وجهـــة نظـــر
الإعلام المعاصر والهوية العربية
|
. |
وجهــة نظــر
الإعلام المعاصر والهوية العربية
بقلم : الدكتور أحمد فتحي سرور
رئيس مجلس الشعب المصري
« إذا كانت الإيديولوجيات السياسية التي اتصف بها منتصف القرن الماضي لم تسهم في زيادة التفاهم بين الحضارات والثقافات ، فقد خلفت العولمة أشكالاً جديدة من عدم المساواة ، وأثارت صراعاً بين الثقافات ، أكثر مما أدت إلى تعدد ثقافي ، يسهم في التقارب بين الحضارات ، حتى إن بعض القوى خلطت بين الإسلام والإرهاب ، فنصبت نفسها عدواً للإسلام في مجال محاربتها للإرهاب . ولسوء الحظ فقد زادت الهوة بين المنتصرين والخاسرين في العولمة حتى رأى البعض ثقافاتهم مهمشة ، وأن عقائدهم الدينية لا تحترم".
وهكذا خلفت العولمة بنتائجها السلبية ظلالاً، تمثل تحدياً جديداً يهدد التفاهم بين الثقافات مما يحتم الحوار بينها حتى تقوم العولمة على مستوى إنساني يحول دون وجود تدرج بين الحضارات في مدلولها الثقافي والأدبي والديني. فلا معنى للعولمة ما لم تتبن مشروعاً لتنمية الحضارات والثقافات من خلال الحوار فيما بينها ، من خلال وسائل الإعلام المعاصر يجمع ولا يفرق ، يعمل على التوحيد ولا يعمق الاختلاف ، وإذا كانت هذه الوسائل تشبع رغبة الناس في اكتشاف آفاق جديدة في العالم فلا يجوز أن تؤدي إلى أن يفقد الناس ثقافاتهم وهويتهم .. أي يفقدون أنفسهم .
إن الوسيلة الوحيدة لنجاح العولمة على المستوى الإنساني هي الحوار ، ولا يمكن أن تقوم العولمة على القضاء على هوية الشعوب ، لأن الهوية هي قوام روح الأمم والشعوب .ولا يجوز تحت أي مسمى من مسميات العولمة أن تصاغ الهويات الثقافية المتعددة في بوتقة ثقافية أحادية النمط ، تخضع في ظلها سائر الثقافات لقانون أسمي . فلا للطغيان .. ولا للهيمنة .. ولا للتأثر الأعمى .. ولا للانحدار ، ولا يجوز لدعاة الإصلاح من الخارج أن تنبثق مبادراتهم على الديمقراطية التي لا تنبثق من الهوية الثقافية للشعوب والتي تحدد مسار إرادتها .
ولنعلم أن في اليابان عولمة إلا أن الثقافة الأمريكية عجزت عن اغتيال الثقافة اليابانية ، بل ظلت الأصالة الثقافية اليابانية وهويتها هي الثقافة الطاغية التي تحرك تنافسها الاقتصادي .
ونتساءل الآن عن استراتيجية الإعلام العربي للمحافظة على الهوية العربية في مواجهة تحديات الإعلام المعاصر . إذا نظرنا إلى بعض ملامح المشهد الراهن للإعلام العربي وتوظيفه في دوره التأثيري على الهوية العربية ، فإننا يمكن أن نلاحظ ما يلي :
- قصور في تحقيق تكتل إعلامي عربي يربط بين الغايات والإمكانات ، وبين الشعارات والممارسات . ويرتبط القصور في تحقيق التكامل الإعلامي العربي عضوياً بالقصور في إحداث نوع من التكتل على الصعيد السياسي العربي ، وذلك نتيجة منطقية لتبعية الإعلام للسياسة .
- تسرب نسبة هائلة من المواطنين العرب إلى منافذ الإعلام الأجنبية لفقدان الثقة في الإعلام العربي . وتكفي مثلاً مساحات البث الإذاعي العربي الهائلة التي تسيطر عليها هيئة الإذاعة البريطانية .
- هناك العديد من الإذاعات العربية الموجهة تذيع ولا تُسمع ، ووكالات أنباء عربية ترسل ولا يستقبلها إلا أقل القليل. فعلى الرغم من وجود 22 وكالة أنباء عربية فإن وكالات الأنباء الغربية لا تزال تستأثر بالساحة العربية.
- تدفق إعلامي غائب أو شبه غائب ما بين الدول العربية . فقد ظلت حركة الإعلام العربي المشترك ضعيفة في بلوغ الأهداف القومية . وسيطرت المصالح القطرية على تحديد مجال حركة الإعلام العربي المشترك . فالإعلام الفضائي معظمه مهاجر في غير موطنه العربي يستورد أكثر موارده الإعلامية من الغير .
العدد 93 - وجهة نظر
هذه المؤشرات جعلت الدول العربية تحتل ذيل قوائم الإحصاءات الإعلامية التي تصدرها منظمة اليونسكو من استهلاك ورق الصحف إلى معدلات القراءة والاستماع .
ولكن هذه الصورة القاتمة لا تخلو من بعض الملامح المضيئة التي سأتحدث عنها لاحقاً ، ولكن ما أريد أن أخلص إليه في هذه النقطة هو أن إعلامنا العربي بوجه عام لم يرتفع بعد إلى مستوى الرسالة في تعميق أركان الهوية العربية، وإشراك المواطن العربي في التفاعل في بناء المجتمع العربي المتماسك .
وإذا كان إعلامنا العربي يعيش ما يمكن أن نسميه بالصدمة الإعلامية الناتجة عن قوة الإعلام الدولي المعاصر الذي تحركه الدوائر السياسية والاقتصادية والعسكرية والعالمية ، فلقد أدرك وزراء الإعلام العرب – خاصة في اجتماعهم بالقاهرة في 27 من يونيو 2003 – أن أهمية تلك الاستجابة من خلال إنشاء المركز العربي للرصد ، وإنشاء وكالة أنباء عربية مصورة ، وإنشاء قناة فضائية يتم تمويلها عن طريق القطاع الخاص ، إلا أن ذلك لا يعني أننا بلغنا ما نبغيه من الرسالة الإعلامية العربية ، فلابد أن نكون واعين أن الإعلام العربي لم يبن حتى الآن استراتيجية إعلامية طويلة المدى ، للتعريف بالهوية العربية أو بالقضايا العربية التي تمثل جزءاً من هذه الهوية .
فالقضية الفلسطينية ظلت لعقود طويلة أسيرة الفهم الخاطئ أو عدم المعرفة بها لدى الشعوب الأوروبية والأمريكية . فالإعلام أصبح هو القاطرة للتأثير على القرار السياسي الدولي ، سواء لصالح القضية الفلسطينية أو غيرها من القضايا العربية .
وفي هذا الشأن اسمحوا لي أن أقول إن إعلامنا العربي لا يجوز أن يقف دائماً موقف المدافع أو المحامي عن القضايا العربية ، هذا الدور يفرغه من دوره الحقيقي الطموح الذي نتطلع إليه كأداة لتعريف العالم بقضايانا المصيرية ، وما يقتضي ذلك من توفر روح المبادرة والمبادأة وارتياد مجالات جديدة في العمل الإعلامي ، أما مجرد حصره في دور المدافع ، فإن ذلك يفتح الباب على مصراعيه لمحاصرة الإعلام العربي في أفخاخ ، لجعله رد فعل لا فعلاً إيجابياً . فالتغطية الإعلامية العربية لما يجري في فلسطين أو العراق تتسم بما يمكن وصفه بتغطية ردود الأفعال .
وهذا يجعلنا نقول إن إعلامنا العربي الذي هو مطالب في ذات الوقت بالحفاظ على الهوية العربية يعاني من ثلاث مشكلات أساسية :
أولاها : غياب التخطيط الاستراتيجي لمواجهة التكتلات الإعلامية الدولية .
ثانيتها : ضمور الإنتاج الإعلامي العربي ، وشح الإبداع .
ثالثتها : الاعتماد على الرسائل الإعلامية الأجنبية وإعادة بثها من جديد إلى المواطن العربي ، وكأننا ارتضينا أن نفوض الآخرين بأن ينقلوا إلينا صورة العالم من حولنا ، بل أحياناً صورتنا ذاتنا . وفي ذات الإطار فإن شبكة الإنترنت لم ندرك بعد مغزاها الثقافي ، لكي يمكننا إدراك مغزاها الاتصالي الإعلامي ، ولكن ذلك لا يجعلني أنكر بعض المحاولات الناجحة لتطوير الإعلام العربي في مجالات الصحافة والإذاعة والتلفزيون .
ولاشك أن الإعلام المصري يسير بخطى طيبة جداً نحو آفاق المستقبل ، والدفاع عن الهوية العربية بجذورها الثقافية وتقاليدها ومبادئها ، وليس أدل على ذلك أن القمر الصناعي المصري « نايل سات » به العديد من القنوات الثقافية المتخصصة ، مما جعل الإعلام المصري سوقاً رائجة للسلعة الإعلامية الناجحة .
في ذات الوقت فإن إحدى المحاولات المهمة في الاستفادة من الإنترنت هي ما قام به الأستاذ إبراهيم نافع – رئيس مجلس إدارة ، ورئيس تحرير الأهرام – في إنشاء المنظمة العربية لمكافحة التمييز التي أصبحت واحدة من أهم الوسائل الإعلامية في العالم ، والتي تفضح الممارسات الإسرائيلية في الأراضي العربية المحتلة ، وجميع أنواع الممارسات لمكافحة التمييز العنصري ضد السكان الفلسطينيين .
العدد 93 - وجهة نظر
فقد كشف هذا الموقع حقائق مهمة ، وجاء ليسد نقصاً مهماً في مخاطبة الرأي العام الأمريكي والأوروبي ، والذي انفردت به إسرائيل لحقب طويلة . هذا نموذج من المحاولات الإعلامية العربية الجادة ، ولكن تظل هذه المحاولات دون الحد الأدنى المطلوب.
لابد أن أشير إلى العلاقة بين النظام الإعلامي العربي والهوية العربية ، فإذا أردنا تحليل واقع الهوية العربية ، كما تعكسها وسائل الإعلام العربية ، فلابد لنا أن نتفق منذ البداية على أن النظام الإعلامي العربي يعتبر نظاماً فرعياً ضمن منظومة العمل العربي المشترك ، ويشمل مجموعة من العناصر والمكونات التي يقوم عليها النظام الدولي .
ولعل أحد التحديات المهمة أمام النظام الإعلامي العربي في تحليل واقع الهوية العربية يبرز في الاختلاف والتنوع الشديد في استخدام تكنولوجيا الاتصال داخل القطاع الإعلامي العربي . وتعكس هذه الاختلافات تبايناً في مستويات التطور الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي بين الدول العربية ، وداخل كل دولة على حدة .
ولذلك فإن التأثير الإعلامي العربي إيجابي في الحفاظ على الهوية العربية ، ويتطلب أن يشهد هذا الإعلام التحول إلى قوة صناعية واقتصادية بالغة التأثير .
ولذلك سيعجز الإعلام العربي – إذا استمر أداؤه بنفس الصورة ، في الاعتماد على الإعلام القطري الفردي – في مواجهة ضخامة الترسانة الإعلامية اليوم ، حتى إنه مازال يعتمد حتى اليوم على الاسوشيتدبرس ، ورويترز وخدمة لوس أنجلوس تايمز ، ونيويورك تايمز والـ C.N.N .
أعتقد أن نقاط البداية لمواجهة الأخطبوط الإعلامي الأجنبي تقتضي منا البحث عن استراتيجية إعلامية عربية للحفاظ على الهوية العربية ، وحتى تلتئم عناصر هذه الاستراتيجية، فإنه لابد من حشد التكتل العربي ضد محاولات الفرقة والتفرقة ، ولم شمل النخبة المثقفة العربية ، وإعادة قنوات الحوار بين فئاتها المختلفة قومياً وعلمانياً وإسلامياً وغير ذلك ، وتحاشي الانزلاق إلى القضايا الجانبية ، وتجنب نقل خلافاتنا الداخلية إلى ساحة الجدل العالمي .
كما أن هذا المشروع يعتمد على التصدي للروح السلبية وفقدان الثقة التي تعاني منها معظم جماهير أمتنا العربية في ظل أوضاعنا الراهنة ، والتصدي لمصادر إهدار العقل العربي ، بدءاً من الأمية وانتهاء بنزيف العقول وما بينهما من فكر الخرافة والانتهازية الفكرية، بالإضافة إلى ذلك فإنه من الضروري التصدي لأزمة اللغة العربية : تنظيراً وتعليماً واستخداماً، والمساهمة في بلورة سياسية لغوية قومية ، باعتبار أن اللغة هي أفضل وسائل التكتل العربي والمدخل الطبيعي إلى إحداث النهضة الثقافية المطلوبة .
كما أن إقامة صناعة ثقافية إعلامية عربية تقوم على ركيزة قوية من صناعة المعلومات ، تستوجب تهيئة الشعوب العربية للصراع المعلوماتي من خلال المساهمة في صياغة صورة الثقافة العربية على الإنترنت ، واكتساب المهارات والمقومات اللازمة في إقامة حوار متكافئ مع ثقافة الغير .
وفي الحقيقة إن إقامة صناعة ثقافية إعلامية من أجل الهوية العربية لم تعد متطلباً ثانوياً أو فرعياً ، أو مسألة تحتمل التأجيل ، فإن أهل الإعلام لابد أنهم تابعوا ما تقوم به إسرائيل من إطلاق قناة « التاريخ » ، وما أقره الكونجرس الأمريكي من إطلاق قناة ناطقة باللغة العربية لمخاطبة العرب . فالاستحواذ على الفضاء أصبح له الكلمة المسموعة في حسم القضايا .
وإطلاق هاتين القناتين في هذه الفترة يمثل نقطة تحول نوعية ، تزامنت مع ترجمة العديد من الفضائيات الأجنبية أعمالها إلى اللغة العربية ، مثل محطات الشوتايم الإنجليزية ، والقنوات الألمانية ، والإذاعات الموجهة مباشرة للعربية .
ولا أخفيكم قلقاً من أن توجهات العديد من أبناء العرب أصبحت ترتبط بما تبعثه هذه القنوات والإذاعات ، التي تتبنى أحياناً الكثير من السياسات والمواقف بشكل مغاير للحقيقة والمبادئ العربية . فما السبيل لمواجهة هذا السيل الإعلامي الوافد ؟
العدد 93 - وجهة نظر
وحتى يستطيع الإعلام العربي المساعدة في الحفاظ على الهوية العربية يجب الأخذ بالاعتبارات التالية :
- تطوير الإنتاج الفضائي العربي وجعله أكثر تنوعاً .
- جذب المشاهد العربي وربطه بوطنه العربي ، وجعله أكثر انتماء وحرصاً على العادات والتقاليد العربية .
- دراسة الجمهور المستهدف وتقسيمه إلى فئات وشرائح واستخدام الاستمالات المواتية لكل فئة حتى يلبي الإعلام العربي احتياجات مشاهديه .
- الحرص على إعداد وإنتاج برامج عربية مشتركة ، تتوافر فيها كل أساليب الجذب من حيث الشكل وتتوافر فيها الموضوعية من حيث المضمون لكي تجذب المشاهدين بعيداً عن البرامج الوافدة .
- التأكيد دائماً في الإنتاج العربي على منظومة القيم التي تشكل خصوصية الثقافة العربية مثل العادات والتقاليد واللغة .
- التحاور مع الثقافات الأخرى من موقع الندية لا التبعية .
- الاهتمام بالأقليات العربية المقيمة خارج الحدود ، والتي يجب أن تظل على صلة بالوطن الأم ، لتعميق الشعور بالانتماء والتأكيد على الهوية العربية .
- التنسيق والتكامل بين المؤسسات الإعلامية العربية ، وكذا المؤسسات الثقافية والأكاديمية لرفع وعي المواطن العربي .
- التكامل لا التنافس بين الفضائيات العربية من خلال استراتيجية محددة المعالم بحيث تنافس الفضائيات الأجنبية الموجهة إلى المنطقة العربية وتحد من تأثيراتها على الهوية الثقافية العربية .
ربما تحضرني مقدمة ابن خلدون عندما أكد على أن علاقة الارتباط بين الثقافة والعمل والمعرفة تتطبع بطبيعة المناخ الاجتماعي الذي تنطلق منه في التأكيد على أن المجتمع لا تشكله السياسة أو الاقتصاد بقدر ما يشكله نظام التواصل السائد بين الأفراد والجماعات والمؤسسات ، أو بعبارة أخرى فإن حديثنا عن تواصل الإعلام بالهوية العربية لا يمكن أن ينفصل عن أحوالنا الداخلية وأوضاعنا السياسية والاقتصادية ، فلابد من توافر البنى التحتية القادرة على مداومة التحديث للهوية والثقافة العربية ، بحيث لا تبدو وكأنها حجر جامد يرفض التطويع والتأثير في الآخرين .
وفي هذا الصدد لابد أن نتخلى عن طابع رد الفعل والانفعالية ، وألا يكون خطابنا الإعلامي تصادمياً ، بل علينا أن نتعلم مهارات الحوار ، ومناورات التفاوض ، وأن نحدد نوعية المتلقي المستهدف من رسائلنا الإعلامية.
إن من يلاحظ الخطاب الإعلامي اليهودي ، الذي تتم صياغته في العديد من المؤسسات العلمية والمراكز البحثية في أوروبا وأمريكا ، يبدو له بوضوح التنسيق الشديد بين محتويات الرسالة الإعلامية اليهودية ، خاصة في مواقع بث وتبادل معلومات الثقافة اليهودية عبر الإنترنت ، مما يؤكد أن وراء ذلك استراتيجية متكاملة يجري تنفيذها بدقة ، وتوزع من خلالها الأدوار ، ويكثف الحضور اليهودي في فضاء الإنترنت ، بل إن المتابع للخطاب الإعلامي اليهودي يلاحظ أنه يتحاشى تماماً مواضع الاختلاف مع نظيره المسيحي ، بل يحث على اللغة المشتركة ، ويضع نصب عينيه عقلية المتلقي وحدود معرفته ، والمواضع الحساسة في عقله ووجدانه .
كما أنه يسعى إلى حشد التأييد للشعب اليهودي وقضاياه ، وذلك بإقحام العنصر اليهودي قسراً في معظم الأمور التي تحظى بالتعاطف العالمي .كما أن إحدى الإشكاليات المهمة في بناء رأي عام أوروبي وأمريكي مؤيد للحقوق العربية هو محتوى الرسالة الإعلامية اليهودية الإسرائيلية المشتركة .إن إسرائيل في رسالتها الإعلامية تصور نفسها على أنها « موزاييك من الناس والأفكار والثقافات واللغات » وعلى حد قولهم فإن إسرائيل تجمع بين القديم « القدس » والجديد « تل أبيب » ، وبين صحراء النقب والوادي الخصيب في أرض الجليد ، وبين روحانيات الشرق وثقافة الغرب.
أنا لا أقول ذلك لأعبر عن إعجابي بالرسالة الإعلامية اليهودية والإسرائيلية ، ولكن أردت من هذا المثل العابر أن أؤكد لكم أننا لدينا نحن العرب كل المقومات الثقافية والفكرية والدينية . لدينا تاريخ حضاري بلغ شأواً عظيماً في بناء نهضة هذا العالم ، لدينا إمكانيات مادية هائلة في حاضر هذا العالم ، لدينا مقومات تأثيرية هائلة في مستقبل هذا العالم ، لدينا عقول عربية مازال الغرب يفاخر بها ، وتمثل علامات مضيئة في تاريخ البشرية العلمي .
لكن كل ذلك لم يؤد بنا إلى أن نحتل المكانة اللائقة بنا في هذا العالم ، بسبب افتقار السياسة الإعلامية العربية خطة عمل واضحة في مضمونها ، وفي أهدافها .
إن ما سبق يمثل جزءاً من خواطري العامة عن الإعلام المعاصر والهوية العربية ، وهو موضوع يستحق الكثير من المناقشات ، ويتطلب – بإلحاح – تقديم الرؤى العربية الصادقة ، والتحليل العلمي الرصين ، حتى تستطيع أمة العرب أن تستنهض مكان قوتها ، وتقف بكل صلابة في مواجهة متغيرات العالم وبيئته المضطربة ، سياسياً ، واقتصادياً ، وثقافياً ، وعسكرياً .
ملاحظة(1): عن مجلة « مجلس الشعب المصرية » العدد 30 / حزيران ( يونيو 2004 ).
العدد 93 - وجهة نظر
|