الاتحاد البرلماني العربي

مجلــة البرلمــان العــربي
السنة الرابعة والعشرون - العدد الثامن والثمانون: تشرين الثاني/نوفمبر 2003

شعار الاتحاد البرلماني العربي

راهنية العلاقات الإسرائيلية الافريقية
ومستقبلها .. في عالم متغير


- مقدمة
- أولاً : محددات السياسة الإسرائيلية في إفريقيا
- ثانياً : مراحل تطور العلاقات الإسرائيلية الإفريقية
- ثالثاً: السياسة الإسرائيلية والبحث عن الهيمنة
.


راهنية العلاقات الإسرائيلية الافريقية
ومستقبلها .. في عالم متغير

بقلم عز الدين المفلح

مقدمة
من المعروف أن إسرائيل كانت أول دولة تفتتح سفارة لها في العاصمة الغانية ـ أكرا ـ بعد أقل من شهر على حصول غانا على استقلالها عام 1957 ، ومنذ ذلك الوقت والدولة العبرية تسعى جاهدة لكسب النفوذ وتعظيم أهداف سياستها الإفريقية بأقل تكلفة ممكنة . فإسرائيل ليست دولة غنية بمفهوم الثراء المادي ، ولكنها استطاعت من خلال توثيق عرى التعاون الفني بينها وبين الدول الإفريقية على مدى أكثر من أربعين عاماً أن يكون لها سفراء معتمدون في أربعين عاصمة إفريقية جنوب الصحراء وتحاول إسرائيل جاهدة تقويم سياستها الإفريقية ، وذلك من دروس وتجارب الماضي .

وليس بخاف أن دراسة مسيرة التغلغل الصهيوني في القارة الإفريقية تحمل أهمية بالغة؛ وذلك لعدة اعتبارات :

أولها : أن فرض الكيان الصهيوني في منطقة الشرق الأوسط أدى إلى خلق نظام إقليمي صراعي بحيث أنه أضحى سمة لازمة للتفاعلات العربية « الإسرائيلية » . يعني ذلك أن تحرك « إسرائيل » في تفاعلاتها الخارجية جعلها ترتبط بهذه الوضعية التي أخرجت علاقاتها مع دول المنطقة عن مصاف العلاقات الطبيعية بين الدول.

وثانيهما : ارتباط وتأثر العلاقات الإسرائيلية » الإفريقية بالعلاقات العربية الإفريقية أدى ذلك إلى النظر إلى القارة الإفريقية باعتبارها ساحة للتنافس والصراع بين « إسرائيل » والدول العربية .

وثالثهما : ارتباط كل من « إسرائيل » والعرب والأفارقة بمتغيرات النظام الدولي ؛ حيث تأثرت العلاقات بين هذه المجموعات بإرادة وتوجهات النظام الدولي سواء القديم أو الجديد . وربما يكون التغير الهيكلي الذي شهده النظام الدولي منذ بداية أعوام التسعينات وأودى بحياة الحرب الباردة في غير صالح العرب والأفارقة ، وهو ما أفاد يقيناً «الدولة العبرية» التي راحت تعيد أولويات حركتها الخارجية بما يحقق لها الهيمنة الإقليمية ، وأحلامها التوراتية في بناء دولة كبرى .

وتحاول هذه الدراسة تحليل أهم محددات السياسة « الإسرائيلية » تجاه افريقيا ؛ وذلك لبيان حقيقة الوجود « الإسرائيلي » في افريقيا عبر فترات زمنية مختلفة وذلك في محور أول. أما المحور الثاني ، فإنه يركز على تطور العلاقات « الإسرائيلية » الافريقية منذ بداية التغلغل في الخمسينيات ، ومروراً بالقطيعة الافريقية «لإسرائيل» في السبعينيات ، وانتهاء بالعودة الثانية « لإسرائيل » إلى افريقيا وما لحق بها من متغيرات وتحولات على مستوى الأهداف والسياسات . وأخيراً يتناول المحور الثالث ، ركائز السياسة « الإسرائيلية » في كسب الهيمنة والنفوذ في إفريقيا وانعكاس ذلك على العلاقات العربية الإفريقية .

^ العدد 88 - دراسات

أولاً : محددات السياسة الإسرائيلية في إفريقيا

1 - الصراع العربي الإسرائيلي :
حقيق على أي دارس لتطور العلاقات «الإسرائيلية» الإفريقية أن يعترف بأهمية ومحورية الصراع العربي « الإسرائيلي » في تحديد مسار هذه العلاقات ، وذلك من مناح مختلفة:

أولاً : انعكاسات الحرب الباردة على كل من النظامين الإقليميين العربي والإفريقي بدرجة أدت إلى استفادة « إسرائيل » بدرجة أكبر من غيرها من الأطراف الإقليمية .

ثانياً : إدراك « إسرائيل » المتزايد بأهمية افريقيا بحساباتها ساحة من ساحات إدارة الصراع العربي « الإسرائيلي » ؛ حيث اعترفت منذ البداية بثقل الصوت الإفريقي في الأمم المتحدة والذي برز واضحاً في مناسبتين :

  • الأولى : هي قرار الأمم المتحدة الذي يساوي بين الصهيونية والعنصرية عام 1975.
  • والثانية : هي عندما تم إلغاء القرار نفسه عام 1991 في سابقة غير متكررة عبر تاريخ المنظمة الدولية .
ثالثاً : أن حركة المد والجزر في العلاقات « الإسرائيلية » الافريقية ارتبطت بتطور الصراع العربي « الإسرائيلي » ؛ فالمقاطعة الدبلوماسية الإفريقية « لإسرائيل » في السبعينات ومعظم سنوات الثمانينات ، ثم العودة الكاسحة لهذه العلاقات منذ بداية التسعينات ارتبطت بحدثين هامين في تاريخ الصراع العربي « الإسرائيلي » ؛ أولهما : حرب تشرين / أكتوبر 1973 ، والثاني : هو انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط1991.

رابعاً : أن حالة الضعف الاستراتيجي للقارة الافريقية من حيث عدم وجود نظام قوي للأمن قد نظر إليها من جانب طرفي الصراع في الشرق الأوسط على أن افريقيا ساحة للاستقطاب وتحقيق مكاسب على حساب الطرف الآخر .

ومن الجلي أن نشير هنا إلى أن «إسرائيل» نظرت ومنذ البداية ، وبغض النظر عن أهدافها ومراميها الايديولوجية والتوراتية والبراجماتية ، إلى افريقيا باعتبارها قادرة على القيام بدور محوري في تسوية محتملة للصراع العربي «الإسرائيلي» ؛ وذلك استناداً إلى عدد من الحقائق وفقاً للرؤية « الإسرائيلية » لعل من أبرزها .

  • أولاً : الصداقة المتبادلة بينها وبين كل من العرب « والإسرائيليين » .
  • وثانياً : تحررها من الأبعاد النفسية والأخلاقية الخاصة بطبيعة الصراع في الشرق الأوسط ؛ وبالفعل طرحت عدة مقترحات إفريقية للوساطة بين العرب و « إسرائيل » ، وكان من بينها مبادرة الرئيس كوامي نكروما غير أنها باءت جميعاً بالإخفاق .
على أن حرب 1967 مثلت تطوراً مهماً في تاريخ التنافس « الإسرائيلي » العربي في افريقيا؛ حيث نظر الأفارقة إلى « إسرائيل » باعتبارها قوة احتلال تحتل أراضي دولة افريقية . صحيح أن موقف منظمة الوحدة الإفريقية لم يكن حاسماً بدرجة كافية ، ولكنه أكد على تأييد قرار الأمم المتحدة 242 القاضي بعدم شرعية احتلال « إسرائيل » للأراضي العربية . وكانت غينيا بقيادة الرئيس أحمد سيكوتوري هي الدولة الافريقية الوحيدة التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع « إسرائيل » بعد عدوان 1967 مباشرة ؛ بيد أنه مع تصاعد الدعم العربي لحركات التحرر الوطني في الجنوب الافريقي ، وخيبة أمل القادة الأفارقة من الدول الغربية لعدم مساعدتها في تنفيذ الخطة الافريقية الرامية إلى عزل جنوب افريقيا والبرتغال وروديسيا فإن الانتقاد الافريقي للعدوان « الإسرائيلي » ازدادت حدته حتى وصل الأمر قبل نشوب حرب تشرين/أكتوبر 1973 إلى قطع العلاقات الدبلوماسية . ففي عام 1972 قامت أوغندا بقطع علاقاتها مع « إسرائيل » ، ثم تبعتها سبع دول أخرى هي : تشاد ، ومالي ، والنيجر ، والكونغو برازافيل ، وبوروندي ، وزائير ، وتوجو .

وإذا كانت حروب الشرق الأوسط بين العرب و « إسرائيل » قد أحدثت مزيداً من التعقيدات في مركب العلاقات « الإسرائيلية » الافريقية فكذلك فعلت مبادرات التسوية السلمية في المنطقة . ففي أعقاب قيام الرئيس المصري أنور السادات بزيارة القدس عام 1977 وتوقيعه على اتفاقات كامب ديفيد عام 1979 بذلت محاولات عربية لعزل مصر إفريقياً بيد أنها لم تنجح . ففي القمة الإفريقية التي عقدت في ليبيريا عام 1979 قامت ست دول عربية أعضاء في المنطقة من بينها المغرب ، والجزائر ، وليبيا بمقاطعة القمة احتجاجاً على وجود السادات . وقد عملت « إسرائيل » حثيثاً على إعادة روابطها الإفريقية ، وهو ما اتضح جلياً في عودة علاقاتها مع زائير ( الكونغو الديمقراطية ) في 14/5/1982 ، لأن الأساس الذي بمقتضاه اتخذت الدول الافريقية قرار المقاطعة « لإسرائيل » قد انهار بعد تبادل السفراء بين كل من القاهرة وتل أبيب .

أياً كان الأمر فإن الإدراك الإفريقي لـ « إسرائيل » باعتبارها دولة صغيرة محدودة الموارد محاطة بأعداء من كل جانب ، قد تغير بعد احتلالها الأراضي العربية أثناء عدوان 1967 بيد أن هذا الإدراك قد تغير مرة أخرى مع بدء مسيرة التسوية السلمية ، وكان ذلك مرة أخرى لصالح « إسرائيل » .

^ العدد 88 - دراسات

2 - المكانة الافريقية في المنظومة الدولية :
على الرغم من أن افريقيا كانت قارة مجهولة بالنسبة للعاملين في وزارة الخارجية «الإسرائيلية» في أعوام الخمسينيات إلا أنها لم تكن كذلك على مستوى التفكير الاستراتيجي «الإسرائيلي» ؛ وذلك مقارنة بقارات العالم الأخرى . فأمريكا اللاتينية مثلت دائرة نفوذ للولايات المتحدة الأمريكية ، كما أن «إسرائيل» وجدت دعماً ومساعدة من القوى الغربية الرئيسية في أوروبا . وهنا كان عليها في سعيها للبحث عن الشرعية الدولية أن توجه أنظارها إلى آسيا وإفريقيا . أما بالنسبة لآسيا فقد كانت أشبه بالقارة « المغلقة » أمامها لعدة عوامل من بينها :

  • وجود دول كبرى قطعت شوطاً كبيراً في ميدان التنمية الاقتصادية .
  • وجود دول وجاليات إسلامية كبيرة وهو ما يجعلها أقرب لتأييد الموقف العربي .
  • تضاؤل فرص تسويق النموذج « الإسرائيلي » في التنمية في ظل وجود دول مثل الصين واليابان والهند .
وعليه ، فقد كانت افريقيا التي تؤهلها مكانتها الجيواستراتيجية فضلاً عن وجود عدد كبير من الدول بها التي تتطلع للحصول على مساعدات تنموية وتقنية من الخارج الخيار المناسب أمام صانع القرار « الإسرائيلي » . هذا بالإضافة إلى قدرة الدول الافريقية العددية في المحافل والمؤسسات الدولية والتي تكمن أهميتها في سياق الوعي بحقيقة الصراع العربي « الإسرائيلي » ، وإمكانية الاستفادة من الدور الافريقي في هذا المجال . وليس أدل على هذه الأهمية من أنه عندما اجتمعت الجمعية العامة للأمم المتحدة في منتصف حزيران/يونيو 1967 في جلسة خاصة بناء على طلب الاتحاد السوفييتي تأثر الموقف الإفريقي بدور الأطراف الخارجية ، ولاسيما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ، حيث حاول كل منهما ممارسة الضغوط لصالح القرار الذي يتبناه . فقد طرح مشروع قرار باسم مجموعة عدم الانحياز قدمته يوغسلافيا ، ونظر إليه على أنه موال للعرب ، كما طرح مشروع قرار باسم مجموعة دول أمريكا اللاتينية ونظر إليه باعتباره موالياً « لإسرائيل » .

وبتحليل السلوك التصويتي للمجموعة الافريقية نجد أن الدول التي ساندت الموقف « الإسرائيلي » سواء بشكل حاسم أم غير حاسم تصل إلى عشرين دولة . بيد أن هذا التوجه تغير تماماً عند مناقشة قرار الأمم المتحدة الذي يعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية ؛ حيث صوت لصالح القرار عشرون دولة افريقية من غير الأعضاء في جامعة الدول العربية ( باستثناء الصومال وموريتانيا ) ، كما عارض القرار خمس دول فقط ؛ بينما امتنعت عن التصويت اثنتا عشرة دولة . وليس بخافٍ أن هذين المثالين يعكسان بجلاء الدور الافريقي في الأمم المتحدة وهو ما ظهر مرة أخرى عند إلغاء هذا القرار عام 1991 .

^ العدد 88 - دراسات

3 - الجاليات اليهودية في افريقيا :
من المعلوم أن افريقيا تحتضن بين ظهرانيها جاليات يهودية متفاوتة الأحجام ومتباينة القوة والتأثير .
ففي شمال افريقيا جماعات من اليهود السفارديم الذين قدموا بالأساس من اسبانيا والبرتغال خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر . أضف إلى ذلك فقد قدمت إلى افريقيا جماعات من اليهود الإشكيناز من شمال وشرق أوروبا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين . وإذا كان حجم هذه الجاليات ، خارج جمهورية جنوب افريقيا ، هو جد متواضع إلا أن وضعها الاقتصادي في بعض دول افريقيا جنوب الصحراء مثل كينيا يتسم بالقوة والتأثير .

ويمكن القول إن يهود الفلاشا الاثيوبيين يمثلون واحدة من أفقر الجاليات اليهودية في العالم على الرغم من اعتقادهم الراسخ بأنهم يمثلون القبيلة المفقودة في التاريخ «الإسرائيلي» . وقد تم نقل معظم الفلاشا إلى « إسرائيل » جواً عبر السودان فيما عرف باسم « العملية موسى » التي بدأت في عام 1983 ووصلت إلى ذروتها خلال الفترة من تشرين الثاني/نوفمبر 1984 وفي آذار/مارس 1985 .

وبالمقابل ، فإن الجالية اليهودية في جنوب افريقيا تعد واحدة من أغنى الجاليات اليهودية في العالم . وطبقاً لأحد التقديرات فإن مساهمة يهود افريقيا في خزانة « الدولة العبرية » تأتي في المرتبة الثانية بعد مساهمة يهود الولايات المتحدة .. بيد أنه إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم كل من الجاليتين فإننا نلاحظ أن تبرعات يهود جنوب افريقيا بالنسبة إلى كل شخص تفوق في بعض السنوات تبرعات اليهود الأمريكيين . ولعل القضية المثيرة للاهتمام عند دراسة أوضاع الجالية اليهودية السوداء في «اسرائيل» تتصل بمفهوم الهوية اليهودية السوداء ، ونظرهم إلى « إسرائيل » باعتبارها جزءاً من التراب الافريقي ؛ إذ كانت تقطنها في الأصل شعوب افريقية داكنة البشرة .

أياً كان الأمر فإنه لا يمكن التقليل من أهمية متغير الجاليات اليهودية في توجيه وتخطيط العلاقات « الإسرائيلية » الإفريقية ؛ إذ لا يخفى أن نحو 20% من إجمالي المهاجرين اليهود إلى « إسرائيل » خلال الفترة من ( 1948 إلى 1995 ) هم من افريقيا .

^ العدد 88 - دراسات

ثانياً : مراحل تطور العلاقات الإسرائيلية الإفريقية

شهدت سياسات التغلغل « الإسرائيلي » في افريقيا مردودات متباينة ، بحيث يمكن التمييز بين خمس مراحل أساسية في تطور مسيرة العلاقات بين « إسرائيل » وافريقيا وهي :

المرحلة الأولى ( 1948 - 1957 ) - البحث عن شرعية الوجود وتأمين الكيان :

بعد إعلان قيام « الدولة العبرية » عام 1948 أولى صانع القرار « الإسرائيلي » اهتماماً كبيراً بتأسيس علاقات قوية وراسخة مع القوى الكبرى الأساسية في العالم مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفييتي . يعني ذلك أن « إسرائيل » في بحثها عن شرعية الوجود على الساحة الدولية وتأمين وجودها العضوي لم تنظر إلى المستعمرات الإفريقية ، بل انصب جلّ اهتمامها على القوى الاستعمارية الأوروبية (12) ومن أبرز المؤشرات التي تؤكد هذا المنحى « الإسرائيلي » أن
« إسرائيل » لم يكن لديها بنهاية عام 1957 سوى سبع سفارات فقط في العالم بأسره ، ست منها في القارة الأوروبية وأمريكا الشمالية .

ومن الجلي أن القارة الافريقية جنوب الصحراء كانت بمثابة أراض مجهولة
terra incognira بالنسبة للعاملين في وزارة الخارجية « الإسرائيلية » ، ولم ترغب الدول الافريقية في إقامة علاقات مع دول تمتلك العديد من الأعداء . لذلك كان منطقياً ألا يوجد دبلوماسي « إسرائيلي » واحد مقيم شمال جوهانسبورغ حتى حدوث الانفراجة في العلاقات « الإسرائيلية » الافريقية مع حصول غانا على استقلالها عام 1957 . على أن نقطة التحول الأساسية التي دفعت إلى حدوث تحول كبير في الدبلوماسية « الإسرائيلية » تجاه افريقيا تمثلت في عقد مؤتمر باندونغ عام 1955 ، إذ لم توجه الدعوة إلى « إسرائيل » لحضور هذا الحدث التاريخي الهام، بل ولم يقف عند هذا الحد حيث أدان المؤتمر في بيانه الختامي احتلال « إسرائيل » للأراضي العربية (13) . على أن ثمة متغيرات أخرى دفعت إلى توجيه الأنظار « الإسرائيلية » إلى افريقيا وهو ما أدى إلى دخول العلاقات
« الإسرائيلية » الافريقية في الستينات مرحلة جديدة .

^ العدد 88 - دراسات

المرحلة الثانية ( 1957 - 1973 ) - سياسات التغلغل :

يمكن التأريخ لبداية الانطلاقة «الإسرائيلية» في افريقيا بعام 1957، حيث كانت «إسرائيل» أول دولة أجنبية تفتح سفارة لها في أكرا بعد أقل من شهر واحد من حصول غانا على استقلالها (14) . وقد لعبت السفارة « الإسرائيلية » في أكرا دوراً كبيراً في تدعيم العلاقات بين البلدين ، وهو ما دفع إلى افتتاح سفارتين أخريين في كل من منروفيا وكوناكري؛ وذلك تحت تأثير إمكانية الحصول على مساعدات تنموية من « إسرائيل ». ومن جهة أخرى فقد تجسدت الرغبة «الإسرائيلية» في تأسيس علاقات قوية مع افريقيا في قيام غولدا مائير - وزيرة الخارجية « الإسرائيلية » آنذاك - عام 1958 بزيارة افريقيا لأول مرة حيث اجتمعت بقادة كل من ليبيريا وغانا والسنغال ونيجيريا وكوت ديفوار. وثمة مجموعة من المتغيرات الدولية والإقليمية أسهمت في تكثيف الهجمة « الإسرائيلية » على افريقيا ومن ذلك :
  • حصول عدد من الدول الافريقية على استقلالها في الستينات أدى إلى زيادة المقدرة التصويتية لإفريقيا في الأمم المتحدة حيث كان الصراع العربي « الإسرائيلي » من أبرز القضايا التي تطرح للتصويت .
  • إنشاء منظمة الوحدة الافريقية عام 1963 وضع تحدياً أمام « إسرائيل » ؛ حيث أنها لا تتمتع بالعضوية في هذا التجمع الآفرو عربي .
  • عضوية مصر المزدوجة في كل من جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الافريقية أعطاها فرصة إقامة تحالفات مع بعض القادة الأفارقة الراديكاليين من أمثال نكروما وسيكوتوري .
وبحلول عام 1966 كانت « إسرائيل » تحظى بتمثيل دبلوماسي في كافة الدول الافريقية جنوب الصحراء باستثناء كل من الصومال وموريتانيا . ومع ذلك فإن افريقيا كانت بمثابة ساحة للتنافس العربي « الإسرائيلي » .

^ العدد 88 - دراسات

المرحلة الثالثة ( 1973 - 1983 ) - أعوام المقاطعة :

قبل حرب تشرين / أكتوبر 1973 / كانت « إسرائيل » تقيم علاقات دبلوماسية مع خمس وعشرين دولة افريقية . بيد أنه في الأول من كانون الثاني عام 1974 تقلص هذا العدد ليصل إلى خمس دول فقط هي : جنوب افريقيا، وليسوتو، ومالاوي ، وسوازيلاند ، وموريشيوس.

وليس بخاف أن الدول الافريقية التي قامت بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع « إسرائيل » قد فعلت ذلك تأييداً للموقف المصري بحسبان مصر دولة افريقية تسعى إلى استعادة أراضيها من الاحتلال « الإسرائيلي » (16) . بيد أن بعض الباحثين يحاولون تفسير الموقف الإفريقي أنه كان يرمي إلى الحصول على المساعدات العربية ولاسيما من الدول النفطية (17) . وثمة مجموعة من العوامل أسهمت في دعم الموقف العربي في مواجهة الكيان الصهيوني خلال عقد السبعينيات . فقد شهدت هذه الفترة ظهور تجمعات لدول العالم الثالث تعبر عن مستوى أو آخر من التضامن مثل منظمة الدول المصدرة للبترول ( أوبك ) ومجموعة الـ 77 . كما أن « إسرائيل » جوبهت بسلاح البترول العربي ودعم كثير من دول العالم الثالث للموقف العربي . ففي عام 1973 أصبح الرئيس الجزائري هواري بومدين رئيساً لحركة عدم الانحياز ، وأثناء مؤتمر الحركة في الجزائر في العام نفسه اتخذ المؤتمرون قرارات تؤيد كلاً من مصر وسورية والأردن في استعادة أراضيها المحتلة ، كما تدعو إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع « إسرائيل » . وكان كل من كوبا وزائير وتوغو من أوائل الدول التي تستجيب لدعوة المقاطعة تلك .

وفي عام 1974 رشح وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بوتفليقة رئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة . وقد استطاع العرب وبمساعدة قوتهم النفطية إضفاء مزيد من الشرعية الدولية على منظمة التحرير الفلسطينية. إضافة لما سبق فقد نجحت الحملة العربية الرامية إلى عزل « إسرائيل » ووصفها بالعنصرية ، حيث تمت مساواتها بالنظام العنصري في جنوب افريقيا . استفادت الحملة العربية من المواقف والسياسات « الإسرائيلية » في افريقيا مثل :
  • الدعم « الإسرائيلي » للحركات الانفصالية الافريقية على شاكلة بيافرا في نيجيريا وجنوب السودان .
  • دعم وتأييد نظام التفرقة العنصرية في جنوب افريقيا .
صفوة القول : أن الموقف الافريقي وإن كانت له دلالات سياسية ودبلوماسية واضحة من زاوية الصراع العربي «الإسرائيلي» إلا أن «إسرائيل» ظلت على علاقة وثيقة - ولو بشكل غير رسمي مع معظم الدول الافريقية التي قامت بقطع العلاقات معها . وليس أدل على ذلك من أن التجارة « الإسرائيلية » مع افريقيا خلال الفترة من عام 1973 وحتى 1978 قد تضاعفت من 8ر54 مليون دولار إلى 3ر104 مليون دولار . وتركزت هذه التجارة بالأساس في الزراعة والتكنولوجيا .

وبنهاية عقد السبعينيات وأوائل الثمانينات كثفت « إسرائيل » جهودها من أجل علاقاتها الدبلوماسية بإفريقيا ، حيث قام وزير خارجيتها بإجراء اجتماعات مباشرة مع الزعماء الأفارقة سواء في الأمم المتحدة أو في العواصم الإفريقية . ومع ذلك فقد باءت هذه الحملة الافريقية بالإخفاق، وهو الأمر الذي دفع إحدى الصحف «الإسرائيلية» إلى عدم توقع قيام أي دولة افريقية كبرى بإعادة علاقاتها مع «إسرائيل » في المستقبل المنظور .

^ العدد 88 - دراسات

المرحلة الرابعة ( 1982 - 1991 ) - العودة الثانية :

استمرت « إسرائيل » في سياساتها الرامية إلى العودة إلى افريقيا ، وذلك من خلال تدعيم وتكثيف اتصالاتها الافريقية في المجالات كافة دون اشتراط وجود علاقات دبلوماسية . وفي عام 1982 أعلنت دولة افريقية واحدة هي زائير عن عودة علاقاتها مع « إسرائيل » ، لأن الرئيس موبوتو كان بحاجة ماسة للمساعدات العسكرية « الإسرائيلية »ولاسيما في ميدان تدريب الجيش.

على أن الدول الافريقية الأخرى التي حافظت على علاقات غير رسمية وثيقة مع « إسرائيل » لم تنهج نفس المسلك الزائيري ، وربما يعزى ذلك إلى العوامل التالية :
  • إن قرار الرئيس موبوتو كان منفرداً ، ولم يتم التنسيق مع الدول الأخرى . وقد حاجج البعض بأن قرار قطع العلاقات مع «إسرائيل» كان برعاية منظمة الوحدة الافريقية في أواخر الستينيات ، ومن ثم ينبغي أن يكون استئناف هذه العلاقات بقرار من المنظمة ذاتها .
  • إن الدول العربية كثفت من حملتها الدبلوماسية المضادة ، حيث استخدمت سلاح المساعدات الاقتصادية والتقنية كأداة للترغيب والترهيب في آن واحد .
  • إن « إسرائيل » قامت في الأسبوع الأول من حزيران 1982 بغزو لبنان وهو ما يؤكد التوسعية والعدوانية .

^ العدد 88 - دراسات

المرحلة الخامسة ( 1991 ) - سياسات التطبيع :

لقد شهدت هذه المرحلة إعادة تأسيس بين « إسرائيل » وافريقيا مرة أخرى ولاسيما خلال عامي 1991 و 1992 ، وربما يعزى ذلك إلى:

  • التغيرات في النظام الدولي وانعكاساته الاقليمية .
  • سقوط النظم الشعبوية والماركسية اللينينية في افريقيا .
  • الدخول في العملية التفاوضية بين العرب و « إسرائيل » منذ مؤتمر مدريد .
وقد تسارعت عودة العلاقات «الإسرائيلية» الافريقية حتى أنه في عام 1992 وحده قامت دول افريقية بإعادة تطبيع علاقاتها مع « إسرائيل » . وتسعى « إسرائيل » إلى تعزيز سياساتها الافريقية بدرجة تفوق طموحاتها خلال عقد الستينات وأوائل السبعينات . وطبقا للبيانات « الإسرائيلية » فإن عدد الدول الافريقية التي أعادت علاقاتها الدبلوماسية أو أسسها منذ مؤتمر مدريد في تشرين الأول 1991 قد بلغ ثلاثين دولة (20) . وفي عام 1997 بلغ عدد الدول الافريقية التي تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع « إسرائيل » 48 دولة . وتحاول « إسرائيل » جاهدة الاستفادة من دروس الماضي بما يرسخ أقدامها في القارة الافريقية ، وذلك من خلال التأكيد على الأدوات الثلاث الآتية :

^ العدد 88 - دراسات

أولاً - المساعدات الاستخبارية والتدريبات العسكرية :

من الملفت للنظر حقا أن « إسرائيل » تمتلك مصداقية كبيرة لدى الدول الافريقية في ميادين الاستخبارات والتدريبات العسكرية . فقد ركزت « إسرائيل » في تفاعلاتها الافريقية منذ البداية، وحتى في ظل سنوات القطيعة الدبلوماسية بينها وبين افريقيا ، خلال الفترة من 1973 - 1983، على المساعدات العسكرية لعدد من الدول الافريقية مثل زائير ( جمهورية الكونغو الديمقراطية حالياً ) والكاميرون . وبديهي أن الدول الافريقية التي تعاني من الصراعات والانقسامات الاجتماعية والانشقاقات داخل صفوف النخب السياسية الحاكمة تهتم اهتماماً بالغاً بقضايا المساعدات الأمنية والاستخبارية ، وهو ما دأبت السياسة «الإسرائيلية» في افريقيا على التركيز عليه في جميع مراحل علاقاتها الافريقية منذ أعوام الستينات . فمع تنامي المد الناصري في افريقيا وتعهد الرئيس عبد الناصر بطرد « إسرائيل » من افريقيا قامت « إسرائيل » بتعزيز تواجدها في اثيوبيا . وأرسلت عملاء الموساد لتدريب قوات الشرطة الاثيوبية . ومع سقوط نظام هيلا سيلاسي ومجيء نظام مانغستو ظلت «إسرائيل» على علاقة وثيقة بإثيوبيا ، ولا أدل على ذلك من أن اثيوبيا امتنعت عن التصويت على قرار الأمم المتحدة عام 1975 والذي يقضي بمساواة الصهيونية بالعنصرية . ومع دخول القرن الافريقي أتون الصراعات الاثنية والسياسية أصبح المجال مفتوحاً أمام التركيز مرة أخرى على أداة المساعدات العسكرية والاستخبارية التي تمارسها « إسرائيل » في هذه المنطقة المهمة لها استراتيجياً بسبب ارتباطها بأمن البحر الأحمر ، وكذلك ارتباطها بأمن بعض الدول العربية المؤثرة مثل السودان ومصر .

^ العدد 88 - دراسات

ثانياً - المساعدات الفنية :

وقد اشتملت منذ البداية على ثلاثة مجالات أساسية هي : نقل المهارات التقنية وغيرها من خلال برامج تدريبية معينة ، وتزويد الدول الافريقية بخبراء « إسرائيليين » لمدة قصيرة أو طويلة المدى ، وإنشاء شركات مشتركة أو على الأقل نقل الخبراء والمهارات الإدارية للشركات الافريقية . وتشير الإحصاءات التي نشرها مركز التعاون الدولي التابع لوزارة الخارجية
« الإسرائيلية » أن عدد الأفارقة الذين تلقوا تدريبهم في « إسرائيل » عام 1997 وصل إلى نحو 742 متدرباً إضافة إلى نحو 24636 افريقياً تلقوا تدريبهم من قبل مركز التدريب « الإسرائيلي » خلال الأربعين سنة الماضية . وقد قامت « إسرائيل » بإعادة تقويم أداء المراكز التدريبية الخاصة بإفريقيا وهي :

  • مركز جبل كارمن بمدينة حيفا الذي ينظم حلقات دراسية للمرأة الافريقية في ميدان التنمية.
  • مركز دراسة الاستيطان الذي يوفر تدريبات في البحوث الزراعية والتخطيط الإقليمي .
  • المركز الزراعي الذي يوفر الخبراء والمساعدات الفنية لتعظيم استخدام الموارد المتاحة.
  • قسم التدريب الأجنبي الذي يهتم بقضايا التنمية الريفية .
  • المعهد الأفروآسيوي للهستدروت الذي يهتم بأنشطة الاتحادات العمالية .
وتطرح « إسرائيل » نموذجاً مهماً بالنسبة للدول الافريقية في ميدان محاصيل الأراضي القاحلة وشبه القاحلة . وعلى سبيل المثال فإن البرنامج الدولي لمحاصيل الأراضي القاحلة والذي تتبناه جامعة بن غوريون بصحراء النقب بتمويل من اليونسكو ووزارة الخارجية الفنلندية ومركز ( التعاون الدولي « الإسرائيلي » ) يسعى إلى إقامة مشروعات زراعية في افريقيا بغرض محاربة التصحر ، وخلق البيئة المواتية للزراعة الدائمة .

^ العدد 88 - دراسات

ثالثاً - تجارة السلاح والألماس :

من المعلوم أن « إسرائيل » توفر السلاح للدول الافريقية بالإضافة إلى التدريب العسكري، وتفيد الخبرة التاريخية أن «إسرائيل» تتعامل مع الأشخاص الأفارقة وذوي النفوذ أو الذين لهم مستقبل سياسي فاعل في بلدانهم . ولعل حالة الرئيس الكونغولي الراحل موبوتو سيسيسكو تطرح مثالاً واضحاً ، فقد تلقى تدريباً «إسرائيلياً» ثم أصبح رئيساً للدولة بعد ذلك بعامين . ولا يخفي أن « إسرائيل » تقوم بتزويد العديد من الدول الافريقية بالأسلحة مثل اثيوبيا واريتريا .

وطبقاً لتقارير الأمم المتحدة وبعض التقارير الأخرى فإن هناك تورطاً لشركات «إسرائيلية» ولتجار « إسرائيليين » في التجارة غير المشروعة للألماس . فمن المعروف أن مافيا هذا الحجر الثمين تقوم بتهريبه من دول مثل الكونغو وسيراليون وأنغولا عبر دول الجوار ليصل إلى هولندا ، ثم بعد ذلك إلى مراكز تصنيع الألماس في عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة بالإضافة إلى « إسرائيل » والهند . على أن هذه التجارة غير المشروعة توازيها تجارة أخرى غير مشروعة في السلاح، حيث يتم عقد صفقات لشراء الأسلحة وهو ما يسهم في استمرار واقع الصراعات والحروب الأهلية في الدول الافريقية الغنية بالألماس ، وهو ما يعود بالنفع المادي على كل المتورطين في هذه التجارة .

بيد أن وجود تجار « إسرائيليين » أو شركات « إسرائيلية » لا يقدم دليلاً على اتهام الحكومة «الإسرائيلية » بالتورط في هذه التفاعلات التجارية غير المشروعة ، وعلى هذه الشاكلة توجد اتهامات « لإسرائيل » بدعم بعض الجماعات الإقليمية غير العربية في دول الشمال الافريقي مثل جماعات البربر في المغرب العربي، والجيش الشعبي لتحرير السودان بزعامة جون غارانغ . لكن السؤال يبقى مطروحاً حول مدى مصداقية أو صحة هذه التقارير التي عادة ما تستند إلى اجتهادات استخباراتية .

بيد أن الخلاصة التي يستطيع المرء أن يصل إليها بكل سهولة ويسر هي أن «إسرائيل» استطاعت فعل ذلك من خلال معرفتها بواقع ومشكلات الدول الافريقية ، وذلك دون عناء وجهد .

^ العدد 88 - دراسات

ثالثاً: السياسة الإسرائيلية والبحث عن الهيمنة :

ليس بخاف أن التغيرات الهيكلية التي شهدها النظام الدولي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وبروز عصر العولمة الأمريكية وما صاحب ذلك من تغيرات في النظم الإقليمية ومن بينها منطقة الشرق الأوسط قد جاء بتأثيرات ملموسة على تطور العلاقات « الإسرائيلية » الافريقية. فدخول أطراف الصراع العربي «الإسرائيلي» مسار العملية التفاوضية قد أدى إلى إضفاء المشروعية المطلوبة على الكيان الصهيوني وتأمين وجوده العضوي ، ومن ثم فإنه يسعى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة إلى تحقيق أهدافه التوسعية بحسبانه قوة إقليمية ، وذلك على حساب النظام الإقليمي العربي . على أن هدف تحقيق الهيمنة الإقليمية «لإسرائيل» في المرحلة الراهنة يقتضي إعادة تقويم واختيار عدد من القضايا الهامة ضمن منظومة العلاقات المتبادلة بين « إسرائيل » وافريقيا وذلك على النحو التالي :

1 - تأمين البحر الأحمر :
لقد كانت خطورة البحر الأحمر ولا تزال ماثلة في ذهن القيادات « الإسرائيلية » المتعاقبة. ولنتذكر أن بن غوريون في حرب 1948 أصدر تعليماته لموشي دايان بأن يضحي بأي شيء في سبيل موطئ قدم على شاطئ البحر الأحمر . وقد حدث بالفعل أن حصلت « إسرائيل » على ميناء ايلات . ومن الجلي أن الدولة العبرية تصبح بدون هذا المنفذ البحري وقد انقطعت كل صلة بينها وبين افريقيا وآسيا ، ولعلها اكتشفت هذه الحقيقة في حرب 1973 عندما تم إغلاق باب المندب في
وجهها . ونظراً لغياب قواعد عربية واضحة تحكم أمن البحر الأحمر ، ومع استقلال إرتيريا عام 1993 وابتعادها عن النظام العربي، فإن « إسرائيل » في ظل « التسوية السلمية » سوف تضمن تلبية مطالبها الأمنية الخاصة بالبحر الأحمر . وانطلاقاً من ذلك تحاول جاهدة الاستفادة لأقصى درجة من أجل تدعيم احتياجاتها الخاصة بالهيمنة والتوسع .

^ العدد 88 - دراسات

2 - التركيز على دول القرن الافريقي :
وتسعى « إسرائيل » من جراء ذلك إلى تحقيق أكثر من هدف واحد انطلاقاً من المتغيرات التالية :

  • وجود جالية يهودية كبيرة في إثيوبيا ( يهود الفلاشا ) صحيح أن « إسرائيل » تمكنت من نقل معظم الفلاشا إلا أن بعض الإحصاءات يؤكد على وجود نحو خمسة عشر ألفاً من هؤلاء لا يزالون يعيشون في إثيوبيا .
  • ارتباط القرن الإفريقي بالبحر الأحمر والخليج العربي ، ومن ثم فهو يرتبط تقليدياً بمنظومة الأمن « الإسرائيلي » والسعي من أجل تحقيق الاعتبار العسكري والاقتصادي .
  • ترتيب التوازن الإقليمي في المنطقة يرتبط بالأمن القومي العربي عموماً والمصري تحديداً، وذلك على ضوء العلاقات الصومالية الإثيوبية والأرتيرية . والوجود « الإسرائيلي » في المنطقة يساعد على تحقيق متطلباتها الأمنية.
ومن الملاحظ أن « إسرائيل » حافظت على وجودها دائماً في اثيوبيا بغض النظر عن طبيعة النظام الحاكم . فمع تنامي المخاوف الاثيوبية خلال عهد هيلا سيلاسي من «ثورية» النظام الناصري في مصر الذي تعهد بطرد « إسرائيل » من افريقيا ، سعت الدولة العبرية إلى تدعيم تواجدها في اثيوبيا ، وأرسلت عملاء الموساد لتدريب قوات الشرطة الاثيوبية . ومع سقوط نظام هيلا سيلاسي ومجيء نظام منغستو ظلت « إسرائيل » على علاقة وثيقة بإثيوبيا . ولا أدل على ذلك من أن أثيوبيا امتنعت عن التصويت على قرار الأمم المتحدة عام 1975 الذي يقضي بمساواة الصهيونية بالعنصرية . وبدخول القرن الافريقي في أتون الصراعات الاثنية والسياسية حيث انقسمت الصومال إلى دويلات وفقاً لمنطق حرب الكل ضد الكل ، وانهمك كل من ارتيريا واثيوبيا في صراع مرير تم فتح المجال واسعاً أمام تدخل أطراف أجنبية من بينها « إسرائيل » .

^ العدد 88 - دراسات

3 - التركيز على دول حوض النيل :
وليس بخاف أن هدف « إسرائيل » الثابت من وجودها في هذه المنطقة هو الرغبة في الحصول على مياه النهر والضغط على صانع القرار المصري نظراً لحساسية وخطورة «ورقة المياه» في الاستراتيجية المصرية . وأطماع « إسرائيل » في مياه نهر النيل قديمة ومعروفة . وعندما زار السادات القدس لأول مرة عام 1977 أحيا فكرة مد ترعة من النيل إلى النقب ، وهو ما نظر إليه البعض على أنه تعبير عن الرغبات الأمريكية «الإسرائيلية» الحقيقية . وبالفعل تقدمت « إسرائيل » بعدة مشروعات للحصول على نسبة 1% من مياه النيل . وقد حاولت « إسرائيل » في ظل المفاوضات متعددة الأطراف الخاصة بمشكلة الشرق الأوسط أن تطرح هذه القضية إلا أنها لم تنجح في ذلك .

ومن المعروف أن « إسرائيل » تلعب دوراً غير مباشر في صراع المياه بين دول حوض النيل استفادة من نفوذها الكبير في دول مثل اثيوبيا وكينيا ورواندا . ومع تفجر الصراع في منطقة البحيرات العظمى بعد الإطاحة بنظام موبوتو في الكونغو الديمقراطية ، حاولت « إسرائيل » المساهمة في إعادة ترتيب الأوضاع وذلك تحت المظلة ألأمريكية التي تقوم بدور نشط في هذه المنطقة مقارنة بالنفوذ الفرنسي التقليدي . وتكمن الرؤية «الإسرائيلية» في النظر إلى المنطقة بشكل شمولي أي بامتداداتها الجغرافية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر . ولتدعيم نفوذها في المنطقة تعمل « إسرائيل » على :

  • تشجيع جيل من القادة الجدد الذين ينتمون إلى الأقليات في بلدانهم ويرتبطون مع الولايات المتحدة - وبالطبع « إسرائيل » - بعلاقات وثيقة، ومن هؤلاء ميلس زناوي في اثيوبيا ، وأسياسي أفورقي في أرتيريا ، وجون غارانغ في جنوب السودان ، ويوري موسيفيني في أوغندة ، وبول كاغامي في رواندا .
  • محاصرة الأمن القومي العربي ولاسيما في امتداده المصري والسوداني وفق استراتيجية « حلف المحيط » أي إقامة تحالفات مع الدول والجماعات الإثنية والدينية المعادية للعرب هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى الاستفادة من وجودها في المنطقة للتلويح بورقة المياه في مواجهة السياسة المصرية .

^ العدد 88 - دراسات

4 - الوقوف في وجه الدول والحركات المعادية للغرب :

وفي هذا السياق يمكن تفهم الموقف «الإسرائيلي» من كل من ليبيا والسودان في ظل حكم الجبهة القومية الإسلامية . أضف إلى ذلك فإنها تحاول مساعدة الدول الافريقية ضد الحركات الإسلامية الأصولية . وتسعى « إسرائيل » من وراء ذلك إلى تحقيق أكثر من هدف واحد :

  • إذ إنها تقدم نفسها للعالم الغربي باعتبارها المدافع الأول عن القيم الديمقراطية العلمانية في مواجهة الحركات الأصولية الإسلامية .
  • وهي من جهة أخرى تحاول مساعدة الدول الإفريقية في ميادين الاستخبارات والتدريبات العسكرية ، وهي مجالات كانت «إسرائيل» موجودة فيها أصلاً ، وتمتلك مصداقية كبيرة لدى الدول الافريقية .
وأيا كان الأمر فإن « إسرائيل » تولي علاقاتها الإفريقية أهمية خاصة للأسباب والمحددات السابقة بيانياً .

وعلى الرغم من دخول الصراع العربي «الإسرائيلي» منعطفاً تاريخياً مهماً بعد عمليات «التسوية السلمية» فإن «إسرائيل» لا تزال تعول في حركتها الخارجية على استراتيجية إضعاف الخصم موضع التعامل ، وقد أوضحت الدراسة مؤشرات تلك الاستراتيجيـة مـن خلال بيـان طبيعــة الــدور « الإسرائيلي » في مناطق القرن الافريقي وحوض النيل والبحيرات العظمى ، ومساندة ما يسمى بجيل الزعماء الجدد في افريقيا . أضف إلى ذلك فإنها تشجع وتساند جماعات الأقلية ، ولا تتردد في هذا الخصوص في أن تقدم المعونة المادية والخبرة، بل تتولى تدريب رجالها على حركات العنف‎‎ المسلح . ولنتذكر في هذا السياق المحاولات «الإسرائيلية» الدؤوبة لنشر الفتن بين الأقليات غير العربية في شمال أفريقيا وجنوب السودان.

^ العدد 88 - دراسات


[ الاتحاد البرلماني العربي - صفحة البداية ] [ البرلمان العربي - قائمة الأعداد ] [ العدد الحالي - صفحة المحتويات ] [ بريد الاتحـاد ]