرلمان . وانتخب برلمان جديد عام 1943 برئاسة فارس الخوري وأعلن النواب في جلستهم الأولى في 17 آب 1943 عن إعادة السلطة التمثيلية إلى البلاد . وانتخب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية وتم تشكيل حكومة جديدة . وفي 21 آب عام 1943 ألغى البرلمان السوري المادة 116 من الدستور واستمر فيما بعد بلعب الدور الأساسي في النضال ضد المستعمرين وتكلل هذا النضال بنشوء الدولة السورية المستقلة ومن ثم جلاء الجيوش الأجنبية بالكامل من أراضي سورية في 17 نيسان 1946 ولابد من الإشارة هنا إلى أن المستعمرين الفرنسيين قاموا في 29 أيار 1945 بقصف البرلمان وأدى ذلك إلى استشهاد حاميته البالغ عددها 28 دركياً بسبب عدم تأديتهم التحية للعلم الفرنسي . وبقي هذا اليوم ( 29 أيار ) عيداً لقوى الأمن الداخلي . واستخلاصاً لنتائج هذه الفترة يمكن القول إنه بغض النظر عن اضطهاد المحتلين الفرنسيين إلا أن الشعب السوري أفلح في إرساء أسس الحياة البرلمانية التي جمعت بين القيم الديمقراطية التقليدية للشعب العربي السوري وبين خبرة الدول الأخرى وبالدرجة الأولى خبرة الدول الأوربية الغربية .
ج. تطورات السلطة التمثيلية في سورية المستقلة : وجدت سورية نفسها في عواصف سياسية قوية بعد حصولها على استقلالها الوطني وجرت فيها اصطدامات عنيفة بين شتى القوى السياسية المدعومة من الخارج والتي تجسدت في سلسلة من الانقلابات العسكرية . وجرت محاولات لاقتحام سورية في تحالفات سياسية – عسكرية مختلفة كحلف بغداد – ومبدأ إيزنهاور والنقطة الرابعة ، الأمر الذي انعكس على الوضع الاجتماعي أيضاً .بعد الحصول على الاستقلال جرت في عام 1947 أول انتخابات إلى البرلمان الجديد الذي سمي مجلس النواب . وانتخب هذا البرلمان في جلسته الأولى فارس الخوري رئيساً له . ولكن هذا البرلمان حل في أيار عام 1949 بعد انقلاب حسني الزعيم . وجرت في العام نفسه انتخابات إلى الجمعية التأسيسية وترأس هذه الجمعية السيد رشدي كيخيا التي كان يتوجب عليها إقرار أول دستور للبلاد . وفي عام 1950 تم إقرار الدستور وتحولت الجمعية التأسيسية إلى مجلس النواب وتم انتخابه وانتخاب السيد معروف الدواليبي رئيساً له الذي حل بعد انقلاب أديب الشيشكلي في أيلول 1952. وجرى بعد ذلك تشكيل مجلس نيابي اجتمع لمدة شهرين فقط من عام 1953 إلى عام 1954 برئاسة مأمون الكزبري . وفي عام 1954 استأنف عمله مجلس النواب الذي حله أديب الشيشكلي . في الفترة بين عامي 1954 و 1958 عمل في البلاد المجلس العام الذي كانت الغالبية فيه تعود إلى القوى الوطنية التي كانت بإمكانها التأثير على اتخاذ القرارات , وهذا بالذات ما أتاح في عام 1958 إقامة الجمهورية العربية المتحدة التي وحدت سورية ومصر . وتم انتخاب مجلس الشعب برئاسة أنور السادات والذي كان يضم 200 نائب عن سورية و400 نائب عن مصر . وبعد الانفصال في 28 أيلول 1961 جرى فصل البرلمان أيضاً وابتدأ البرلمان السوري من جديد صراع الأحزاب الذي كان سبباً لعدم الاستقرار السياسي الداخلي في البلاد وترأس هذا البرلمان كل من السيد مأمون الكزبري والسيد سعيد الغزي . وقف غالبية الشعب ضد الممارسة الرجعية لنظام الانفصال وضد قادته الذين كانوا يمثلون بالأساس الأوساط البرجوازية والإقطاعية وضد مواقفهم الغريبة عن الجماهير الشعبية . وهذا ما حكم على الانفصاليين بالهزيمة . وانتصرت في 8 آذار 1963 الثورة التي نظمها وقادها حزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان يملك مواقع وطيدة في الجيش ويعبر عن مصالح شريحة واسعة من الطبقات العاملة وفئات الشعب السوري وتمكن كذلك من اجتذاب الشبيبة التي هي القسم الأكبر والأكثر نشاطاً في المجتمع . وبعد أن وصل حزب البعث العربي الاشتراكي إلى الحكم اقترح سياسة تتجاوب مع الهم الصائب للمصالح الجارية والبعيدة المدى للشعب السوري وللأمة العربية جمعاء . ولذلك أفلح الحزب في التصدي بنجاح سواء لأصحاب العقلية اليمينية الذين نحتهم عن السلطة حركة 23 شباط 1966، أم أصحاب العقلية المناورة الذين أزاحتهم الحركة التصحيحية في 16 تشرين الثاني 1970 . وفي جميع المنعطفات الحادة للتاريخ السوري بعد 8 آذار 1963 ومع جميع التغييرات الشخصية في قوام القيادة كان حزب البعث العربي الاشتراكي من خلال الرئيس حافظ الأسد بطل المواقع التي تسلمها يسعى دوماً للحفاظ على الترابط مع الجماهير الشعبية وتعزيزه والاستجابة لأماني هذه الجماهير وتحسين الديمقراطية ونظام الإدارة . إن حرص الحزب الدائم وحرص قائده حافظ الأسد على تقدم المجتمع السوري والاستخدام الرشيد للمبادرة الخاصة وآليات السوق وتعزيز الوحدة الوطنية والتلاحم الشعبي – كل ذلك أسهم في إقامة علاقات وطيدة متبادلة بين القيادة والجماهير والتأييد الأقصى للتغييرات الاجتماعية الجذرية التي نفذت بعد 8 آذار 1963 وضمان الاستقرار السياسي والاجتماعي والثقافي والمعنوي والسيكولوجي في سورية . وبعد انتصار ثورة 8 آذار 1963 تم توفير الظروف لاستئناف عمل السلطة التمثيلية التي تجسدت في المجلس الوطني الذي عقد أولى جلساته في 1 أيلول 1965 – 1966 برئاسة منصور الأطرش . في أيار 1969 صدر دستور مؤقت للبلاد أعلن أن سورية دولة " اشتراكية شعبية ذات سيادة " ومنحت السلطة العليا والتشريعية في الدولة إلى مجلس الشعب الذي كان يتوجب انتخابه في غضون أربعة أشهر . ونص الدستور على أن السلطة في المحافظات والمناطق تعود إلى المجالس المحلية التي كان ينبغي تحديد مهماتها وصلاحياتها بموجب قانون خاص . وعادت السلطة التنفيذية إلى رئيس الدولة ومجلس الوزراء . ورئيس الدولة هو في الوقت ذاته القائد العام الأعلى للقوات المسلحة ويملك الحق في الحالات الضرورية في حل مجلس الشعب والدعوة لإجراء انتخابات جديدة . وكان التشريع الإسلامي هو المصدر الأساسي للتشريعات في الدولة . ووضع في أواسط عام 1969 مشروع قانون حول هيئات السلطة المحلية .
د. السلطة التمثيلية في منظومة المؤسسات السياسية في سورية بعد انتصار الحركة التصحيحية : جاءت الحركة التصحيحية لتتجاوب مع مصالح الشعب السوري وتجسد أمانيه . ورمزت هذه الحركة إلى تطور نوعي هام وجسدت أفكار الحزب ومبادئه وأهدافه ومهدت الظروف المناسبة للقيام بأعمال هامة أخرى تخدم مصالح الجماهير الشعبية الواسعة . وتجب الإشارة بالدرجة الأولى إلى إقامة اتحاد الجمهوريات العربية بما يتجاوب مع نداء الوحدة الذي يشغل مكان الصدارة في وعي كل مواطن عربي ويعززه نضال الشعوب العربية المشترك ضد الإمبريالية والصهيونية والخلافات الداخلية والحركات الانفصالية16 .بعد انتصار الحركة التصحيحية مباشرة أعلن القائد حافظ الأسد أن الديمقراطية التي يقصد بها المشاركة الواسعة لجميع فئات الشعب في الحياة السياسية للبلاد هي الأداة الأساسية لتكوين الإنسان الجديد وأهم شرط لضمان الاستقرار السياسي في البلاد . ابتدأت تتطور بوتائر سريعة في سورية الحياة البرلمانية ويعود الفضل في ذلك إلى أن الرئيس حافظ الأسد أخذ على عاتقه قيادة هذه العملية . واكتسبت الديمقراطية في سورية عمقاً جديداً وأبعاداً واســعة وآفاقاً لا سـابق لهـا . وتـم في تلــك الفترة إقامة منظومـة ديمقراطية متطـورة لتأميــن حمايــة الدستور وتوفير وتائر عالية لتنمية المجتمع السوري بأكمله . وتمثلت إحدى أولى خطوات الحركة التصحيحية في إعلان نظام الانتخابات إلى مجلس الشعب الجديد الذي افتتحت أولى جلساته في 22 شباط 1971 . وانتخب إلى هذا المجلس الذي دخلت في نطاق مهماته ممارسة الوظائف التشريعية والرقابة على السلطة التنفيذية ، 173 انتخبوا رئيساً لهم السيد أحمد الخطيب وأتم الرئاسة السيد فهمي اليوسفي . وكما أعلن القائد حافظ الأسد في خطابه أمام الجلسة الأولى لمجلس الشعب فإن انتخاب هذا المجلس كان أحد نتائج انتصار الحركة التصحيحية . وأكد قائلا : " لهذه الأسباب وبها تتأكد أهمية انعقاد مجلس الشعب الذي جاء ممثلاً لمختلف قطاعات الشعب وفئاته أوسع تمثيل وفيه رأت جماهيرنا التجسيد العملي لشعار الديمقراطية الشعبية . وفي حرم هذا المجلس يشع نور الحرية ليملأ أرجاء القطر وبه تتأكد ممارسة الحرية بمفهومها الصحيح والسليم وبواسطته تأخذ المنظمات الشعبية دورها في المساهمة بسن التشريعات ومراقبة التنفيذ17 » . وفي 24 شباط 1971 أقر مجلس الشعب في جلسته الثالثة اقتراح القيادة القطرية المؤقتة لحزب البعث العربي الاشتراكي حول ترشيح حافظ الأسد إلى منصب رئيس الجمهورية . وفي شباط 1973 طرح على المناقشة الشعبية العامة مشروع الدستور الدائم للجمهورية العربية السورية .وجاء وضع الدستور الدائم الجديد كإحدى أهم نتائج نضال الشعب السوري من أجل تطوير مبادئ الديمقراطية . ونص هذا الدستور على توثيق مبادئ التنظيم الديمقراطي للمجتمع السوري وأصبح بمثابة الدليل الهادي على طريق الشعب السوري نحو المستقبل وكان عبارة عن مجموعة من القواعد لتنظيم عمل مختلف مؤسسات الدولة والأساس لسن التشريعات . وجرى في 12 آذار عام 1973 استفتاء عام لإقرار دستور البلاد الذي سرى مفعولة بعد أن حظي بموافقة شعبية عامة . ونص الدستور على أن الجمهورية العربية السورية هي " دولة اشتراكية شعبية ديمقراطية ذات سيادة18 » ذات اقتصاد اشتراكي مخطط يهدف إلى إزالة جميع أشكال الاستغلال19 . وأكد الدستور بصورة خاصة أن الحرية حق مقدس لكل مواطة20 ، وأن الدولة تضمن للمواطنين الحرية الشخصية وتضمن أمنهم وملكيتهم. وأن سيادة القانون هي المبدأ الأساسي للمجتمع والدولة21 ، والمواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات . ونص الدستور أيضاً على مبدأ فصل السلطات وحدد بصورة دقيقة وظائف كل منها . وقالت المادة 50 ( البند 1) أن السلطة التشريعية يمارسها مجلس الشعب المنتخب لمدة أربع سنوات طبقاً لأحكام الدستور. ويجري انتخاب نواب مجلس الشعب عن طريق الاقتراع السري المباشر العام ( البند 2 ). ويتمتع مجلس الشعب بصلاحيات واسعة( المادة 71 ) . وهو الذي يقدم المرشح إلى رئاسة الجمهورية ويسن القوانين ويناقش سياسة الحكومة ويدقق ميزانية الدولة وخطط التنمية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد ويبرم المعاهدات والاتفاقيات الدولية . طبقاً للدستور وللقانون رقم 26 لعام 1973 حول الانتخابات يتمتع بحق انتخابي جميع المواطنين البالغين 18 سنة من عمرهم والمسجلين في سجلات الأحوال المدنية . ولا يتمتع بهذا الحق منتسبو الجيش والشرطة أثناء تأديتهم الخدمة باستثناء حالات ترشيحهم إلى مجلس الشعب . ويتمتع بالحق الانتخابي أيضاً جميع الأشخاص الحاصلين على الجنسية السورية منذ ما لا يقل عــن خمس سنوات والبالغين 25 سنة من عمرهم ويتقنون القراءة والكتابة . ويقدم هذا الحق أيضاً إلى العسكريين وموظفي الدولة بمن فيهم الوزراء . وطبقاً للدستور الجديد يبلغ عدد أعضاء مجلس الشعب 195 نائباً . وتجري الانتخابات في دوائر انتخابية متعددة المقاعد علماً بأن قسماً من المقاعد يخصص في كل منها للعمال والفلاحين بينما يخصص القسم الآخر لبقية القطاعات الاجتماعية ولكن بحيث يكون ما لا يقل عن نصف النواب المنتخبين على نطاق البلاد بشكل عام من العمال والفلاحين . ولا يقيد عدد المرشحين إلى الدوائر الانتخابية التي تجري تحديد نتائج التصويت في كل منها وينص الدستور على أنه يدخل في صلاحيات مجلس الشعب سن القوانين ومناقشة سياسة الحكومة وإقرار ميزانية الدولة وخطط التنمية الاجتماعية والاقتصادية وإبرام أهم المعاهدات والاتفاقيات الدولية وإعلان العفو العام ( المادة 71 ) . وينطوي النشاط التشريعي على أهمية كبيرة جداً ويقدم الدستور حق المبادرة التشريعية إلى أعضاء مجلس الشعب وإلى رئيس الجمهورية22 . وبعد أن تنظر اللجان الدائمة بصورة أولية في مشروع القانون يعرض على مجلس الشعب الذي يصوت على كل مادة من مواده بعد المناقشة ويجري بعد ذلك إقرار القانون بشكل عام . وترفع القوانين التي يقرها مجلس الشعب إلى رئيس الجمهورية لتوقيعها ونشرها . وبطلب من رئيس الجمهورية أو النواب وحسب المادة رقم 19 من الدستور لعام 1973 تقوم المحكمة الدستورية العليا بالتحقق من شرعية القوانين المقرة قبل نشرها . وينص الدستور على تعاون متبادل وثيق بين رئيس الجمهورية ومجلس الشعب فيما يتعلق بإدخال تعديلات على الدستور . ويعود الحق في تقديم اقتراحات لتعديل الدستور إلى رئيس الجمهورية وكذلك إلى ثلث نواب مجلس الشعب الذي يشكل لجنة خاصة لدراسة هذه الاقتراحات . وبعد ذلك يناقش المجلس التعديلات المقترحة ويصوت عليها . ويغدو التعديل ساري المفعول في حالة موافقة ثلاثة أرباع النواب ومصادقة رئيس الجمهورية عليه . وإن العلاقة المتبادلة بين رئيس الجمهورية ومجلس الشعب تنطوي على أهمية كبيرة حيث أن الدستور يعطي إلى الرئيس الحق بحل المجلس ولكن لا يمكن إتخاذ قرار كهذا سوى مرة واحدة ولسبب محـدد ( المادة 107 ) . ولا يمكن لمجلس الشعب مساءلة رئيس الجمهورية سوى في حالة الخيانة العظمى . يقدم الدستور الحق إلى البرلمان في الإشراف على نشاط مجلس الوزراء وحجب الثقة عن الوزراء مجتمعين أو منفردين ويمنح دوراً هاماً في إدارة البلاد إلى المجالس الشعبية التي تعتبر بموجب المادة العاشرة للدستور " هيئات منتخبة ديمقراطياً يمارس المواطنون من خلالها الحق في إدارة الدولة وتسيير المجتمع". ويجري تشكيل المجالس الشعبية المحلية على جميع المستويات عن طريق الانتخابات المباشرة للسكان في الوحدات الإدارية الإقليمية المعينة . وتنحصر مهمات المجالس الشعبية المحلية المنتخبة لمدة أربع سنوات في تسيير الشؤون المحلية وحل جميع مسائل التنمية الاجتماعية والاقتصادية وكذلك قضايا الثقافة والرعاية الصحية والخدمات البلدية ضمن أطر سياسة الدولة العامة. ويلقى على عائق المكتب التنفيذي التي يشكلها كل مجلس لمدة سنتين إعداد قراراته وتنفيذها في واقع الحياة .
انتهت صلاحيات مجلس الشعب الأول في 21 شباط 1973 وجرت الانتخابات الدورية في 25 أيار من العام نفسه طبقاً للدستور وأسفرت عن تشكيل مجلس جديد ترأسه السيد محمد علي الحلبي . وعند افتتاح الجلسة الأولى للمجلس الجديد في 9 حزيران 1973 قيم الرئيس حافظ الأسد تقييماً عالياً نشاط مجلس الشعب السابق سواء في المجال التشريعي أو ما يتعلق بإعداد دستور البلاد . وأعار رئيس الجمهورية اهتماماً خاصاً لمسائل تكوين المؤسسات الديمقراطية في سورية . وقال الرئيس الأسد :" إن إنجاز عملية إقامة نظام الديمقراطية الشعبية في البلاد كان واحدة من أهم المهمات التي طرحناها أمام أنفسنا منذ الحركة التصحيحية كي تكون السلطة في أيدي الشعب وكي يكون الشعب مصدر السـلطة" . وأضاف مؤكداً أنه لتحقيق هذا الهدف بالذات جرى توجيه جهود الحزب الدائبة لإقامة مؤسسات الديمقراطية الشعبية التي يعتبر مجلس الشعب من أهمها . وتمثلت الحلقة الثانية للمنظومة الديمقراطية للبلاد في انتخابات مجالس الإدارة المحلية التي جرت في آذار عام 1972 مما رمز إلى نقل القسم الأكبر من السلطتين التنفيذية والرقابية إلى أيدي الشعب . وقال السيد الرئيس حافظ الأسد إنه طبقاً لمفهومنا عن الديمقراطية فقد جرى تشكيل الجبهة الوطنية التقدمية التي نرى فيها طريقاً طبيعياً نحو تعزيز تلاحم مجتمعنا وترسيخ سمعة سورية على الصعيد الدولي . وأضاف الرئيس أن وضع دستور الجمهورية العربية السورية وإقراره من قبل غالبية الشعب الساحقة وكذلك إجراء انتخابات مجلس الشعب شكلت أهم معالم إقامة مجتمع الديمقراطية الشعبية . ولقد لعب مجلس الشعب الذي باشر عمله في 9 حزيران 1973 دوراً هاماً في توطيد مبادئ الديمقراطية في المجتمع السوري . ونهض هذا المجلس بعمل تشريعي كبير وناقش حوالي 440 مشروعاً من مشاريع القوانين التشريعية التي تمس شتى جوانب الحياة الاجتماعية وحظيت غالبيتها بموافقة رئيس الجمهورية وأصبحت سارية المفعول . وأبدى مجلس الشعب نشاطاً دولياً كبيراً ونفذ في واقع الحياة خط الحزب والدولة في الوطن العربي وخارجه . وجرى تبادل الوفود البرلمانية مع عدد كبير من الدول الصديقة وشارك البرلمانيون السوريون في الكثير من المحافل البرلمانية الدولية شرحوا فيها جوهر وطابع القضايا العربية . وأفلح مجلس الشعب السوري في تأسيس الاتحاد البرلماني العربي الذي عقد أولى جلساته صيف عام 1974 في دمشق . وبمبادرة من الاتحاد البرلماني العربي جرى في دمشق عام 1975 مؤتمر التعاون العربي – >الأوربي ، كما انتسب المجلس خلال هذه الفترة إلى عضوية الاتحاد البرلماني الدولي وأصبح عضواً فاعلاً في نشاطاته . وعند افتتاح الدورة الأولى لمجلس الشعب الجديد في 8 آب 1977 الذي صادف بداية شهر رمضــان المبارك ألقــى الرئيس حافظ الأسد خطاباً أمام النواب أعاد فيه إلى الأذهان أنه في هــذا الشهر المبارك بالذات جرى حدثان هامان في تاريخ سورية الحديث هما انتصار الحركة التصحيحية وحرب تشرين عام 1973 التي برهنت الأمة العربية خلالها على وحدتها وتلاحمها وهذا ما أمن لها النصر على العدو في النضال من أجل السلام والعدالة . وأعرب الرئيس حافظ الأسد عن ارتياحه لنتائج الانتخابات إلى مجلس الشعب التي جاءت مثالاً على الانتخابات الحرة والنزيهة والديمقراطية . واستخلاصاً لنتائج عمل مجلس الشعب السابق أشار رئيس الدولة بصورة خاصة إلى نشاطه الدولي الذي تم بفضله إنشاء الاتحاد البرلماني العربي وزيادة فعالية الحوار العربي – الأوروبي البرلماني . وأكد السيد الرئيس أن إقامة الديمقراطية الشعبية في المجتمع السوري تعتبر أحد الاتجاهات الأساسية للنشاط السياسي الداخلي لحزب البعث العربي الاشتراكي وقال : " لقد أعلنا منذ أولى خطوات الحركة التصحيحية وما زلنا نعلن أننا نؤيد مبادئ الحرية والديمقراطية ليس قولاً بل عملاً. وإن إقامة دولة عصرية وتحقيق المصالح القومية يتطلبان بالدرجة الأولى ضمان الحرية والديمقراطية . وذكر رئيس الجمهورية النواب بأنهم يقفون في الصفوف الأولى لهيئات السلطة ويتحملون مسؤولية جسيمة أمام الناخبين والشعب داعياً إياهم إلى استخدام كامل السلطة التي يقدمها لهم الدستور . وشدد الرئيس وبصورة خاصة على أن النواب يملكون الحق في استدعاء أي وزير وفي الرقابة على نشاطه ووعدهم بالدعم الكامل من جانب رئيس الجمهورية في هذا المجال . وتكلم السيد الرئيس حافظ الأسد أيضاً عن ضرورة تعزيز الوظيفة الرقابية لمجلس الشعب عند افتتاح الدورة الأولى لمجلس الشعب الجديد في 16 تشرين الثاني عام 1981 لافتاً النظر بصورة خاصة إلى عدم جواز التقصير من قبل أحد فروع السلطة عند تنفيذ التزاماته الدستورية . وأكد قائلاً : " تنفيذاً لإرادة الشعب ومصالح الوطن العليا يجب على كل فرع من فروع السلطة أن ينفذ بالكامل المهمات التي يحددها الدستور دون أية ثغرات ودون أن يتجاوز المدة الدستورية ". استخلاصاً لنتائج تحليل تطور السلطة التمثيلية في سورية يمكن القول إن هذه المؤسسة لعبت طوال تاريخ سورية الحديث دوراً هاماً وحتى الدور الحاسم أحياناً في الحياة الاجتماعية للبلاد . وإن البرلمان الذي جسد التقاليد التاريخية للشعب السوري ومبادئ العصر لفصل السلطات أصبح بمثابة إحدى المؤسسات الأساسية للديمقراطية بتعبيره عن مصالح شتى القطاعات الاجتماعية وإسهامه في تلاحم المجتمع . وإن انتصار الحركة التصحيحية فتح الطريق لإنجاز إقامة منظومة المؤسسات السياسية للسلطة الديمقراطية في سورية التي تميزت بالفصل الدقيق بين وظائف مختلف فروع السلطة . وإن نشاط السلطة التمثيلية المتجسدة في مجلس الشعب ، الذي يملك بموجب الدستور وظائف تشريعية ورقابية، يعتبر الشرط الأهم لمواصلة السير قدماً على طريق التقدم الاجتماعي وتعزيز وضع سورية على الصعيد الدولي .
مراجع البحث
|