مجلــة البرلمــان العــربي | ![]() |
| نشاطات الاتحاد الوجه الآخر للإعــلام الغــربي وقائع رحلة إلى فلسطين مؤامرة الصمت | . | للإعــلام الغــربي وقائع رحلة إلى فلسطين مؤامرة الصمت بقلم : كريستينا رويس كورتينا يخطئ شارون وأتباعه ، سواء كانوا من وزراء حزب العمل أم من الليكود أم من دعاة التشديد الصارم ، إن هم حسبوا أنهم قد يلينون من عريكة الشعب الفلسطيني أو يهزمون روحه النضالية وكفاحه التحرري . « إن أحداث الأسابيع الأخيرة أذهلتنا جميعاً، فللمرة الأولى رأينا كيف خرج البعض من الصحف المحلية عن نهجه المعتاد وكيف أن أشخاصاً ومؤسسات رفعوا الصوت عالياً بعد صمت طويل ، لقد أخذ الحديث يتردد بصراحة عن آبارتايد ، وتطهير عرقي ، وجرائم حرب ، ذلك أن أحداث هذه الأسابيع الأخيرة غيرت وتيرة دقات القلوب ، وبهذا أصبحت الكلمات مستحيلة وعاجزة عن التعبير لتفسح المجال للشعور بالذهول أمام هول الوقائع ، مع أن هذا الهول موجود ومستمر منذ سنين كثيرة وليس وليد أسابيع أو شهور ، لم يولد مع بداية الانتفاضة الثانية ولا مع الأولى ، فالهول هو وليد الاحتلال الذي ظل خافياً على الرأي العام، إنه الهول المعاش من قبل شعب على الصعيدين الافرادي والجماعي ، الهول الذي غدا لا يطاق، حياله يستحيل الصبر والاحتمال ، إنه ببسيط العبارة مرفوض وغير مقبول » . مليون من الفلسطينيين يعيشون في ظل نظام الآبارتايد والعنصرية داخل إسرائيل ، المحطة الأولى في إطار جولتنا ، وإسرائيل التي تكني نفسها ديمقراطية ويهودية تتردى في تناقض خطير يبدو أنه لم يثر مشاعر القلق لدى أحد في إطار المجتمع الدولي . إن القوانين الأساسية في إسرائيل المتعلقة بالمواطنية والمسماة بالعودة ( الهجرة اليهودية ) وملكية الأرض إنما تشكل حجر الأساس لنظام الآبارتايد ( الفصل العنصري ) القائم فعلاً بمثابة نظام لإسرائيل ، وهذه التشريعات تستكمل بقوانين أخرى كثيرة وبنظم تحول دون الأهالي الفلسطينيين الذين بقوا هناك ، والتمتع بمواطنية من الدرجة الأولى ، كما تمنع ما يزيد عن أربعة ملايين من اللاجئين النازحين من العودة إلى الأماكن التي نشؤوا فيها ، تحول دونهم ودون استعادة ممتلكاتهم والحصول على تعويض عما فقدوه من أموال ، وهذه القوانين تحرم الأهالي الفلسطينيين أيضاً من حق ملكية الأرض لتضعهم في مرتبة سكان غير شرعيين في قرى غير معترف بها ، وهكذا فهم يقطنون منازل غير نظامية يمكن هدمها في أية لحظة تحت ذريعة الافتقار إلى رخصة بناء ، ولا يسمح لهم باستعادة الجوامع أو الأماكن المقدسة ليمارسوا شعائرهم فيها . لقد شهدنا في إسرائيل الوجه القبيح لآبارتايد لا يبدو أنه يشكل أي ازعاج على صعيد دولي، فهل يمكن لدولة تتصرف بهذا الشكل مع مليون من سكانها أن تعتبر دولة حديثة ؟ أو يمكن لمثل هذه الدولة أن تعتبر ديمقراطية ؟ أيجوز لها من الناحية المسلكية والأخلاقية أن تعتبر طرفاً في اتفاقيات تجارية أو رياضية أو سياحية أو كشريك في المجالين العسكري والدفاعي ؟.. في القدس ، المدينة المحتلة منذ حرب 1967 ، لم تجد قرارات الأمم المتحدة نفعاً ، لقد كانت تلك الحاضرة المحطة الثانية لجولتنا ، وهنا أقرّ القرار منذ أيام غولدا مائير على أنه بمعزل عن القرارات أو مخطط التقسيم ينبغي أن تخلق على الطبيعة حالة مختلفة كأمر واقع . هكذا أصبحت للحياة اليومية التي تعيشها المدينة المقدسة خصائص مميزة مثل الاستحواذ على الممتلكات والمساكن ، هدم البيوت والمنازل ، بذريعة الافتقاد إلى رخصة بناء إقامة مستوطنات جديدة لليهود الوافدين في موجات متتالية من الهجرة ، عزل المدن والقرى ، افتقار الأحياء الفلسطينية للموارد والاستثمارات والبنى التحتية ، عدم الاعتراف بالأهالي الفلسطينيين ، تضييق الخناق على الاقتصاد وخنق السياحة ، حواجز تفتيش ، تهويد المدينة من خلال مطاردة السكان الفلسطينيين وهدم أحيائهم وإزهاق اقتصادهم ومصادرة مواطنيتهم ، حواجز تفتيش ، حواجز تفتيش . رام الله وبيت لحم تشكلان مرحلتين إجباريتين في إطار رحلتنا .. إن الملاحقات والاغلاق المفروضة على المدن تمنعنا حتى من التفكير بالذهاب إلى الخليل ، لكن رغم قرب المسافة ليس الذهاب إلى بيت لحم أو رام الله بالأمر الهين ، وليس هذا فحسب ، بل وللوصول إلى أي من المدينتين لابد من الذهاب سيراً على الأقدام عبر الجبال ، تماماً كما يفعل الفلسطينيون كلما عنّ على بال جيش الاحتلال الإسرائيلي أن يغلق مدينة ما . لقد تساءلنا : كيف يعبر ليلاً في هذه البراري المرضى من الأشخاص والنساء الحوامل وكبار السن ، الإذلال دائم مستمر وله وجوه عديدة ، يمكن لهم ( للجنود الإسرائيليين ) ألا يرقهم جواز سفرك ، أو عدم تفهم ما أنت فيه من عجلة أمرك ، أو عدم الاهتمام بما تعانيه النساء من آلام المخاض ، كما يمكن لهم أن يستبقوك أو يقتلوك برصاصة ، أو ببسيط العبارة أن يمنعوك من الخروج ، ويفرضوا عدم التجول .. إذاً على كل أن يلزم بيته ، الصغار لا يستطيعون الذهاب إلى المدارس ، ولا يقدر البالغون الوصول إلى مراكز عملهم ، ولا المرضى إلى المشافي ، ولا المزارعون إلى حقولهم . لقد كانت بيت لحم قفراً ، وساعة وصولنا تقاطر إلى الساحة باعة التذكارات ذات الصلة بكنيسة المهد ، بيد أن بيت لحم قصفت أيضاً ، والفنادق فيها استحالت إلى أهدف مفضلة ، المقصود هو تدمير الاقتصاد الفلسطيني ، لذا لا يكفي الحؤول دون وجود سياج ، بل لابد من العمل لمنع عودتهم خلال سنين كثيرة ، بعكس ذلك كانت حال الدهيشة ، هذا المخيم للاجئين الذي يمور بالحركة ، إنه مدينة حقيقية فيها يقوم مقر وكالة غوث اللاجئين « الأونروا » التي تزداد كل يوم افتقاراً إلى الأرصدة دليلاً لا يزول على تقاعس كافة الدول المنضوية في بوتقة الأمم المتحدة ، وبالأحرى برهاناً على تهاونها وضعف ذاكرتها معاً ، ما من أحد يحمي اللاجئين الفلسطينيين الذين يظلون تحت رحمة جيش الاحتلال الإسرائيلي ، كما تجلى بوضوح تام خلال هذه الأسابيع الأخيرة ، والحكومة الإسرائيلية التي ترفض الاعتراف بمسؤوليتها عن الأربعة ملايين لاجئ الذين تسببت في نزوحهم منذ عام 1948 تسعى لتزيد، إن كان هناك متسع لازدياد ، لكي يحرم الأهالي الفلسطينيون النازحون من الرعاية ، بل وليطمس ذكرهم على الإطلاق . أما بالنسبة لأولئك الذين سلبوا يوماً منازلهم وأرضهم وبقوا في إسرائيل ، فهم يقاصصون الآن بسبب بقائهم هذا ، فتهدم بيوتهم التي أقاموها في المخيمات ، بيد أن هذا ليس بالأمر المستجد ، فبالإضافة إلى إفقار السكان الفلسطينيين ( حيث نسبة البطالة في بعض المخيمات ، وبالتحديد مخيم الدهيشة ، تتجاوز 90% من مجموع القادرين على العمل ) ، تنتهج إسرائيل منذ زمن طويل سياسة محسوبة ترمي إلى نشر الذعر والرعب في الأراضي الفلسطينية المحتلة دون أن يخشى المعتدون عقاباً أو حساباً ، وكل هذا رغم عملية السلام . يخطئ شارون وأتباعه ، سواء كانوا من وزراء حزب العمل أم من الليكود أم من دعاة التشديد الصارم ، إن هم حسبوا أنهم قد يلينون من عريكة الشعب الفلسطيني أو يهزمون روحه النضالية وكفاحه التحرري ، أجل إنهم يخطئون، وهذا ما اتضح لنا من خلال المقابلات والزيارات التي أجريناها في القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة ، فبشكل جلي استبان لهم بأنهم لن يستطيعوا تركيع الشعب الفلسطيني لأنه اليوم أكثر اتحاداً وأوفر تصميماً من أي وقت مضى ، ليست غزة بأكبر مساحة من بعض المقاطعات الأندلسية ، ويمكن اعتبارها قطعة مسلوخة من الأندلس ، كما كانت هذه قبل بضع سنوات ، فضوءها وألوانها ونباتاتها وحرارة استقبال أهلها توحي إلينا ، إلى الكثيرين منا نحن أعضاء الوفد الأندلسي ، بأنها جزء منها ، ولا يميز سكانها سوى العزيمة والشغف والتصميم على النضال ، وهذه الأشياء هي وحدها التي تفسر حجم ما يضربونه من بطولة ويبدونه من بأس وصبر على المعاناة والألم . ما من شيء يمكن أن يقارن الوضع القائم في غزة ، فالحصار المفروض على مخيمي خان يونس ورفح قد يلفت في بعض الأحيان انتباه أجهزة الإعلام ، وذلك عندما تأتي ضربات البلدوزرات الإسرائيلية أقوى من اللزوم ، أما إطلاق النار على مساكن مخيمات اللاجئين فهو من الأمور العادية اليومية .. هناك غل حقيقي تجاه السكان لكنه ينسحب أيضاً على بيوتهم وكافة ممتلكاتهم . رفح وخان يونس يشبهان ساراييفو ودوبروفنيك ، أو هما شبيهان بغروزني ، القصف مستديم ، قذائف المدفعية تنخرهما بالثقوب ، الدبابات والجرافات تطوقهما باستمرار ، والأهالي يعيشون في ظل تهديم دائم وملاحقة لا تقتصر على أفراد جيش الاحتلال ، بل وتتعداها إلى المستوطنين ، وهؤلاء المستوطنون الذين تعتبرهم الهيئات الدولية « أهالي مدنيين » يعتمدون أنظمة عسكرية يتبعونها ، وهم مدربون على القتال ومدججون بالسلاح ، من أجل حمايتهم وراحتهم تغلق طرق غزة عندما يريدون المرور عبرها ، ولصالحهم تستملك أخصب الراضي التي يمتلكها المزارعون العرب أو يصار إلى اجتياح حقولهم الزراعية ومغارسهم ، تزال بيوت اللاجئين الفلسطينيين القريبة من مستوطناتهم ، تلوث أراضيهم بمياه مجاري المستوطنين ، تقام جدران برلين جديدة ، إلا أن المنظومة الدولية التي تهب على عجل وتقلق بشكل مريع حيال نزاعات أخرى ، تغمض الجفون إزاء هذا الوضع . عندما كنا هناك لم يقع قصف ولا غارات موجهة خصيصاً ، لم تنفذ عمليات اعتقال ضد رجال المخيمين ، لم يمت أطفال في تلك الأيام، إلا أن الألم المكبوت هو بمقدار ، إنه هائل مريع الذل المنزل بأولئك السكان ، كما هو مريع الفقر التراكمي الذي يرزحون تحته ، لم يستلزم الأمر وقوع عمل استثنائي كيما يصاب النطق بالعي وتتأجج ثورة الغضب فينا . الأمور المعتادة لا تتحدث أجهزة الاعلام عنها ، والمكابدة التي غدت أمراً عادياً في الحياة اليومية الفلسطينية لم تعد مادة إخبارية بالنسبة لتلك الأجهزة التي ترى في المقابل بمثابة نبأ مثير إقدام أي فلسطيني على الموت ، لكن ما من أحد يسأل عن الدافع رغم أن الشبان الذين سلكوا هذا السبيل أصبحوا يعدون بالعشرات ، ورغم أن كل القرائن تدل على أن الأمر يتعلق بقرار جماعي وليس برغبة فردية. منذ شهور والمنظمات الفلسطينية تطالب بحماية للأهالي المدنيين الفلسطينيين ، كما طالبت بإرسال مراقبين دوليين حياديين ليكونوا شهوداً على أعمال القصف والاغلاق والحصار التي تستهدف المدن في مناطق السلطة ، وليروا بأم العين ما تقترفه قوات الاحتلال من اضطهاد وقمع دون رادع ولا وازع . ولتغطية هذا النقص في القرار الدولي طلبت حضور أفراد وتنظيم مجموعات تطلع على أوضاعهم وتعايشهم أياماً ، لقد سرّنا المجيء لأن وجودنا أفرحهم بقدر ما أزعج الإسرائيليين، ولأنه أغاظ العسكريين الذين راحوا يتساءلون عن سبب ذهابنا إلى غزة ، ونحن أجبناهم عن أسئلتهم ، ذكرنا لهم نظام الفصل العنصري ( الآبارتايد ) وجرائم الحرب ... إلخ . ولقد سررنا لأننا استقبلنا في غزة بأجمل عبارات الترحيب « الصديق وقت الضيق » ، لكن مسرتنا الكبرى تمثلت بما عناه حضورنا من كسر لمؤامرة الصمت ، لأننا رأينا ما يبدو أن إخفاءه كان مطلباً ، كأنهم كانوا يريدون تغطية الشمس بالإصبع . الإحصائيات تحكي كل شيء ، فعدد القتلى الفلسطينيين قد تجاوز (1300) ، أما الجرحى فعددهم يكاد لا يحصر .. إن القمع الممارس هذه الأيام تقشعر لهوله الأبدان ، لكن الصمت المخيم على الأوساط الدولية ، وبشكل خاص الجمود والإحجام عن اتخاذ القرار باعتماد آليات ضغط حقيقية ضد إسرائيل ، إنما ينطوي على تواطؤ واسع الأبعاد ، ذلك انه لدى أوروبا ما يكفي من الآليات لإفهام إسرائيل بأنه عليها أن تضع حداً لأطماعها التوسعية ، ولنزعاتها الحربية ، وأنه عليها أيضاً أن تنصاع لقرارات الأمم المتحدة . إن اتفاقية المعاملة التفضيلية في التجارة الموقعة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل تجبر إسرائيل على الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان واحترام تلك الحقوق ، بيد أن أوروبا لم تشأ مضايقة إسرائيل بدافع من « حياء إنساني » لتستحيل إلى شريك متواطئ مع القاتل ولتلزم صمتاً مؤسساتياً ينطوي ، في هذا المجال وعلى هذا المستوى ، على كم هائل من الاجرام ، وفي الوقت نفسه يضع موضع الشك مسألة بقاء القيم السلوكية والأخلاقية والإنسانية التي تقول أوروبا أنها تدافع عنها . |