الاتحاد البرلماني العربي

مجلــة البرلمــان العــربي
السنة الرابعة والعشرون - العدد الثامن والثمانون: تشرين الثاني/ نوفمبر 2003

شعار الاتحاد البرلماني العربي
حـدث وتعليــق

من وعد بلفور إلى انتفاضة الأقصى

"إن حكومة جلالة الملكة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل جهودها لتسهيل تحقيق هذه الغاية … وأكون ممتناً لكم لو أبلغتم هذا التصريح إلى الاتحاد الفيدرالي الصهيوني"

هذا هو نص التصريح - الوعد الذي قطعه آرثر بلفور، وزير خارجية بريطانيا، في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر/ 1917، إلى الثري اليهودي اللورد روتشيلد، أحد أقطاب الحركة الصهيونية. وكان بذلك "وعداً" فريداً في التاريخ لأنه وعْد من أعطى ما لا يملك إلى من لا يستحق. وقد جسد هذا التصريح - الوعد جوهر المشروع الصهيوني الذي جاء محصلة لاندماج المصالح الاستعمارية العالمية مع الحركة الصهيونية للسيطرة على فلسطين، والهيمنة على مقدرات العرب وثرواتهم، والحيلولة دون تطورهم وتوحدهم.
لقد وظفت الحركة الصهيونية كل إمكاناتها في خدمة الاستعمار العالمي منذ مطلع القرن الماضي، واستطاعت أن تحقق العديد من أهدافها ومطامحها، بدءاً من قيام إسرائيل عام 1948، مروراً بتوسيع حدودها في عدوان عام 1967، واجتياح عاصمة عربية عام 1982، ومن ثم إعادة احتلال كل فلسطين بين عامي 2000 - 2003. ومن هذه الوقائع يصبح من الخطأ الاعتقاد أن المشروع الصهيوني سيقف عند الحد الذي وصل إليه، بل أنه مستمر ومتواصل حتى تحقيق الحلم الصهيوني الكبير في أرض ميعاد تجعل "أرض إسرائيل تمتد من الفرات إلى النيل"، إن لم يواجه باستراتيجية عمل عربية شاملة تنطلق من التصدي لهذا المشروع وقبر الهدف الذي يسعى إليه.
وإذا كان من غير الممكن التقليل من أهمية وحجم الدعم الخارجي (بريطانيا أولاً والآن الولايات المتحدة) في قيام إسرائيل ومساندتها وتقديم كل أشكال العون لسياساتها العدوانية التوسعية، فإن ذلك لا ينبغي أن يحجب عنا رؤية العوامل الذاتية الكامنة في واقعنا والتي لعبت دوراً مؤثراً في تنامي قوة إسرائيل وإمكاناتها في مواصلة مشروعها التوسعي. فالعرب لم يمتلكوا خلال العقود التسعة التي انقضت منذ نشوء إسرائيل أي مشروع موحد، سواء على الصعيد الرسمي أم على صعيد الأحزاب والقوى السياسية لمواجهة المشروع الصهيوني. وقد حكمت الموقف العربي طيلة هذه الفترة رؤى مختلفة ومتناقضة حول كيفية إدارة الصراع ووسائل المجابهة، ما أدى، وما يزال يؤدي، إلى بعثرة القوى وتفتيتها.
وحتى الآن كان الرد الفلسطيني -وهذا أمر طبيعي- هو الأكثر أثراً والأقدر على التواصل والاستمرار. فانتفاضة الأقصى البطلة - التي هي تتويج لكل نضالات الشعب الفلسطيني منذ محنة عام 1948، قد استوعبت الكثير من الدروس، واختزنت الكثير من الإمكانات والخبرات التي ساعدتها وتساعدها على الصمود والتواصل. وهاهي قد دخلت في الثامن والعشرين من أيلول - سبتمبر - الماضي عامها الرابع وهي أكثر تصميماً على إلحاق الهزيمة بالعدو وانتزاع النصر.
لقد احتلت القضية الفلسطينية، وما تزال تحتل مركز الصدارة في النشاط السياسي للاتحاد البرلماني العربي. ومنذ اندلاعها في أيلول - سبتمبر - عام 2000 أعلن الاتحاد دعمه المطلق لها ووظف جميع الإمكانات المتاحة له، عربياً وإقليمياً ودولياً، لمناصرتها وتوفير المساندة لها.
وفي ذكراها الرابعة ننحني خشوعاً وإجلالاً لشهداء الانتفاضة، ونوجه تحية اعتزاز وإكبار لأبطال الحجارة ونشطاء الانتفاضة الميامين الذين يواصلون الكفاح في أقسى الظروف وفي مواجهة أشرس الأعداء، مؤكدين لهم بأن يظل العمل لنصرة قضية فلسطين ومساندة كفاح شعبنا المجاهد هناك همنا الأول والدائم.

صفاً واحداً مع الشقيقة سورية

في حزيران - يونيو 2003 عقد مجلس الاتحاد البرلماني العربي دورته الثالثة والأربعين العادية في بيروت. وفي البيان الختامي الصادر عن تلك الدورة أشار مجلس الاتحاد إلى أن الأمة العربية تتعرض منذ فترة لهجمة عدوانية تستهدف هذه الأمة في وجودها ومصيرها، وتهدد أمن الدول العربية وسيادتها، وترمي إلى إحداث تغييرات في خارطة المنطقة للسيطرة عليها والتحكم بثرواتها. وفي بيانات وتحليلات لاحقة أوضح الاتحاد أن تجليات هذه الهجمة تظهر في حرب الإبادة الشاملة التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، وفي احتلال العراق، وكذلك في التهديدات والضغوطات الموجهة ضد سورية.
وفي الخامس من تشرين الأول هاجمت الطائرات الإسرائيلية موقعاً مدنياً قرب دمشق، وفي نفس الفترة بدأ مجلس النواب الأمريكي يناقش (قانون محاسبة سورية). لقد تحققت توقعات الاتحاد البرلماني في قراءته للأوضاع السياسية، وشهدت الأسابيع القليلة الماضية تصعيداً خطيراً لأجواء التوتر في المنطقة. وكان من الطبيعي، عندما بلغ العدوان والتحدي هذه الدرجة من التعقيد والخطورة، أن لا يقف الاتحاد البرلماني العربي مكتوف الأيدي، بل اتخذ موقفاً حازماً من العدوان عبر عنه في عقد دورته الرابعة والأربعين الطارئة في العاصمة السورية دمشق. لقد عقدت الدورة تحت شعار : "الوطن العربي .. كله سورية".
وأكد البيان الختامي الصادر عن الدورة، وكذلك كلمات الأخوة رؤساء البرلمانات والوفود، أن العدوان الإسرائيلي على سورية، وقانون محاسبة سورية هما وجهان لحملة الضغط الصهيوني - الأمريكي على البلد الشقيق. ويمثل هذان الحدثان انتهاكاً سافراً للقانون الدولي واحتقاراً للمجتمع الإنساني، وتحدياً للثوابت الوطنية والقومية. وهذا الواقع يستدعي أكثر من أي وقت مضى توحيد الصف ولم الشمل وتعزيز التضامن وتوجيه الإمكانات العربية لخدمة المصالح المشتركة للأمة، والحفاظ على أمنها القومي وضمان استقرارها، وترسيخ مكانتها الدولية.
لقد قال الاتحاد كلمته، ووضع برنامج عمل للتحرك على الساحتين الإقليمية والدولية انتصاراً لسورية ومواقفها المبدئية الثابتة. وإننا على ثقة أكيدة أن سورية سوف تنتصر في مواجهتها لهذه التحديات والضغوط، بفضل قدرتها على الصمود وحكمة قيادتها، وبفضل المساندة العربية الفعالة لمواقفها، ولوقوف جميع أحرار العالم إلى جانبها، و أيضاً لأن تجارب التاريخ تؤكد أن النصر معقود لواؤه للشعوب المناضلة في سبيل حريتها واستقلالها وسيادتها.

رئيس التحرير
نـور الدين بوشـكوج
الأمين العام للاتحاد البرلماني العربي

^ العدد 88 - صفحة المحتوى

.
المحتــــوى

[ الاتحاد البرلماني العربي - صفحة البداية ] [ البرلمان العربي - قائمة الأعداد ] [ منشورات الاتحـاد ] [ بريد الاتحـاد ]