الاتحاد البرلماني العربي

مجلــة البرلمــان العــربي
السنة الرابعة والعشرون - العدد السابع والثمانون: تموز/ يوليو - آب / أغسطس 2003

شعار الاتحاد البرلماني العربي
حـدث وتعليــق

من "الاتحاد البرلماني العربي" إلى "البرلمان العربي"

في الحادي والعشرين من حزيران - يونيو - عام 1974، وفي اجتماع تأسيسي لممثلي عشرة برلمانات عربية أعلن في العاصمة السورية - دمشق - عن ولادة "الاتحاد البرلماني العربي"- أول مؤسسة برلمانية عربية في التاريخ العربي المعاصر. ومن العوامل الأساسية التي شجعت على إنشاء هذه المؤسسة العربية الهامة وسرعت عملية ظهورها إلى الوجود أجواء التضامن والتفاؤل والثقة بالعمل العربي المشترك التي عمت البلدان العربية إبان حرب تشرين - أكتوبر - 1973، وفي أعقابها. ومنذ ولادته حدد ميثاق الاتحاد الأهداف الأساسية له بتدعيم أسس التضامن العربي، وتعميق المفاهيم والقيم الديمقراطية، وتنسيق التشريع وتوحيده في الوطن العربي، وإتاحة فرص كافية للقاء والحوار بين البرلمانيين العرب وتعزيز الروابط فيما بينهم، وتنسيق جهودهم في مختلف المجالات، وتوحيد أنشطتهم في المنظمات والمحافل الدولية. من هذه الزاوية يمكن القول أن تأسيس الاتحاد البرلماني العربي، وبروزه على ساحة العمل القومي العربي المشترك قد جاء استجابة لضرورة الانتقال بالتمثيل البرلماني العربي من المستوى القطري إلى المستوى القومي الشامل، وتعبيراً عن القناعة بضرورة تدعيم وحدة العمل البرلماني العربي الجماعي في خدمة القضايا العربية المشتركة، تأكيداً لإيمان الإنسان العربي بأن بناء المستقبل الوضاء للأمة العربية يستلزم حشد جميع الطاقات وتوظيف جميع الإمكانات لمجابهة التحديات التي تواجهها الأمة العربية من جهة، وتعبيراً أيضاً عن الرغبة الجدية في خدمة قضايا التعاون الدولي والإسهام في ازدهار المجتمع الإنساني واستقراره، من جهة أخرى. كذلك جاء تأسيس الاتحاد البرلماني العربي تجسيداً للمبدأ الأساسي الذي يقوم عليه مفهوم الوحدة العربية، وهو وحدة الشعب العربي في جميع أقطاره ووحدة قضاياه ومصيره، وتكريساً لمبدأ الشورى الذي يعد أحد المبادئ الأساسية في تراث الأمة العربية والإسلامية.

ثلاثة عقود مضت حتى الآن على تأسيس الاتحاد البرلماني العربي، وهي أعوام زاخرة بالنشاط، عامرة بالتجربة، تمكن الاتحاد خلالها أن يتبوأ تدريجياً مكانته المرموقة، عربياً ودولياً، وأن يقدم الكثير من المنجزات الهامة في مختلف الميادين. وخلال هذه الفترة جرت في العالم كثير من التطورات والمستجدات التي أحدثت تغيراً نوعياً في الأوضاع العالمية وفي طبيعة العلاقات الدولية: فانهيار المعسكر الاشتراكي وانتهاء الحرب البادرة، وتبلور النظام العالمي الجديد ذي القوة المهيمنة الواحدة التي تعمل بصورة واضحة على تهميش الأمم المتحدة، واتباع سياسة المعايير المزدوجة، وترويج مفاهيمها الخاصة حول الوضع الدولي ومستقبله واتجاهات تطوره، والعمل على فرض هذه المفاهيم والرؤى باستخدام كل أشكال الضغط، وصولاً إلى الحرب لإخضاع ما تسميه "الدول المارقة " التي لا ترى رؤيتها أو تحاول التصدي لتلك الرؤية. في نفس الوقت تذر العولمة قرنها على نطاق واسع في الاقتصاد والثقافة ما يهدد هويات الشعوب وحضاراتها وتراثها بالتداعي والتغييب - تلك هي أبرز سمات الوضع الدولي الراهن. في ظل هذه الظروف الدولية غير المؤاتية يمر الوضع العربي بمنعطف خطير، خاصة بعد تعثر عملية السلام في الشرق الأوسط نتيجة لاستفحال العدوانية الإسرائيلية ورفض إسرائيل لعملية السلام جملة وتفصيلاً، واحتلال العراق، وتزايد الضغوط والتحديات الإقليمية والدولية التي تستهدف الأمة العربية قاطبة، وجوداً ومصيراً. ومما لا شك فيه أن ضعف التضامن العربي، إن لم نقل غيابه الكامل، يوفر الظروف المناسبة لنجاح تلك الضغوط والتحديات. وفي ظل هذه الظروف تتعقد أيضاً قضايا التنمية، ومسيرة الديمقراطية وأوضاع حقوق الإنسان في العديد من البلدان العربية إلى حد يهدد استقرارها وأمنها. وإذا كانت الظروف الدولية التي أعقبت حرب تشرين عام 1973 قد جعلت من وجود الاتحاد البرلماني العربي ضرورة قومية ملحة‘ فإن الظروف الدولية والعربية الراهنة تتطلب إحداث تطوير نوعي في طبيعة الاتحاد ووظائفه ودوره، تطور من شأنه أن يوسع مهمات الاتحاد ويزيد من فاعليته ويلاقي المستجدات الراهنة ويتكيف معها. وقد أدرك البرلمانيون العرب هذه الحقيقة، وبدأوا منذ فترة غير قصيرة بالإعداد لهذه التطورات من خلال طرح فكرة تحويل "الاتحاد البرلماني العربي" إلى "البرلمان العربي" بوصفه منظمة تمثل الشعوب العربية وتعمل على إيجاد مرجعية تشريعية عربية قادرة - عن طريق التدرج، والأخذ بعين الاعتبار للخصائص الواقعية في كل بلد عربي - التحول مستقبلاً إلى سلطة تشريعية عربية واحدة. وقد بدأ الاتحاد الآن بالإعداد الواقعي لهذه المرحلة من خلال الاجتماع المشترك للجنتين القانونية والسياسية - البرلمانية الذي سيجري في الخرطوم في النصف الأول من أيلول - سبتمبر - 2003 لوضع مشروع متكامل لـ "البرلمان العربي" وإجراء التعديلات المناسبة في ميثاق الاتحاد ونظامه الداخلي، وعرضها على المؤتمر القادم للاتحاد الذي من المزمع عقده خلال شهر شباط - فبراير - 2004. ومما لا شك فيه أن النتائج التي ستخلص إليها اجتماعات الخرطوم ستشكل منعطفاً جديداً بالغ الأهمية في حياة الاتحاد، بل في حياة العمل العربي المشترك ومؤسساته القومية. وستكون لنا وقفة مع تلك النتائج عما قريب إنشاء الله.
رئيس التحرير
نـور الدين بوشـكوج
الأمين العام للاتحاد البرلماني العربي

^ العدد 87 - صفحة المحتوى

.
المحتــــوى