|
مجلــة البرلمــان العــربي
|
|
|
راهنية العلاقات الإسرائيلية الافريقية ومستقبلها .. في عالم متغير |
. |
بقلم عز الدين المفلح مقدمة 1 - الصراع العربي الإسرائيلي : حقيق على أي دارس لتطور العلاقات «الإسرائيلية» الإفريقية أن يعترف بأهمية ومحورية الصراع العربي « الإسرائيلي » في تحديد مسار هذه العلاقات ، وذلك من مناح مختلفة: أولاً : انعكاسات الحرب الباردة على كل من النظامين الإقليميين العربي والإفريقي بدرجة أدت إلى استفادة « إسرائيل » بدرجة أكبر من غيرها من الأطراف الإقليمية . ثانياً : إدراك « إسرائيل » المتزايد بأهمية افريقيا بحساباتها ساحة من ساحات إدارة الصراع العربي « الإسرائيلي » ؛ حيث اعترفت منذ البداية بثقل الصوت الإفريقي في الأمم المتحدة والذي برز واضحاً في مناسبتين :
رابعاً : أن حالة الضعف الاستراتيجي للقارة الافريقية من حيث عدم وجود نظام قوي للأمن قد نظر إليها من جانب طرفي الصراع في الشرق الأوسط على أن افريقيا ساحة للاستقطاب وتحقيق مكاسب على حساب الطرف الآخر . ومن الجلي أن نشير هنا إلى أن «إسرائيل» نظرت ومنذ البداية ، وبغض النظر عن أهدافها ومراميها الايديولوجية والتوراتية والبراجماتية ، إلى افريقيا باعتبارها قادرة على القيام بدور محوري في تسوية محتملة للصراع العربي «الإسرائيلي» ؛ وذلك استناداً إلى عدد من الحقائق وفقاً للرؤية « الإسرائيلية » لعل من أبرزها .
وإذا كانت حروب الشرق الأوسط بين العرب و « إسرائيل » قد أحدثت مزيداً من التعقيدات في مركب العلاقات « الإسرائيلية » الافريقية فكذلك فعلت مبادرات التسوية السلمية في المنطقة . ففي أعقاب قيام الرئيس المصري أنور السادات بزيارة القدس عام 1977 وتوقيعه على اتفاقات كامب ديفيد عام 1979 بذلت محاولات عربية لعزل مصر إفريقياً بيد أنها لم تنجح . ففي القمة الإفريقية التي عقدت في ليبيريا عام 1979 قامت ست دول عربية أعضاء في المنطقة من بينها المغرب ، والجزائر ، وليبيا بمقاطعة القمة احتجاجاً على وجود السادات . وقد عملت « إسرائيل » حثيثاً على إعادة روابطها الإفريقية ، وهو ما اتضح جلياً في عودة علاقاتها مع زائير ( الكونغو الديمقراطية ) في 14/5/1982 ، لأن الأساس الذي بمقتضاه اتخذت الدول الافريقية قرار المقاطعة « لإسرائيل » قد انهار بعد تبادل السفراء بين كل من القاهرة وتل أبيب . أياً كان الأمر فإن الإدراك الإفريقي لـ « إسرائيل » باعتبارها دولة صغيرة محدودة الموارد محاطة بأعداء من كل جانب ، قد تغير بعد احتلالها الأراضي العربية أثناء عدوان 1967 بيد أن هذا الإدراك قد تغير مرة أخرى مع بدء مسيرة التسوية السلمية ، وكان ذلك مرة أخرى لصالح « إسرائيل » . 2 - المكانة الافريقية في المنظومة الدولية : على الرغم من أن افريقيا كانت قارة مجهولة بالنسبة للعاملين في وزارة الخارجية «الإسرائيلية» في أعوام الخمسينيات إلا أنها لم تكن كذلك على مستوى التفكير الاستراتيجي «الإسرائيلي» ؛ وذلك مقارنة بقارات العالم الأخرى . فأمريكا اللاتينية مثلت دائرة نفوذ للولايات المتحدة الأمريكية ، كما أن «إسرائيل» وجدت دعماً ومساعدة من القوى الغربية الرئيسية في أوروبا . وهنا كان عليها في سعيها للبحث عن الشرعية الدولية أن توجه أنظارها إلى آسيا وإفريقيا . أما بالنسبة لآسيا فقد كانت أشبه بالقارة « المغلقة » أمامها لعدة عوامل من بينها :
وبتحليل السلوك التصويتي للمجموعة الافريقية نجد أن الدول التي ساندت الموقف « الإسرائيلي » سواء بشكل حاسم أم غير حاسم تصل إلى عشرين دولة . بيد أن هذا التوجه تغير تماماً عند مناقشة قرار الأمم المتحدة الذي يعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية ؛ حيث صوت لصالح القرار عشرون دولة افريقية من غير الأعضاء في جامعة الدول العربية ( باستثناء الصومال وموريتانيا ) ، كما عارض القرار خمس دول فقط ؛ بينما امتنعت عن التصويت اثنتا عشرة دولة . وليس بخافٍ أن هذين المثالين يعكسان بجلاء الدور الافريقي في الأمم المتحدة وهو ما ظهر مرة أخرى عند إلغاء هذا القرار عام 1991 . 3 - الجاليات اليهودية في افريقيا : من المعلوم أن افريقيا تحتضن بين ظهرانيها جاليات يهودية متفاوتة الأحجام ومتباينة القوة والتأثير . ففي شمال افريقيا جماعات من اليهود السفارديم الذين قدموا بالأساس من اسبانيا والبرتغال خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر . أضف إلى ذلك فقد قدمت إلى افريقيا جماعات من اليهود الإشكيناز من شمال وشرق أوروبا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين . وإذا كان حجم هذه الجاليات ، خارج جمهورية جنوب افريقيا ، هو جد متواضع إلا أن وضعها الاقتصادي في بعض دول افريقيا جنوب الصحراء مثل كينيا يتسم بالقوة والتأثير . ويمكن القول إن يهود الفلاشا الاثيوبيين يمثلون واحدة من أفقر الجاليات اليهودية في العالم على الرغم من اعتقادهم الراسخ بأنهم يمثلون القبيلة المفقودة في التاريخ «الإسرائيلي» . وقد تم نقل معظم الفلاشا إلى « إسرائيل » جواً عبر السودان فيما عرف باسم « العملية موسى » التي بدأت في عام 1983 ووصلت إلى ذروتها خلال الفترة من تشرين الثاني/نوفمبر 1984 وفي آذار/مارس 1985 . وبالمقابل ، فإن الجالية اليهودية في جنوب افريقيا تعد واحدة من أغنى الجاليات اليهودية في العالم . وطبقاً لأحد التقديرات فإن مساهمة يهود افريقيا في خزانة « الدولة العبرية » تأتي في المرتبة الثانية بعد مساهمة يهود الولايات المتحدة .. بيد أنه إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم كل من الجاليتين فإننا نلاحظ أن تبرعات يهود جنوب افريقيا بالنسبة إلى كل شخص تفوق في بعض السنوات تبرعات اليهود الأمريكيين . ولعل القضية المثيرة للاهتمام عند دراسة أوضاع الجالية اليهودية السوداء في «اسرائيل» تتصل بمفهوم الهوية اليهودية السوداء ، ونظرهم إلى « إسرائيل » باعتبارها جزءاً من التراب الافريقي ؛ إذ كانت تقطنها في الأصل شعوب افريقية داكنة البشرة . أياً كان الأمر فإنه لا يمكن التقليل من أهمية متغير الجاليات اليهودية في توجيه وتخطيط العلاقات « الإسرائيلية » الإفريقية ؛ إذ لا يخفى أن نحو 20% من إجمالي المهاجرين اليهود إلى « إسرائيل » خلال الفترة من ( 1948 إلى 1995 ) هم من افريقيا . المرحلة الأولى ( 1948 - 1957 ) - البحث عن شرعية الوجود وتأمين الكيان : بعد إعلان قيام « الدولة العبرية » عام 1948 أولى صانع القرار « الإسرائيلي » اهتماماً كبيراً بتأسيس علاقات قوية وراسخة مع القوى الكبرى الأساسية في العالم مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفييتي . يعني ذلك أن « إسرائيل » في بحثها عن شرعية الوجود على الساحة الدولية وتأمين وجودها العضوي لم تنظر إلى المستعمرات الإفريقية ، بل انصب جلّ اهتمامها على القوى الاستعمارية الأوروبية (12) ومن أبرز المؤشرات التي تؤكد هذا المنحى « الإسرائيلي » أن « إسرائيل » لم يكن لديها بنهاية عام 1957 سوى سبع سفارات فقط في العالم بأسره ، ست منها في القارة الأوروبية وأمريكا الشمالية . ومن الجلي أن القارة الافريقية جنوب الصحراء كانت بمثابة أراض مجهولة terra incognira بالنسبة للعاملين في وزارة الخارجية « الإسرائيلية » ، ولم ترغب الدول الافريقية في إقامة علاقات مع دول تمتلك العديد من الأعداء . لذلك كان منطقياً ألا يوجد دبلوماسي « إسرائيلي » واحد مقيم شمال جوهانسبورغ حتى حدوث الانفراجة في العلاقات « الإسرائيلية » الافريقية مع حصول غانا على استقلالها عام 1957 . على أن نقطة التحول الأساسية التي دفعت إلى حدوث تحول كبير في الدبلوماسية « الإسرائيلية » تجاه افريقيا تمثلت في عقد مؤتمر باندونغ عام 1955 ، إذ لم توجه الدعوة إلى « إسرائيل » لحضور هذا الحدث التاريخي الهام، بل ولم يقف عند هذا الحد حيث أدان المؤتمر في بيانه الختامي احتلال « إسرائيل » للأراضي العربية (13) . على أن ثمة متغيرات أخرى دفعت إلى توجيه الأنظار « الإسرائيلية » إلى افريقيا وهو ما أدى إلى دخول العلاقات « الإسرائيلية » الافريقية في الستينات مرحلة جديدة . المرحلة الثانية ( 1957 - 1973 ) - سياسات التغلغل : يمكن التأريخ لبداية الانطلاقة «الإسرائيلية» في افريقيا بعام 1957، حيث كانت «إسرائيل» أول دولة أجنبية تفتح سفارة لها في أكرا بعد أقل من شهر واحد من حصول غانا على استقلالها (14) . وقد لعبت السفارة « الإسرائيلية » في أكرا دوراً كبيراً في تدعيم العلاقات بين البلدين ، وهو ما دفع إلى افتتاح سفارتين أخريين في كل من منروفيا وكوناكري؛ وذلك تحت تأثير إمكانية الحصول على مساعدات تنموية من « إسرائيل ». ومن جهة أخرى فقد تجسدت الرغبة «الإسرائيلية» في تأسيس علاقات قوية مع افريقيا في قيام غولدا مائير - وزيرة الخارجية « الإسرائيلية » آنذاك - عام 1958 بزيارة افريقيا لأول مرة حيث اجتمعت بقادة كل من ليبيريا وغانا والسنغال ونيجيريا وكوت ديفوار. وثمة مجموعة من المتغيرات الدولية والإقليمية أسهمت في تكثيف الهجمة « الإسرائيلية » على افريقيا ومن ذلك :
المرحلة الثالثة ( 1973 - 1983 ) - أعوام المقاطعة : قبل حرب تشرين / أكتوبر 1973 / كانت « إسرائيل » تقيم علاقات دبلوماسية مع خمس وعشرين دولة افريقية . بيد أنه في الأول من كانون الثاني عام 1974 تقلص هذا العدد ليصل إلى خمس دول فقط هي : جنوب افريقيا، وليسوتو، ومالاوي ، وسوازيلاند ، وموريشيوس. وليس بخاف أن الدول الافريقية التي قامت بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع « إسرائيل » قد فعلت ذلك تأييداً للموقف المصري بحسبان مصر دولة افريقية تسعى إلى استعادة أراضيها من الاحتلال « الإسرائيلي » (16) . بيد أن بعض الباحثين يحاولون تفسير الموقف الإفريقي أنه كان يرمي إلى الحصول على المساعدات العربية ولاسيما من الدول النفطية (17) . وثمة مجموعة من العوامل أسهمت في دعم الموقف العربي في مواجهة الكيان الصهيوني خلال عقد السبعينيات . فقد شهدت هذه الفترة ظهور تجمعات لدول العالم الثالث تعبر عن مستوى أو آخر من التضامن مثل منظمة الدول المصدرة للبترول ( أوبك ) ومجموعة الـ 77 . كما أن « إسرائيل » جوبهت بسلاح البترول العربي ودعم كثير من دول العالم الثالث للموقف العربي . ففي عام 1973 أصبح الرئيس الجزائري هواري بومدين رئيساً لحركة عدم الانحياز ، وأثناء مؤتمر الحركة في الجزائر في العام نفسه اتخذ المؤتمرون قرارات تؤيد كلاً من مصر وسورية والأردن في استعادة أراضيها المحتلة ، كما تدعو إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع « إسرائيل » . وكان كل من كوبا وزائير وتوغو من أوائل الدول التي تستجيب لدعوة المقاطعة تلك . وفي عام 1974 رشح وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بوتفليقة رئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة . وقد استطاع العرب وبمساعدة قوتهم النفطية إضفاء مزيد من الشرعية الدولية على منظمة التحرير الفلسطينية. إضافة لما سبق فقد نجحت الحملة العربية الرامية إلى عزل « إسرائيل » ووصفها بالعنصرية ، حيث تمت مساواتها بالنظام العنصري في جنوب افريقيا . استفادت الحملة العربية من المواقف والسياسات « الإسرائيلية » في افريقيا مثل :
وبنهاية عقد السبعينيات وأوائل الثمانينات كثفت « إسرائيل » جهودها من أجل علاقاتها الدبلوماسية بإفريقيا ، حيث قام وزير خارجيتها بإجراء اجتماعات مباشرة مع الزعماء الأفارقة سواء في الأمم المتحدة أو في العواصم الإفريقية . ومع ذلك فقد باءت هذه الحملة الافريقية بالإخفاق، وهو الأمر الذي دفع إحدى الصحف «الإسرائيلية» إلى عدم توقع قيام أي دولة افريقية كبرى بإعادة علاقاتها مع «إسرائيل » في المستقبل المنظور . المرحلة الرابعة ( 1982 - 1991 ) - العودة الثانية : استمرت « إسرائيل » في سياساتها الرامية إلى العودة إلى افريقيا ، وذلك من خلال تدعيم وتكثيف اتصالاتها الافريقية في المجالات كافة دون اشتراط وجود علاقات دبلوماسية . وفي عام 1982 أعلنت دولة افريقية واحدة هي زائير عن عودة علاقاتها مع « إسرائيل » ، لأن الرئيس موبوتو كان بحاجة ماسة للمساعدات العسكرية « الإسرائيلية »ولاسيما في ميدان تدريب الجيش. على أن الدول الافريقية الأخرى التي حافظت على علاقات غير رسمية وثيقة مع « إسرائيل » لم تنهج نفس المسلك الزائيري ، وربما يعزى ذلك إلى العوامل التالية :
لقد شهدت هذه المرحلة إعادة تأسيس بين « إسرائيل » وافريقيا مرة أخرى ولاسيما خلال عامي 1991 و 1992 ، وربما يعزى ذلك إلى:
أولاً - المساعدات الاستخبارية والتدريبات العسكرية : من الملفت للنظر حقا أن « إسرائيل » تمتلك مصداقية كبيرة لدى الدول الافريقية في ميادين الاستخبارات والتدريبات العسكرية . فقد ركزت « إسرائيل » في تفاعلاتها الافريقية منذ البداية، وحتى في ظل سنوات القطيعة الدبلوماسية بينها وبين افريقيا ، خلال الفترة من 1973 - 1983، على المساعدات العسكرية لعدد من الدول الافريقية مثل زائير ( جمهورية الكونغو الديمقراطية حالياً ) والكاميرون . وبديهي أن الدول الافريقية التي تعاني من الصراعات والانقسامات الاجتماعية والانشقاقات داخل صفوف النخب السياسية الحاكمة تهتم اهتماماً بالغاً بقضايا المساعدات الأمنية والاستخبارية ، وهو ما دأبت السياسة «الإسرائيلية» في افريقيا على التركيز عليه في جميع مراحل علاقاتها الافريقية منذ أعوام الستينات . فمع تنامي المد الناصري في افريقيا وتعهد الرئيس عبد الناصر بطرد « إسرائيل » من افريقيا قامت « إسرائيل » بتعزيز تواجدها في اثيوبيا . وأرسلت عملاء الموساد لتدريب قوات الشرطة الاثيوبية . ومع سقوط نظام هيلا سيلاسي ومجيء نظام مانغستو ظلت «إسرائيل» على علاقة وثيقة بإثيوبيا ، ولا أدل على ذلك من أن اثيوبيا امتنعت عن التصويت على قرار الأمم المتحدة عام 1975 والذي يقضي بمساواة الصهيونية بالعنصرية . ومع دخول القرن الافريقي أتون الصراعات الاثنية والسياسية أصبح المجال مفتوحاً أمام التركيز مرة أخرى على أداة المساعدات العسكرية والاستخبارية التي تمارسها « إسرائيل » في هذه المنطقة المهمة لها استراتيجياً بسبب ارتباطها بأمن البحر الأحمر ، وكذلك ارتباطها بأمن بعض الدول العربية المؤثرة مثل السودان ومصر . ثانياً - المساعدات الفنية : وقد اشتملت منذ البداية على ثلاثة مجالات أساسية هي : نقل المهارات التقنية وغيرها من خلال برامج تدريبية معينة ، وتزويد الدول الافريقية بخبراء « إسرائيليين » لمدة قصيرة أو طويلة المدى ، وإنشاء شركات مشتركة أو على الأقل نقل الخبراء والمهارات الإدارية للشركات الافريقية . وتشير الإحصاءات التي نشرها مركز التعاون الدولي التابع لوزارة الخارجية « الإسرائيلية » أن عدد الأفارقة الذين تلقوا تدريبهم في « إسرائيل » عام 1997 وصل إلى نحو 742 متدرباً إضافة إلى نحو 24636 افريقياً تلقوا تدريبهم من قبل مركز التدريب « الإسرائيلي » خلال الأربعين سنة الماضية . وقد قامت « إسرائيل » بإعادة تقويم أداء المراكز التدريبية الخاصة بإفريقيا وهي :
ثالثاً - تجارة السلاح والألماس : من المعلوم أن « إسرائيل » توفر السلاح للدول الافريقية بالإضافة إلى التدريب العسكري، وتفيد الخبرة التاريخية أن «إسرائيل» تتعامل مع الأشخاص الأفارقة وذوي النفوذ أو الذين لهم مستقبل سياسي فاعل في بلدانهم . ولعل حالة الرئيس الكونغولي الراحل موبوتو سيسيسكو تطرح مثالاً واضحاً ، فقد تلقى تدريباً «إسرائيلياً» ثم أصبح رئيساً للدولة بعد ذلك بعامين . ولا يخفي أن « إسرائيل » تقوم بتزويد العديد من الدول الافريقية بالأسلحة مثل اثيوبيا واريتريا . وطبقاً لتقارير الأمم المتحدة وبعض التقارير الأخرى فإن هناك تورطاً لشركات «إسرائيلية» ولتجار « إسرائيليين » في التجارة غير المشروعة للألماس . فمن المعروف أن مافيا هذا الحجر الثمين تقوم بتهريبه من دول مثل الكونغو وسيراليون وأنغولا عبر دول الجوار ليصل إلى هولندا ، ثم بعد ذلك إلى مراكز تصنيع الألماس في عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة بالإضافة إلى « إسرائيل » والهند . على أن هذه التجارة غير المشروعة توازيها تجارة أخرى غير مشروعة في السلاح، حيث يتم عقد صفقات لشراء الأسلحة وهو ما يسهم في استمرار واقع الصراعات والحروب الأهلية في الدول الافريقية الغنية بالألماس ، وهو ما يعود بالنفع المادي على كل المتورطين في هذه التجارة . بيد أن وجود تجار « إسرائيليين » أو شركات « إسرائيلية » لا يقدم دليلاً على اتهام الحكومة «الإسرائيلية » بالتورط في هذه التفاعلات التجارية غير المشروعة ، وعلى هذه الشاكلة توجد اتهامات « لإسرائيل » بدعم بعض الجماعات الإقليمية غير العربية في دول الشمال الافريقي مثل جماعات البربر في المغرب العربي، والجيش الشعبي لتحرير السودان بزعامة جون غارانغ . لكن السؤال يبقى مطروحاً حول مدى مصداقية أو صحة هذه التقارير التي عادة ما تستند إلى اجتهادات استخباراتية . بيد أن الخلاصة التي يستطيع المرء أن يصل إليها بكل سهولة ويسر هي أن «إسرائيل» استطاعت فعل ذلك من خلال معرفتها بواقع ومشكلات الدول الافريقية ، وذلك دون عناء وجهد . 1 - تأمين البحر الأحمر : لقد كانت خطورة البحر الأحمر ولا تزال ماثلة في ذهن القيادات « الإسرائيلية » المتعاقبة. ولنتذكر أن بن غوريون في حرب 1948 أصدر تعليماته لموشي دايان بأن يضحي بأي شيء في سبيل موطئ قدم على شاطئ البحر الأحمر . وقد حدث بالفعل أن حصلت « إسرائيل » على ميناء ايلات . ومن الجلي أن الدولة العبرية تصبح بدون هذا المنفذ البحري وقد انقطعت كل صلة بينها وبين افريقيا وآسيا ، ولعلها اكتشفت هذه الحقيقة في حرب 1973 عندما تم إغلاق باب المندب في وجهها . ونظراً لغياب قواعد عربية واضحة تحكم أمن البحر الأحمر ، ومع استقلال إرتيريا عام 1993 وابتعادها عن النظام العربي، فإن « إسرائيل » في ظل « التسوية السلمية » سوف تضمن تلبية مطالبها الأمنية الخاصة بالبحر الأحمر . وانطلاقاً من ذلك تحاول جاهدة الاستفادة لأقصى درجة من أجل تدعيم احتياجاتها الخاصة بالهيمنة والتوسع . 2 - التركيز على دول القرن الافريقي : وتسعى « إسرائيل » من جراء ذلك إلى تحقيق أكثر من هدف واحد انطلاقاً من المتغيرات التالية :
3 - التركيز على دول حوض النيل : وليس بخاف أن هدف « إسرائيل » الثابت من وجودها في هذه المنطقة هو الرغبة في الحصول على مياه النهر والضغط على صانع القرار المصري نظراً لحساسية وخطورة «ورقة المياه» في الاستراتيجية المصرية . وأطماع « إسرائيل » في مياه نهر النيل قديمة ومعروفة . وعندما زار السادات القدس لأول مرة عام 1977 أحيا فكرة مد ترعة من النيل إلى النقب ، وهو ما نظر إليه البعض على أنه تعبير عن الرغبات الأمريكية «الإسرائيلية» الحقيقية . وبالفعل تقدمت « إسرائيل » بعدة مشروعات للحصول على نسبة 1% من مياه النيل . وقد حاولت « إسرائيل » في ظل المفاوضات متعددة الأطراف الخاصة بمشكلة الشرق الأوسط أن تطرح هذه القضية إلا أنها لم تنجح في ذلك . ومن المعروف أن « إسرائيل » تلعب دوراً غير مباشر في صراع المياه بين دول حوض النيل استفادة من نفوذها الكبير في دول مثل اثيوبيا وكينيا ورواندا . ومع تفجر الصراع في منطقة البحيرات العظمى بعد الإطاحة بنظام موبوتو في الكونغو الديمقراطية ، حاولت « إسرائيل » المساهمة في إعادة ترتيب الأوضاع وذلك تحت المظلة ألأمريكية التي تقوم بدور نشط في هذه المنطقة مقارنة بالنفوذ الفرنسي التقليدي . وتكمن الرؤية «الإسرائيلية» في النظر إلى المنطقة بشكل شمولي أي بامتداداتها الجغرافية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر . ولتدعيم نفوذها في المنطقة تعمل « إسرائيل » على :
وفي هذا السياق يمكن تفهم الموقف «الإسرائيلي» من كل من ليبيا والسودان في ظل حكم الجبهة القومية الإسلامية . أضف إلى ذلك فإنها تحاول مساعدة الدول الافريقية ضد الحركات الإسلامية الأصولية . وتسعى « إسرائيل » من وراء ذلك إلى تحقيق أكثر من هدف واحد :
وعلى الرغم من دخول الصراع العربي «الإسرائيلي» منعطفاً تاريخياً مهماً بعد عمليات «التسوية السلمية» فإن «إسرائيل» لا تزال تعول في حركتها الخارجية على استراتيجية إضعاف الخصم موضع التعامل ، وقد أوضحت الدراسة مؤشرات تلك الاستراتيجيـة مـن خلال بيـان طبيعــة الــدور « الإسرائيلي » في مناطق القرن الافريقي وحوض النيل والبحيرات العظمى ، ومساندة ما يسمى بجيل الزعماء الجدد في افريقيا . أضف إلى ذلك فإنها تشجع وتساند جماعات الأقلية ، ولا تتردد في هذا الخصوص في أن تقدم المعونة المادية والخبرة، بل تتولى تدريب رجالها على حركات العنف المسلح . ولنتذكر في هذا السياق المحاولات «الإسرائيلية» الدؤوبة لنشر الفتن بين الأقليات غير العربية في شمال أفريقيا وجنوب السودان. |
|
|
||