الاتحاد البرلماني العربي

مجلــة البرلمــان العــربي
السنة الخامسة والعشرون - العددان 91 و92 : تموز/ يوليو - كانون أول/ ديسمبر 2004

شعار الاتحاد البرلماني العربي

دراســـات

الديمقراطيــــة
« مبادئ ... مؤسسات ... ومشاكل »
(1)

بقلم الأستاذ : دافيد بيتهام
مدير مركز البحوث والدراسات
حول الديمقراطية بجامعة ليدز البريطانية


(1) عن مجلة « الفكر البرلماني » التي يصدرها مجلس الأمة الجزائري – العدد الخامس – أفريل (نيسان) 2004 .
(*) الآراء الواردة في المقال تعبر فقط عن وجهة نظر الكاتب

.


دراســـات

الد يمقراطيـة « مبادئ ... مؤسسات ... ومشاكل »


تجد الديمقراطية نفسها في بعض المبادئ الأساسية وفي مجموع المؤسسات والممارسات التي يمر من خلالها إنجاز هذه المبادئ ، تكمن نقطة انطلاقها ، مثل ما هي نقطة حقوق الإنسان ، في كرامة الإنسان ، غير أن الديمقراطية لها كذلك توجه – القرارات المتعلقة بالقواعد والسياسات الحقيقية بالنسبة لأي مجموعة أو جمعية أو مجتمع بصفة عامة – وتصور مميز للمواطنين ليس كصاحب حقوق وواجبات فحسب بل كمشارك فعال في القرارات الجماعية والسياسات التي لها تأثير على الحياة .
للديمقراطية مبادئ أساسية ، ومن بينها حق الشعب في التأثير على القرارات العمومية ومراقبة أصحاب القرار وكذا الالتزام بمعالجة جميع الأشخاص بنفس الاحترام وإيلائهم نفس القيمة في اتخاذ هذه القرارات ، ذلك ما نسميه باختصار مبادئ المراقبة الشعبية والمساواة السياسية .
من المهم في نقاش حول الديمقراطية الانطلاق من مبادئها الأساسية أو المُثُل ذات القواعد بدل الانطلاق من مجموع المؤسسات السياسية ( انتخابات ، أحزاب ، برلمانات ، فصل بين السلطات ، المساواة ) ، وذلك لعدة أسباب .
أولاً، إن ما يبرر ما نصفه بديمقراطية هذه المؤسسات ليس مجرد أمر يتعلق باتفاق ، ولكن ما تقوم به من دعم في تحقيق هذه المبادئ الضمنية ، هي لم تقدم لنا كما هي عليه لكنها نتيجة كل الصراعات التي شنها الشعب لجعل الحكومة تخضع لتأثيره .
ثانياً، إن تحديد الديمقراطية مقارنة بالمؤسسات بكل بساطة يعني جعل الوسائل غايات والتأكيد على الشكل يدل على المحتوى والامتناع عن النقد الذي سيسمح بتقييم هذه الترتيبات المؤسساتية في محتواها ونمط سيرها بديمقراطية، إن الديمقراطية لا تزال مسألة درجة في تحقيق مبادئ معينة ولا تعني حالة البلوغ التام .
ثالثاً، يسمح لنا تحديد الديمقراطية حسب هذه المبادئ الأساسية بالنظر إليها وهي تمارس بعيداً عن الإطار الشكلي للقوة العمومية ، على وجه الخصوص ، وكل ما ينظم الأفراد أنفسهم تنظيماً جماعياً في المجتمع المدني لحل مشاكلهم أو الدفاع عن مصالحهم أو ترقيتها أو تحفيز المواطنين على حقيقة وجهة نظرهم أو التأثير صراحة على سير الأعمال العمومية كلها .
ولأسباب مماثلة ، يبدو من المهم للقيام بأية دراسة حول الديمقراطية ، الانطلاق من المواطن بدل الانطلاق من المؤسسات .

^ الديمقراطية - عودة إلى البداية

في الحقيقة ، تستمد الحكومات الديمقراطية تفويضاً من المواطنين وتحاسب على أعمالها أمام المواطنين مباشرة أو من خلال برلمان الرأي العام .
ولذلك فالمواطن هو في نفس الوقت مصدر ومركز المسار الديمقراطي .
كما تتطلب الديمقراطية لتكون في نفس الوقت فعالة ودائمة بعض الصفات التي تتوفر لدى المواطنين ، اثنتان منهما حاسمتان ، وتتمثل الأولى في القدرة وإرادة الاضطلاع بدور في شؤون الجماعات المحلية أو الوطنية ، أو في شؤون المجتمع بصورة عامة أو في شؤون جزء منها ، وإيجاد مسؤولية عنها إلى حد ما . وتتمثل الثانية في احترام حقوق المواطنين الآخرين ، والاعتراف لهم بكرامة متساوية وبالحق في إبداء الرأي خاصة إذا كان ذلك الرأي معارضاً . ولهذا ، فإن للمبادئ الديمقراطية للمراقبة الشعبية والمساواة السياسية ارتباط وثيق وضروري يكمن في صلب مواطنين فعالين في الحياة العمومية وقادرين على التسامح .
حقوق المواطنين
إذا كانت نقطة انطلاق الديمقراطية هي حق المواطنين ، بمعنى أن يكونوا طرفاً في اتخاذ القرارات التي لها تأثير على حياتهم ، فإن ذلك الحق ينبغي أن يعمّم بالنسبة للجميع ، ولكن ينبغي أن تتوفر حقوق أخرى حتى يكون هذا الحق السياسي الأساسي واقعاً .
فحقوق وحريات التعبير والجمعيات والاجتماعات التي نعرفها جيداً ، يفترض في حق التعبير بكل حرية تواجد وسائل إعلام مستقلة وقوانين تقي من التمركزات المفرطة لوسائل الإعلام التي يمتلكها شخص واحد ، كما تشمل حرية الجمعية حق إنشاء جمعيات من أجل أغراض اقتصادية واجتماعية وثقافية بما فيها الأحزاب السياسية ويفترض في حق الاجتماع السلمي التنقل بكل حرية فيما بينهم وداخل البلدان، لا يمكن ممارسة حقيقية لأي حق من هذه الحقوق في غياب الحرية والأمن والشرعية ، لكن الديمقراطية جزء لا يتجزأ من الحقوق والحريات الأساسية للشخص وواجب احترامه نفس هذه الحقوق والحريات بالنسبة للآخرين .
يتساءل المنظرون في الديمقراطية عن معرفة ما إذا كان ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية هو كذلك شرط ضروري للديمقراطية ، وإذا كان هو مجرد جزء من الحجج تتبادلها في الديمقراطية برامج الأحزاب المضادة بالنسبة إلي ، يبدو من البديهي لتكون للحقوق المدنية والسياسية قيمة ما أن يكون المواطنون قادرين على ممارستها ، فمن لم يكن له تعليم ضروري للاضطلاع بدور إيجابي في المجتمع، أو من لم تكن لديه وسائل حياة مضمونة يكون بدون شك غير قادر على أن يكون عنصراً فاعلاً في الديمقراطية ، وكما يتضح ذلك من خلال قرننا ، يؤدي الإبعاد الاجتماعي إلى الاغتراب المدني والسياسي للمبعدين ، ويشكل مجالاً مواتياً لللاتسامح السياسي ولتدابير القمع التي تُلحق ضرراً بالديمقراطية ونوعيتها حتى ولو كان لا يهدد كيانها ، مهما كانت الاستراتيجيات المطبقة في مجال التنمية الاقتصادية ، بتعيين اعتبار كشرط ضروري بدل غاية تقديرية للديمقراطية ، توزيع ثروات المجتمع بدرجة تسمح للجميع من الاستفادة من الحد الأدنى للاضطلاع بدورهم كمواطنين اضطلاعاً حقيقياً .
وهناك سؤال آخر يزعجهم ، أمام العراقيل التي تواجهها بعض المجموعات مقارنة بمجموعات أخرى في ممارسة حقوقها المدنية السياسية ، فهل يتعين اتخاذ تدابير احترازية بصرف النظر عن سياسة مكافحة التمييز التي حسب رأي الجميع تُعدُّ شرطاً مسبقاً للمساواة بين جميع المواطنين وإلى أي حد يجب مواصلتها ؟ يُعدُّ موضوع المرأة انشغالاً خاصاً لأن الدور التقليدي في الأسرة ومسؤولياتها في هذا المجال يحول دون الاضطلاع بدورها كاملاً في الشؤون العمومية وأنه مقارنة بالرجال ، فإن تمثيل النساء ناقص تماماً في البرلمانات والحكومات الديمقراطية ، ويجب الإشارة إلى أن البلدان التي نجحت في تحقيق هذا التوازن هي تلك التي انتهجت سياسة عمل احترازي ، كان شكلياً أم لا ، وأن هذا النموذج من السياسة مصادق عليها صراحة كتدبير مؤقت من طرف اتفاقية الأمم المتحدة حول إزالة كل أشكال التمييز إزاء المرأة .
وكما أكد عليه العديد من المؤلفين المحدثين ، يجب كذلك على مبدأ المساواة أن يفسح المجال للاختلاف في المعتقدات ونمط المعيشة والهوية ، وتتميز اليوم كل المجتمعات بالتعددية اللغوية والدينية والثقافية والعرقية ، ويعترف لها اليوم كمبدأ ديمقراطي يجب الترحيب به في اختلاف نوعيته والمحافظة عليه عند الضرورة بناء على الاحترام المتساوي إزاء كل واحد ، شريطة أن يشهد أولئك الذين يتمتعون بالحماية بنفس الاحترام تجاه الآخرين . وعندما ينجم عن اختلاف التوعية خلاف أو نزاع ، يتم الصلح في الديمقراطية عن المناقشة والحوار بدل القيود والضغوطات، ولذلك تقتضي المساواة بين المواطنين شكلاً معقداً للمساواة بدل مجرد شكل موحد .
وبالتالي ، لا تُرسى قواعد الديمقراطية إلا بضمان المساواة بين جميع المواطنين حتى يتسنى لهم التأثير على القرارات التي لها ائتلاف على حياتهم ، إن حماية هذه الحقوق في تشريع أو دستور فقط لا يُعتبر بمثابة مساس بالمبدأ الديمقراطي حتى ولو كانت هذه التدابير تسير عكس الإرادة التي تعبر عنها الأغلبية في مناسبة ما ، ويعد مبدأ الأغلبية في جميع الحالات وسيلة إجرائية ضرورية لتسوية الخلافات عندما تستنفذ الطرق الأخرى ولا يعد قمة الكمال الديمقراطي .
وعلاوة على ذلك ، مادام هو وسيلة إجرائية ، فإنه يستمد مبرره من مبدأ المساواة السياسية (كل واحد يحسب على واحد ولا يحسب واحد على أكثر من واحد) واستغلاله لعدم احترام هذا المبدأ أو التقليل من شأنه يُعدّ تناقضاً صارخاً .
المؤسسات السياسية في الديمقراطية لا يمكنها تجسيد المبادئ الديمقراطية للمراقبة الشعبية والمساواة السياسية في الواقع دون ضمان الحقوق الأساسية للمواطنين، وذلك يعني أنها تحتاج إلى مجموعة مؤسسات سياسية متميزة لتكون قابلة للتطبيق بالرغم من أن هذه المؤسسات قادرة على أن تأخذ أشكالاً مختلفة حسب ثقافة وتقاليد كل بلد ، فإن المجال الممكن للمتغيرات التي تواكب الديمقراطية سيكون بالضرورة محدداً ، إن المؤسسات الخصوصية التي أُنشئت في الغرب نتيجة الصراعات لإخضاع الدولة العصرية لمراقبة المجتمع هي مثيلة بالنسبة للديمقراطيات في العالم برمته ، وهذا لا يمت بصلة إلى قوة الميكانيزمات الغربية ، وإنما يتضح ذلك لأن الدولة الممركزة التي تطمح إلى احتكار الإدارة وتدابير الضغوط على محيط إقليمي معين هي دولة شاملة ، وأن المحاولات التي تمت في القرن العشرين لدمقرطتها من خلال أنظمة شعبوية وماركسية وحزبية ضيقة مع إقصاء المنافسة الحزبية وإبعاد مبدأ الفصل ما بين السلطات والتخلي عن إعطاء الأولوية لسلطات القانون أثبتت أنها محاولات وهمية .
إن المؤسسات السياسية الديمقراطية هي تلك التي تهدف إلى تكليف المسؤولين العموميين بعهدة شعبية ، وإلى السهر على أن يكفوا عن الحسابات ويُصغوا للمواطنين، إن العهدة التي يعطيها الشعب تمر بانتخابات شرعية ومبنية على المنافسة التي تتمثل في الاقتراع السري العام ، وتقدم للناخبين اختيار المترشحين والسياسات، وتمنحهم الفرصة لرفض المسؤولين السياسيين الذين لا يحظون بثقتهم .
وفي هذا المضمون ، يكمن دور الأحزاب السياسية في المساعدة على تأطير واختيار الناخبين من خلال جمع التدابير حسب البرامج المتميزة ،وانتقاء المترشحين القادرين على ممارسة وظائفهم السياسية وضمان الاستمرارية الضرورية حتى تصبح الأولويات الحكومية التي وافق عليها الناخبون أمراً واقعياً ، غير أن هيئة الناخبين تجد رأيها مخالفاً في اختيارها ومراقبتها ، حيث لا يكون فصل واضح بين الحزب والحكومة أو في غياب هيئة مستقلة مثل لجنة انتخابية مؤهلة تسهر على أن تكون الانتخابات « حرة وشرعية » يقبل بنتائجها جميع المترشحين .
كما يواجه الناخبون كذلك خلافاً عندما لا يضمن نظام الانتخابات تمثيلاً برلمانياً عادلاً بالنسبة لمختلف تشكيلات المجتمع .

^ الديمقراطية - عودة إلى البداية

وبالرغم من أن الانتخابات تعد ميكانيزماً ذا أهمية قصوى لمراقبة القوة العمومية من طرف الشعب ، فهي تكتسي في حد ذاتها فعالية محدودة في غياب مؤسسة تسهر على ألا تبقى القوة العمومية تحسب أفعالها أمام الجمهور ، وفي هذا الإطار ، لا يكمن واجب البرلمانات في المصادقة على القوانين فحسب ، لاسيما في مجال الضريبة باسم الناخبين ، بل حتى في ممارسة الرقابة المستمرة على السياسيين وأعمال السلطة التنفيذية ، وللقيام بهذه الوظيفة بنجاعة ، فإنهم في حاجة إلى استقلالية وصلاحيات واسعة . وهناك عنصر حاد يتمثل في وجود تقديم الحسابات ، فيجب على جميع أعوان القوة العمومية أن يلتزموا بحدود اختصاصاتهم المخوّلة لهم برلمانياً ودستورياً – ذلك ما يسمى « بالشرعية » - مما يعني ، بدورها ، وجود عدالة مستقلة محميد ضد أي تدخل من طرف السلطة التنفيذية أو الأحزاب ، وأخيراً لا يمكن محاسبة أية حكومة محاسبة فعلية ما لم يكن نشاطها خاضعاً لمناقشة الجمهور طبقاً لمبدأ حرية التعبير .
وعلاوة على العهدة الانتخابية من طرف الناخبين والالتزام بتقديم الحسابات دائماً ، يجب على كل حكومة أن تتوفر على شرط ثالث ، وهو الاستماع إلى الرأي العام .
تتميز الحكومات الديمقراطية في تحديد سياستها وتطبيقها بالإجراءات التلقائية لاستشارة الأوساط المعنية من خلال قدرتها على قبول آراء خبراء مستقلين كشركاء جمعيات مختصة نابعة عن المجتمع المدني ، وتمنح إضافة إلى ذلك إلى المستعملين إمكانية التعبير عن الطريقة التي بها تقدم المرافق العمومية كما أنها توحي بميكانيزمات الطعـون والوسطاء على سبيل المثال والذين يلجأ إليهم المواطنـون في حالة اختلال الإدارة ، بالرغم من أن هذه الإجراءات بطيئة أحياناً ، فإنها تساهم بصورة ملموسة في الفعالية وقابلية العمل الحكومي ، وفي هذا المضمون بالذات ، تأخذ حجية الإدارة المحلية المنتخبة قوتها ، من الناخبين الذين تخدمهم .
إن تولي السلطة من طرف الشعب والمحاسبة أمام الجمهور والاستماع إلى المجتمع هي كلها الميزات التي تبرر بها المؤسسات السياسية الديمقراطية التي تمنح لها حق القول بأنها ديمقراطية .
وكما فسرت ذلك سلفاً ، إذا كانت التعددية الحزبية والفصل بين السلطات والشرعية ديمقراطية فإن ذلك ليس بسبب أنها ممارسات ديمقراطية لأنظمة مسماة
« ديمقراطية » ، ولكن لأنها ظهر عبر الزمان أنها ميكانيزمات ضرورية لمراقبة شعبية دائمة وللإلزام بالمحاسبة ، وقد تسمح نفس هذه المقاييس بتقييم مدى فعالية المؤسسات على المستوى الديمقراطي في نطاق معين بقدر ما تسمح بالحكم على القدرة الديمقراطية للاحتكار أو المتغيرات المؤسساتية الممارسة والمتكيفة مع هذه الثقافات والتقاليد التاريخية أو تلك .

^ الديمقراطية - عودة إلى البداية

بعض المشاكل المتعلقة بالديمقراطية
غالباً ما نقول إن مشكلة الديمقراطية ليست تعريفاً كمياً بما هي أو جوهراً حول إجراءاتها ومبادئها الأساسية بقدر ما هي معرفة تطبيقها والالتزام بها في ظروف ناقصة . إنه في الديمقراطية الجديدة أو تلك السائرة نحو الحداثة تظهر هذه المشاكل بحدة ، ولكن حتى الديمقراطيات المؤكدة تواجه هي الأخرى مشاكل بالفعل ، فالنصر الذي يفترض أنه عالمي للديمقراطية منذ 1989 صادف تدهوراً عاماً مصدره المسار الديمقراطي في الديمقراطيات المقرة منذ عهد بعيد، وسنحاول أن نعرض بإيجاز بعض هذه المشاكل الأكثر خطورة .
بادئ ذي بدء، ننطلق من الفكرة التي مفادها أن وجود هيكل دولي ثابت يمارس سلطته ممارسة فعلية على تراب بكامله هو شرط مسبق للديمقراطية ؛ وأن أعوانها هم محفزون أكثر بحب خدمة الجماعة أكثر ، وبحب المصلحة الشخصية ؛ وأنه يوجد بين سكان هذا التراب شعور مشترك بالانتماء الوطني ، غير أنه يمكن أن تنعدم هذه الشروط – إن لم نقل جميعها – أولا ، تستوفى إلا بطريقة منهارة في الديمقراطيات الجديدة ، لكن الديمقراطيات القديمة استطاعت مع مرور الزمان أن تقر هيبة الدولة ، وإنشاء روح خاصة بالوظيفة العمومية تخلق شعوراً مشتركاً بالانتماء الوطني ، وذلك قبل البداية في مسار الدمقرطة ، إن هذه العناصر في الديمقراطيات الجديدة يجب أن تبنى وتقوى في نفس الوقت ، وفي بعض الحالات ، يبـدو أن المسارات الديمقراطية تُعقّد مهمة الدولة والأمة بدل أن تقدم الحلول لها ، وبالتالي ، فإن ممارسة الحريات المدنية والسياسية لاسيما من طرف عناصر المعارضة ، يبدو أنها تُضعف سلطة الدولة ؛ فالصراع الواجب شنه للارتقاء إلى منصب سياسي يمكن أن يحفز على الاستفادة من مناصب الدولة لأغراض شخصية ، كما يمكن لحكومة الأغلبية أن تؤدي بالأقليات المقصاة إلى تراجعها عن مواقعها تجاه الدولة والبحث عن قواعد أخرى لإرساء فكرة الأمة .
لا توجد حلول مفبركة لهذه المشاكل ، ولا يضع الاستبداد من جهته الكيانات في منأى عن الرشوة كما أنه لا يضمن القانون الأساسي للدولة والانسجام الوطني ، ودفع الثمن في مجال حقوق الإنسان ثقيل دائماً ، ولا توجد حلول مستبدلة للمشروع الصعب الذي يتمثل في بناء الديمقراطية وفي نفس الوقت في بناء أسسها .
غير أنه يمكن أن تكون بعض النماذج من المؤسسات الديمقراطية أكثر نظافة من غيرها في تسهيل المهام الأخرى ، على سبيل المثال ، النموذج المسمى بنموذج
« ويستمينستر » ، بدولته الممركزة جداً ، ونظامه الانتخابي الذي يكون فيه الفائز بكل شيء وبسلطته التنفيذية المحررة من كل ضغط دستوري هو الأقل مقدرة على التحكم في الانشقاقات العميقة والعرقية وغيرها والمصالحة ما بين الخصوم .
وفي مثل هذه الظروف ، ينبغي على الأنظمة التي تتجاوز الأغلبية الحكومية أو البرلمانية فيها الخلافات وتتشكل من خلال التفاوض ، حيث يُترك جزء كبير
إلى الاستقلالية المحلية والجهوية ، وحيث تكون الحقوق الأساسية والثقافية

^ الديمقراطية - عودة إلى البداية

وغيرها مضمونة في الدستور ، أن تظهر بتكييف أكبر . وكما يوضحه مثال «إيرلندا الشمالية » ، لا تتعلق هذه المشكلة سوى بمشكلة الديمقراطيات الجديدة ، بل يُمكن أن تكون منتشرة أكثر .
كما تُطرح مشكلة أخرى بصفة حادة في الديمقراطيات الجديدة بالذات ؛ وهي مشكلة الفقر المعمم والمستوى الأدنى مقارنة بالتنمية الاقتصادية ، وقد تسير هذه المشكلة بالتساوي مع المستوى المنخفض للتطور الثقافي بهيئة مواطنين قد يبدو تحضيره سيئاً وغير متعود على سير المؤسسات الديمقراطية ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، يُكلف تنظيم المؤسسات الديمقراطية ثمناً باهظاً ويأخذ وقتاً طويلاً ويمكن تصنيفه في الأولويات والنفقات الواجب تغطيتها بالصناديق العمومية الضعيفة ، وبعيداً عن المسائل المستعجلة من أجل البقاء والتنمية الاقتصادية ، هل تسمح البلدان الفقيرة بتنظيم ديمقراطي وبتسييره ؟
إن العلاقة الدقيقة بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية هي محل نقاش واسع في الآداب العالمية ، لكن نستطيع أن نقوم بأمثلة بسيطة لا يمكن إنكارها .
أولاً، التربية ورقة رابحة وحيوية في نفس الوقت بالنسبة للديمقراطية والتنمية الاقتصادية ولا يوجد نزاع بينهما فيما يتعلق بهذه الأولوية المطلقة .
ثانياً، يُمنح الأشخاص وسائل التنظيم للاستجابة إلى احتياجاتهم الاقتصادية الخاصة بهم في جماعاتهم وبتفضيل هذا المسعى ، فإننا نخدم في آن واحد الديمقراطية والتنمية الاقتصادية .
ثالثاً، بالرغم من أن سير المؤسسات الديمقراطية على المستوى الحكومي يكلف غالياً ، فإن انعدامها يكلف أكثر فأكثر ، حيث تكون الحكومة متفتحة وتكشف عن أعمالها ، فيمكن التعرف على السياسات المضرة ومناقشتها علانية قبل أن يصبح الشر مزمناً ، ويسهل مراقبة استعمال المال العام بصفة فعالة وتكييف السياسات الحكومية مع احتياجات الشعب .

^ الديمقراطية - عودة إلى البداية

كما أن للدعم الخارجي دوراً مهماً في امتياز التنمية الاقتصادية والديمقراطية ، بشرط أن يعود نمط التدخل في حد ذاته أكثر بالتسهيل لا بالضغط ، وأن يكون مبنياً على شراكة حقيقية .
إنه لا شيء يُجرّد الديمقراطية من مصداقيتها أكثر من استراتيجيات التنمية الاقتصادية والسياسية المعروضة ظاهرياً من الخارج ، والمجردة من أية مساندة شعبية داخلياً .
وذلك ما يدفعنا إلى المسألة التي فيها جدل كبير ، والمتمثلة في العلاقة ما بين اقتصاد السوق والديمقراطية ، وبين استراتيجيات التحرر الاقتصادي والدمقرطة على التوالي .
فبالرغم من أننا لم نشهد عبر التاريخ مثالاً على ديمقراطية سياسية لم تكن في نفس الوقت اقتصاد سوق ، إلا أنه يمكن أن تكون للسوق عواقب على الديمقراطية ، - وخيمة أو إيجابية – إلى درجة تكون فيها العلاقة أكثر تناقضاً مما كنا نفكر فيه مؤخراً .
بالنظر إلى السوق من زاوية إيجابية ، فإنها تحدد حدوداً لسلطة الدولة بلا مركزية القرارات الاقتصادية وبتوزيع الحظوظ والمعلومات والموارد في المجتمع المدني . كما أنها تمنع الشعب من أن يكون مداناً تجاه الدولة بمصيره الاقتصادي وبتمويل أي نشاط مستقل ، سواء أكان سياسياً أو ثقافياً ، وكذلك التنقل الحر والمبادلات بين المواطنين في مكان السوق . وبمعاملتهم مع المستهلك كسيد ، فإنها تعزز فكرة أن الأفراد هم أحسن المدافعين عن مصالحهم الخاصة بهم ، وتزيـل ببساطة العلاقة الأبوية بين أولئك الذين يمارسون السلطة وبين أولئك الذين يخضعون إليها في جميع هذه الحالات ، يمكن لاقتصاد السوق أن يخدم الديمقراطية الإيجابية للسوق على الديمقراطية التي قد تكون غير ذلك ، وبالتالي ، فإن القرارات الاقتصادية، لكونها اتخذت في القطاع الخاص ، فإن المسائل الكبرى التي تتعلق برفاهة الفرد والصالح العام تفلت من المراقبة السياسية ، أو بالأحرى من المراقبة الديمقراطية .
وبالتالي تعزز السوق ، بتركيزها على اختلافات الرأسمال الاقتصادي والبشري الذي يقدمه لها مختلف الأعوان الاقتصاديين ، الفوارق الاجتماعية وتترك مصالح الأقوياء وأصحاب الامتيازات تهيمن على السياسة .
أما بالنسبة للمحرومين اقتصادياً ، فإن تجربة البطالة واللاأمن وظروف العمال الصعبة تسير عكس الكرامة التي تُخولها لهم نوعية صفة المواطن في الديمقراطية ، وأكثر من ذلك ، يجعل منطق السوق الاختيار الفردي في مكانه أعلى من الاختيارات الجماعية للسياسة الديمقراطية ، وكلما اتسع واكتسح الساحة العمومية ، كلما أكل روح الوظيفة العمومية التي تتوقف عليها الدولة ، وكلما كان تحرر السوق سريعاً أو بطيئاً، كلما تم الإحساس بهذه الآثار بشدة ، بالرغم من أن الدول الديمقراطية ليست ضعيفة تماماً أمامها ، ويمكن لها أن تتخذ تدابير للتقليل منها ، فمثلاً، توضع الثروة الاقتصادية في مكان مستتر أكثر في السياسة ، وذلك بتقنين السوق والتحكم فيها من أجل الصالح العام ، مع ضمان الحقوق بفضل المساعدة الاجتماعية لصالح أولئك الذين يعجزون عن تلبية احتياجاتهم وسد نقص أسرهم . وكما ذكرناه سالفاً ، ينبغي أن يكون للديمقراطية بُعد اجتماعي حقيقي إذا أرادت أن تحافظ على دعم الشعب .
وهنا تظهر بالضبط المشكلة الأكثر حدة ، والتي تطرح على الديمقراطية وعلى الديمقراطيات الجديدة ، وكذا على الديمقراطيات القديمة ، أي الفارق بين المستوى الوطني الذي تؤخذ فيه القرارات السياسية ، وبين المجال العالمي للمؤسسات والقوى الاقتصادية التي تحدد معايير هذه القرارات .
فهل يبقى معنى لمراقبة العمل الحكومي من طرف الشعب مادام ما يهم رفاهية الشعب لا يخضع إلى مراقبة الحكومات ؟

^ الديمقراطية - عودة إلى البداية

بالنسبة للديمقراطيات المتقدمة ، أدت ضغوطات المنافسة الدولية إلى تآكل الأمن الاقتصادي ، وإلى نسف آمال الرفاهية والحقوق في الشغل التي يعتمد عليها أساساً التجانس الشعبي مع الديمقراطية .
أما فيما يتعلق بالعديد من الديمقراطيات التي تسير نحو التطور ، فإن نسبة الاقتصاد العالمي يبدو أنها تسعى ضدها ، وأن سياساتها الاقتصادية لا تزال تخضع إلى أولويات الشراكات المتعددة الجنسيات والمؤسسات الدولية ، وأنها فيها مجردة من السلطة ، وهي كلها مهددة بتدهور المحيط واستئناف الموارد والهجرة المكثفة ، حيث تستجيب إلى قوى تفوقها .
وأمام هذه المشاكل ، يبدو جلياً أن العمل لصالح الديمقراطية ينبغي أن يشمل تعزيز المؤسسات الموضوعة على المستوى الدولي لإدارة الشؤون العمومية وتوسيع مجال عملها وجعلها أكثر تمثيلية للسكان ، وأكثر ملاءمة مع أعمالها أمام الهيئات الدولية الممثلة للرأي العام وبالرغم من أن فكرة برلمان عالمي حقيقي يبدو حالياً طوباوياً وخيالياً ، فإنه لدينا أسباب جدية تجعلنا نعتقد أن تعزيز المؤسسات وديمقراطيتها والموضوعة على المستوى الدولي لإدارة الشؤون العمومية هي اليوم الرابط الضروري لاسترجاع الديمقراطية على مستوى الدولة – الأمة ، وإلا تبقى هذه الأخيرة بالتأكيد متزعزعة وغير كاملة .

^ الديمقراطية - عودة إلى البداية

ملخص حول الديمقراطية
يمكن تلخيص النقاط الأساسية لهذا المقال كالتالي :
1 – إن منطلق الديمقراطية هو ليس سوى حق الكبار ليكونوا طرفاً في إدارة الشؤون العمومية ، سواء من خلال جمعيات المجتمع المدني أو من خلال مشاركتهم في الشيء العمومي ، ويجب أن يمارس المواطنون هذا الحق في ظروف مساواة وفي الاحترام الصارم لآراء الآخرين .
2 – يفترض مسبقاً في هذا الحق أن تكون الحقوق وحريات التعبير والجمعيات مضمونة ، ولا يمكن ممارسة هذا الحق في حرية التعبير دون وجود وسائل إعلامية مستقلة وقوانين تحول دون تمركز الإعلام بين أيدي مالك واحد ، كما تشمل حرية الجمعيات الحق في إنشاء جمعيات ذات أهداف اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية ، بما فيها أحزاب سياسية . وينجم عن حق الاجتماع السلمي الحق في التنقل الحر داخل البلدان وما بينها ، ولا يمكن ممارسة أحد هذه الحقوق في غياب الحرية والأمن والشرعية ، ولذلك فإن الديمقراطية جزء لا يتجزأ من الحقوق والحريات الأساسية للشخص ، وكذا احترام حقوق وحريات الغير .
3 – يحتوي الحق في المشاركة في إدارة الشؤون العمومية حقوق المشاركة في الوظيفة العمومية والتقدم إلى الانتخابات وانتخاب الممثلين في الاقتراع السري العام وفق كيفيات «حرة وشرعية» تماشياً مع القواعد الدولية .. ويشمل كذلك الحـق بإلقاء المسؤولية على هؤلاء الممثلين مباشرة من خلال المسار الديمقراطي وبطريقة غير مباشرة من خلال المراقبة عن طريق برلمان منتخب ومستقل عن السلطة التنفيذية .
4 – تتولد من المسؤولية أمام الشعب مسؤولية جميع الأعوان التابعين للسلطة التنفيذية غير المنتخبين ، بما فيها أعوان الشرطة والجيش والمخابرات تجاه الممثلين المنتخبين ، ويفترض في هذه المسؤولية حق الجمهور في الاطلاع على نشاطات الحكومة ، وتشمل الحق في تقديم لوائح إلى الحكومة والطعون أمام المحاكم والوسطاء في حالة اختلال الإدارة ، وذلك بواسطة ممثلين منتخبين ، وترتكز على المبدأ الأساسي للشرعية ، أي أن اختصاص جميع أعوان الدولة يكون واضحاً ومحدداً في القانون والدستور اللذين تقوم بتفسيرهما وتطبيقهما سلطة قضائية مستقلة .
5 – ينجر عن المساواة بين المواطنين عدم التمييز ، سواء على أساس العرق أو الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر ، ومهما كانت طبيعته – وطنية أو اجتماعية أو ذات صلة بالمال أو الولاة أو أي وضع آخر ، تُفرض نفس المساواة للإزالة التدريجية للعراقيل التي قد تعترض سبيل المجموعات وفئات المواطنين للتمكن من التعبير أو المشاركة في الحكومة مع غيرهم على قدم المساواة ، ولا تشكل التدابير المتخذة خصوصاً من أجل تصحيح الفوارق تمييزاً ، كما تعد المساواة بين المواطنين هدفاً يصعب بلوغه في غياب حقوق اقتصادية واجتماعية مضمونة ، مثل الحق في التربية وفي الدخل الأدنى .
6 – يقتضي احترام الرأي الآخر أن تتميز المجتمعات الديمقراطية بتنويع الآراء والثقافات والهويات التي تضمن كل دولة ديمقراطية الشروط الضروري لجميع الثقافات والهويات حتى يتسنى لها الحفاظ على نمط حياتها في كنف الكرامة ووفق الحدود التي يضعها القانون ومبدأ المساواة بين المواطنين ، كما تشجع المؤسسات العمومية التي تسعى إلى تسوية أي خلاف فيما بينها من خلال الحوار ، للمواطنين كغيرهم من الحكومات واجب أساسي يتمثل في إظهار التسامح أمام هذا التنويع ، وكذا في قبول الحوار .
7 – إن تطبيق المبادئ الديمقراطية المذكورة سالفاً على الميدان الاقتصادي يؤدي إلى الحقوق التالية : الحق في الملكية الفردية والجماعية ، الحق في إجراء مبادلات بكل حرية مع الغير ، الحق في تأسيس جمعيات من أجل الدفاع عن الحقوق الاقتصادية أو الانضمام إليها ، الحق في التأسيس كطرف في القرارات المتخذة في ميدان الشغل ، وتخضع جميع هذه الحقوق إلى تنظيمات يصادق عليها من أجل الصالح العام وصالح الأجيال المستقبلية برلمانٌ منتخب ديمقراطياً .
8 – يتوجب على كل مجتمع ديمقراطي تلقين الشباب الحقوق والواجبات الملقاة على عاتق المواطنين في الديمقراطية، وتغذيتهم بالقدرات والمواقف التي تسمح لهم بممارستها ممارسة مفيدة ؛ ذلك المجتمع الديمقراطي الذي يهدف إلى الانتشار التدريجي للممارسات الديمقراطية في المجتمع المدني ، وفي ذات الوقت في الساحة الحكومية ويتمسك بتوسيع الديمقراطية على المستوى الدولي بتبيان التضامن مع الحكومات الديمقراطية والمنظمات غير الحكومية في الخارج ، والعمل على توزيع موارد المعمورة توزيعاً أكثر عدلاً ، وأيضاً على دمقرطة المؤسسات الدولية .

^ الديمقراطية - عودة إلى البداية

^ العددان 91 و 92 - صفحة المحتوى