دراسات
دور البرلمانات
في دعم عملية التنمية المستدامة
|
. |
دراسات
دور البرلمانات
في دعم عملية التنمية المستدامة (1)
إعداد : محمد بني هاني
الأمانة العامة لمجلس النواب
تمهيد :
إن القرن الحادي والعشرين يشهد ميلاد عالم جديد يتصف بالاعتماد المتبادل بين مختلف أرجائه . وقد مهدت لهذا الاعتماد التطورات البالغة الأبعاد والمتلاحقة طول القرن الماضي ، بخاصة في عقوده الأخيرة ، وصولاً لإنجازات إنسانية باهرة في مجال القدرات التكنولوجية والثورة العلمية والمعلوماتية والاتصالات ... الخ .وفي خضم هذه المتغيرات ، واستجابة لمقتضياتها بات من المهم طرح ومناقشة بعض التحديات التي تواجه المجتمعات مثل الثورة العلمية والتقدم والنمو الاقتصادي من ناحية ، وكذلك الأوضاع الاجتماعية والتعليمية والمعيشية للأفراد من ناحرة أخرى . وإذا كان هذا العصر قد أفرز هذه التحديات بمصاعبها ومتاعبها التي ستضاف إلى المشاكل المتراكمة والمزمنة في الدول النامية ، بحكم عدم امتلاكها زمام الثورة العلمية والتكنولوجية والوسائل التقنية والمعلوماتية وغيرها ، فإن آمال هذه الدول وطموحاتها تتجه نحو نمو اقتصادي دائم وتنمية مستدامة في كافة المجالات .
وتعد المشاركة في التنمية من أهم العناصر الأساسية في إحداث التطور في المجتمع فهي تعني اشتراك الناس عن كثب في العمليات التي تؤثر على حياتهم سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو ثقافية أو اجتماعية ، وتمتاز هذه المشاركة بأنها تساهم في توليد المسؤولية الاجتماعية والجماعية نحو القرارات والتشريعات المتخذة في المجتمع ، فضلاً عن صياغة التنمية من القاعدة إلى القمة وليس العكس كما في أساليب التنمية المركزية . هذا وتساهم المشاركة الشعبية للأفراد في تحديد الاحتياجات الحقيقية للمجتمع بعيداً عن التعقيدات المركزية ، وهو ما من شأنه تعزيز الدعم الشعبي للمشاريع التنموية والاجتماعية في المجتمع بشكل عام ، والمجتمع المحلي بشكل خاص.
وتقوم فكرة التنمية المساعدة على المبدأ القائل بأنه لا يجوز للحاضر أن يستهلك المستقبل ، وقد برز هذا المفهوم على يد اللجنة العالمية المعنية بشؤون البيئة والتنمية عام 1987 ، وقصد به التنمية التي تعمل على تلبية حاجات الجيل الحاضر من غير أن تلوث البيئة أو تستنزف الموارد الطبيعية بما يعرض احتياجات الأجيال المقبلة للخطر . وعليه فقد نشأت علاقة متبادلة بين التقدم الاقتصادي وحماية البيئة . وهذا الوضع دفع بالحكومات والمنظمات إلى رفع الصوت عالياً ، وإدخال مسألة البيئة وترشيد استهلاك الموارد الطبيعية في صلب استراتيجية التخطيط الاقتصادي والتنمية المستدامة لصالح الأجيال المقبلة . بل أصبحت الحماية البيئية والتنمية المستدامة من أكبر تحديات القرن الحادي والعشرين وأصبح مثلث التنمية بشكل عام يقوم على محاور أساسية ثلاثة :
1 – تنمية الموارد البشرية 2 – التنمية الاقتصادية 3 – الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية .
ومن الملاحظ أن هنالك عدة تعاريف لمفهوم التنمية المستدامة يمكن إيجازها بما يلي :
تدل التنمية المستدامة على مفهوم تلبية احتياجات الإنسان من خلال التقدم الاجتماعي والاقتصادي والتقني والمحافظة على نظم وموارد الأرض الطبيعية . ويعتمد تقدم العالم المستدام على استمرار ذلك التقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتقني واستمرار تواجد الخدمات الطبيعية من البيئية . وهذا يستدعي المحافظة على موارد الأرض الطبيعية وعدم هدرها . فالتنمية المستدامة اصطلاح يرتبط عامة مع تحقيق تقدم اقتصادي تقني يحافظ على الرأسمال الطبيعي الذي يشمل الموارد الطبيعية والبيئية وهذا يتطلب تطوير مؤسسات مستنيرة وبنى تحتية وإدارة ملائمة للمخاطر والتقلبات والنقص في المعرفة والمعلومات لتؤكد المساواة في تقاسم الثروات بين الأجيال المتعاقبة وفي الجيل نفسه ، وذلك دعماً للرأسمال الإنساني والمحافظة على قدرة نظم الأرض الطبيعية في خدمة استمرارية الحياة في الأرض .
ويشكل الإنسان محور التعاريف المختلفة ، بشأن التنمية المستدامة حيث تتضمن تنمية بشرية تؤدي إلى تحسي مستوى الرعاية الصحية والتعليم والرفاه الاجتماعي ، وهناك اعتراف اليوم بهذه التنمية البشرية على اعتبار أنها حاسمة بالنسبة للتنمية الاقتصادية وبالنسبة للتثبيت المبكر للسكان وحسب تعبير تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي فإن الرجال والنساء والأطفال ينبغي أن يكونوا محور الاهتمام . وتؤكد تعريفات التنمية المستدامة بصورة متزايدة على أن التنمية ينبغي أن تكون بالمشاركة بحيث يشارك الناس ديمقراطياً في صنع القرارات التي تؤثر في حياتهم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وبيئياً .
كما اتسع تعريف التنمية المستدامة لتشمل تحقيق التحول السريع في القاعدة التكنولوجية للحضارة الصناعية ، مما أدى إلى الحاجة إلى تكنولوجيا جديدة تكون ألطف وأكفأ وأقدر على نفاذ الموارد الطبيعية، حتى يتسنى الحد من التلوث ، والمساعدة على تحقيق استقرار المناخ واستيعاب النمو في عدد السكان وفي النشاط الاقتصادي .
العدد 93 - دراسات
العقبات التي تواجه مسيرة التنمية المستدامة في الدول النامية:
تعاني غالبية الدول النامية من عقبات عديدة تعيق مسيرة التنمية المستدامة وهي مختلفة من مجتمع لآخر وإن كان يوجد حد أدى مشترك بينهما ، ومن أبرز هذه العقبات :
1 – العقبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية :
يعتبر العامل السياسي عاملاً قوياً في عملية التنمية لأن عدم توافر الاستقرار كما هو موجود في معظم الدول النامية يشكل عائقاً أمام عملية التنمية . فالعالم الثالث يعاني من المشاكل التنموية ومزيداً من المديونية ، ومزيداً من الاستنزاف للثروات الطبيعية والتدمير البيئي ، ومزيداً من الفقر والبطالة والتضخم ، ومزيداً من ارتفاع عدد سكانه مما يجعله أكثر دول العالم عرضة للتوتر الإقليمي ، واتجاه التنمية اتجاهاً سلبياً فيه ، مما يقود العالم الثالث نحو كارثة يصعب على العالم تجاهلها .كما يشكل الفساد الاقتصادي والاجتماعي أكبر تهديد لتنمية دول العالم الثالث في المستقبل . ويعتبر سبباً في هدر المدخرات وضعف الاستثمار الداخلي وارتفاع أعباء الديون الخارجية المترتبة عليه .
إن الفجوة بين الدول النامية والدول المتقدمة تتسع في ظل عولمة التجارة والتمويل وتدفق المعلومات، ولا داعي لتأكيد الإحصائيات الرهيبة التي تشير إلى اتساع الفجوة في الديوم ومستويات المعيشة بين الأغنياء والفقراء في هذا العالم ، الأمر الذي يكرس عدم العدالة والافتقار إلى التوازن مما يؤدي إلى إشاعة الفوضى والاضطراب في العالم النامي ، فالمساعدات التنموية انخفضت للدول النامية بدل زيادتها وفي الوقت نفسه انخفضت تدفقات الاستثمار المباشر وازدادت القيود أمام نقل التكنولوجيا وقد تراجعت صادرات الدول النامية وتقلصت حصصها في الأسواق العالمية ، كما تراجعت المساعدات الرسمية ، وهنالك خسائر متوقعة من الزيادة التي ستطرأ على أسعار السلع الغذائية والزراعية .
2 – تعثر العملية السلمية :
وبالإضافة إلى العقبات المشار إليها أعلاه والتي تشمل بالضرورة الشرق الأوسط كذلك كونه جزءاً من العالم الثالث ، فهناك الصعوبات التي تواجه عملية السلام في الشرق الأوسط وما يعترضها من عقبات تضعها إسرائيل من خلال ممارساتها والتي إذا لم يتم تفاديها فإنها ستجر المنطقة إلى مزيد من الصراعات والدمار وستكون عقبة في مسيرة التنمية في الشرق الأوسط .
العدد 93 - دراسات
التمويل من أجل دعم عملية التنمية المستدامة:
هناك العديد من المشاكل التي تعاني منها الدول النامية لابد من مواجهتها لأنها تعتبر عقبة في طريق التنمية ، فتمويل التنمية يتأثر كثيراً بما يسمى بالعجز الصحي في العالم ، لأن الجهود التي تبذل في سبيل التنمية يمكن أن تنتفي نتيجة لسوء الحالة الصحية المترتبة على انتشار أسوأ الأمراض المعدية مثل وباء فيروس نقص المناعة ( الإيدز ) والسل وغيرها من الأمراض التي تحتاج إلى اتخاذ أقوى التدابير الممكنة لمكافحة هذا المرض وغيره من الأمراض المعدية والتي تحتاج إلى المزيد من التمويل ، وهذا بدوره يستلزم نرتيبات لمنح امتيازات لتصنيع الأدوية اللازمة وتوفيرها بأسعار معقولة ، وكذلك تشكيل هيكل تكامل للرعاية الصحية يتيح للمواطنين على اختلاف أعمارهم وفئاتهم وشرائحهم الاجتماعية ودخولهم الوصول إلى خدمة صحية مقبولة، وذلك لمواجهة المرحلة القادمة .
كما أن هناك قلقاً بالغاً إزاء عبء الديون الخارجية المتراكمة التي تؤثر على معظم البلدان الأقل نمواً والتي ما زالت عقبة رئيسية تعترض تنميتها .إن هنالك تفهماً بأن الإعفاء من الدين الخارجي للدول النامية المؤهلة لذلك يمكن له أن يحرر مصادر التمويل مما يسمح بتوجيهها نحو جهود التنمية .
وكذلك فإن الفساد يعتبر تهديداً خطيراً للأمن والاستقرار بالمجتمع ، كما أنه يخل بمبدأ التوزيع العادل بالمصادر والتمتع بحقوق الإنسان ، ويرتبط بشكل وثيق بغير ذلك من الجرائم مثل الإرهاب والجريمة المنظمة والإتجار بالمخدرات وغسيل الأموال سواء على المستوى الوطني أو الدولي . ولمواجهة هذه التحديات بمحاربة الفساد وما ينتج عنه من جرائم أخرى لابد من المزيد من التمويل اللازم لذلك ، وكذلك اتخاذ الإجراءات التي تضع حداً للفساد في الإدارات السياسية والعامة ومنع إساءة استعمال السلطة . كما أن الحكم الجيد والإدارة السديدة على الصعيدين الوطني والدولي ، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان المعترف بها دوليً بما فيها الحق في التنمية وتعزيز الديمقراطية وتسوية المنازعات بالطرق السلمية والاستثمار في مجال الصحة والتعليم والبنية الأساسية وتدعيم القدرات الإنتاجية وبناء المؤسسات وهي جميعها عوامل لابد منها لتحقيق الطاقات البشرية والاقتصادية الضخمة التي لم تستغل في البلدان الأقل نمواً . لذلك لابد أن تحظى بدعم دولي ملموس وكبير من الحكومات والمنظمات الدولية بروح من تقاسم المسؤولية عن طريق الشراكات الحقيقية بما في ذلك الشراكات مع المجتمع المدني والقطاع الصحي .
إن حشد المصادر المالية المحلية والمصادر العالمية من أجل التنمية يستلزم وجود حكم جيد ومحاربة الفساد وزيادة قدرات الاقتصاد المحلي وجذب تدفقات الاستثمار المباشرة ، هذا بدوره يستلزم بذل الجهود لخلق مناخ استثمار شفاف ومستقل وسياسات ومؤسسات اقتصادية سليمة بحيث يمكن للأعمال المحلية منها والدولية أن تعمل بكفاءة وربحية مما ينعكس إيجابياً على التنمية .
إن التجارة الدولية هي المصدر الأكبر بالنسبة للتمويل من أجل التنمية ، وتوسيع التجارة الدولية هي الوسيلة الأكثر فعالية في تعزيز النمو والتخفيف من حدة الفقر . وللاستفادة إلى الحد الأقصى من التجارة التي هي أهم المصادر للتنمية يجب على الدول النامية أن تضع السياسات وتنشيء المؤسسات المناسبة ، مع الأخذ بعين الاعتبار إزالة العناصر التي تقلق الدول النامية مثل إلغاء الحواجز التجارية التي تقف أمام انسياب السلع والخدمات بين الدول ، وإغلاق الحدود والتركيز على المنتجات الوطنية والشركات الوطنية وإجراءات الدعم للمنتجات الزراعية الخاصة وسوء استعمال إجراءات الإغراق . إن دعم المنتجات الزراعية في بعض الأقطار المتقدمة والصناعية قد قلصت الفرص أمام منتجات الدول النامية إلى درجة أن أخرجتها من الأسواق . وإذا ما تم إلغاء هذا الدعم فإن الفوائد التي ستجنيها الدول النامية جراء ذلك ستفوق بثمانية أضعاف إجمالي الديون التي أعفيت منها حتى الآن . وإذا ما فتحت الدول الصناعية أسواقها أمام صادرات الدول الفقيرة فإن هذا يفيد الدول النامية أكثر من المساعدات .
هنالك تفهم بأن الإعفاء من الدين الخارجي للدول النامية المؤهلة لذلك يمكن له أن يحرر مصادر التمويل مما يسمح بتوجيهها نحو جهود التنمية ، وعلى الرغم من أن بعض الدول ذات المداخيل المتوسطة والمتدنية قد نجحت في استعمال تحويل الديون الخارجية لحصولها على المزيد من الدخل لتسديد هذه الديون فإن البعض الآخر غرق في ديون شلّت جهودها في مواجهة الفقر .
هنالك إدراك بأن زيادة كبيرة في المساعدات الرامية للتنمية وغيرها من المصادر المالية ستكون ضرورية إذا ما أريد للدول النامية أن تحقق أهداف التنمية ، وهذا بدوره يستلزم على الدول النامية والفقيرة التي تستفيد من هذه المساعدات أن تنتهج سياسات اقتصادية سليمة وأن يكون لديها الحكم الجيد لتعزيز النمو والحد من الفقر لأن غياب الحكم الجيد يمكن أن يفرغ هذه المساعدات من محتواها .
مطالبة هيئات ومنظمات الأمم المتحدة بخاصة العاملة في مجال التنمية بأن تقوم بمبادرات من أجل النهوض بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الدول النامية .
كما دعى الاتحاد البرلماني الدولي متابعة قرارات ( مونتيري ) وذلك بمراقبة الطريقة التي تطبق بها الحكومات التزاماتها في مجالات تمويل التنمية ومتابعة صرفها إن لزم ، متابعة متسمة بالكفاءة والشفافية .
كما أن على الاتحاد البرلماني الدولي اتخاذ الإجراءات التشريعية في مجال التمويل من أجل التنمية التي تعزز الحكم الجيد والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان .
ويجب على الاتحاد البرلماني الدولي تعزيز التعاون بينه وبين الأمم المتحدة ومؤسسات ( بريتون وودز ) ومنظمة التجارة الدولية من أجل إضفاء بُعد برلماني على هذه المؤسسات ، وأن يساعد في تنفيذ إعلان الألفية لعام (2000) لتخفيض نسبة الفقر إلى النصف في العالك بحلول العام (2015) .
العدد 93 - دراسات
دور التجارة الخارجية في دعم عملية التنمية المستدامة:
تؤدي التجارة الخارجية دوراً مهماً في اقتصاديات دول العالم وبخاصة في اقتصاديات الدول النامية التي تتميز بضعف الادخار وازدياد الحاجة إلى الاستيراد حيث أصبحت تشكل أحد الأدوات الأساسية لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية في تلك الدول ، لذلك لا يمكن تجاهل العلاقة الوثيقة بين التجارة الخارجية والتنمية الاقتصادية .
ومن هذا المنطلق نلاحظ أن العالم يشهد منذ أوائل التسعينات تغيرات جوهرية ستؤدي في نهاية المطاف إلى تحرير التجارة الدولية وتدفق رؤوس الأموال وثورة المعلومات والاتصالات ، فالعولمة تواجه الجميع بقوة ، فهي نتاج التقدم العلمي والتكنولوجي الجاري منذ عقود ، والمطلوب هو إجراء التكيف اللازم وتقليص الأخطار الناجمة عنها ولاسيما إزاء التفاوت الاقتصادي بين الدول المتقدمة والدول النامية ، والبحث في الوسائل والإمكانات التي من شأنها الاستفادة من الفرص التي تتيحها هذه الظاهرة .
وبقدر ما تعني السوق العالمية تحرير التجارة وفتح باب المنافسة الاقتصادية على مصراعيه بين جميع البلاد فهي تهدد الاقتصاديات الضعيفة التي لا تتميز بدرجة عالية من التحكم التقني والسيطرة على الموارد وعناصر الإنتاج الكبير ، ومن الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى بروز مشاكل جديدة وكبيرة أمام التنمية في أكثر البلاد النامية .
فلا تزال الهوة تزداد عمقاً على صعيد التنمية بين الشمال والجنوب وهي تتجلى من خلال التوزيع غير المتساوي للنمو الاقتصادي وعدم التكافؤ في الدخول إلى الأسواق العالمية في مستوى التقدم التقني والعلمي .
العدد 93 - دراسات
واقع التنمية المستدامة في الأردن ودور البرلمان الأردني في عدم التنمية المستدامة :
حقق الأردن ، رغم محدودية موارده الضيقة وحالة عدم الاستقرار في المنطقة ، إنجازات متميزة وحقيقية من حيث التنمية الاقتصادية والاجتماعية . ويمكن أن نضيف إلى محدودية الموارد كمحدد للتنمية ، حجم السكان الذي تجاوز (5) ملايين نسمة مقروناً بالنمو السريع في عدد السكان الذي بلغ حوالي 7.3% ، وتضاعف خلال عشرين عاماً وهذا يشكل ضغطاً على الموارد الطبيعية مما يعرضها للاستنزاف مع فرص كبيرة للتلوث البيئي وبخاصة المياه الجوفية.
ودخل مفهوم التنمية المستدامة في مفردات وأدبيات التنمية الاقتصادية وبخاصة فيما يتعلق بالتعامل مع البيئة والزراعة . وقد شارك الأردن في المؤتمر العالمي حول التنمية والبيئة في « ريو دي جانيرو » في البرازيل عام 1992 وأظهر رغبة في العمل من أجل الأخذ بمنهج التنمية المستدامة . وقام بالتوقيع على الاتفاقيات والمعاهدات التي نوقشت في «ري دي جانيرو» وأعد وثيقة الأجندة الوطنية (21) واستراتيجية المعلومات البيئية واستراتيجية التوعية والتعليم والاتصال البيئي ، كما نفذ حزمة من الإصلاحات الاقتصادية . وقد تم إقرار قانون حماية البيئة رقم (12) لعام 1995 ، والذي أُنشئت بموجبه المؤسسة العامة لحماية البيئة وتم تشكيل مجلس حماية البيئة ومكتب للتنمية المستدامة . وقد تم استحداث وزارة للبيئة في عام 2003 .
وقد وقّع الأردن العديد من المعاهدات الدولية المتعلقة بالتنمية المستدامة وسيستمر في العمل بنشاط في مجال التشريعات الدولية الخاصة بالبيئة والتنمية المستدامة .
وإن الأردن كغيره من مجتمعات العالم تبنى العديد من البرامج التي تهدف إلى تعزيز المشاركة في التنمية المستدامة، سواء كانت هذه البرامج تُدار من قبل القطاع العام أو من قبل القطاع الخاص ، غير أنه بحاجة الآن لتطوير تشريعاته وفرض الإجراءات المتعلقة بالتنمية المستدامة بسرعة أكبر . ومن أجل تطوير أنظمة وقوانين في الأردن للتنمية المستدامة ينبغي النظر في مدى واسع من القضايا . وقد قام الأردن في السنوات الأخيرة بتطوير بعض القوانين لدعم التنمية المستدامة كقانون حماية البيئة رقم (12) لسنة 1995 ، ومع ذلك فإن هناك عدداً من العوائق والحواجز ينبغي التغلب عليها . وقد آمن بالنهج الديمقراطي كوسيلة فاعلة في تحقيق التنمية المستدامة ، حيث المجالس البرلمانية منذ قيام الدولة الأردنية، المناط بها الكثير من المهام التشريعية والرقابية والتوجيهية للسياسة العامة للدول . وانطلاقاً من إدراك البرلمان الأردني لأهمية صيغ التعاون والعمل المشترك في تحقيق التنمية المستدامة ، فقد لعبت دوراً في حث الحكومات لتوقيع اتفاقات دولية تساهم في تحقيق التنمية المستدامة ، وكذلك صادق البرلمان الأردني على العديد من الاتفاقات الدولية التي تسعى لتحقيق التنمية المستدامة في الأردن .
هذا وقد قامت الحكومات بوضع وتنفيذ خطة التحول الاقتصادي التي حققت إنجازات ملحوظة في إقامة البنية التحتية والمشاريع الإنتاجية والخدمية وبخاصة ما يتعلق ببرامج مواجهة الفقر والبطالة المرتبطة بحزمة الأمان الاجتماعي ومشاريعها المتنوعة والموجهة نحو المناطق الأقل حظاً والأقل نمواً.
العدد 93 - دراسات
دور البرلمانات في دعم عملية التنمية المستدامة :
هناك دور أساسي يمكن للمؤسسات البرلمانية أن تحققه من خلال الدبلوماسية البرلمانية من أجل تحقيق التنمية المستدامة ، وذلك عبر المرتكزات الرئيسة التالية :
- على البرلمانات حث حكوماتها على التصديق على المعاهدات الدولية والإقليمية ذات الصلة بالتنمية المستدامة .
- إن الاهتمام بتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة ، يتطلب تضافر جهود الدول والبرلمانات من أجل تحقيق السلام وممارسة الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان لكل الشعوب ، فهذه قضايا تهم المجتمع الدولي بأسره . ومن هنا يتوجب على البرلمانيين ، تعزيز النهج الديمقراطي حتى تتمكن الدول من العيش بسلام ومن ثم الانطلاق لتحقيق التنمية المستدامة ، فالتنمية المستدامة تمثل شرطاً من شروط الديمقراطية وأحد ثمارها ، وهي من الحقوق الأساسية للإنسان .
- إن للبرلمانات دوراً هاماً في المساهمة والمشاركة في إيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية الدولية من خلال مهامها الرئيسية التشريعية والرقابية لتضييق الفجوة بين الأغنياء والفقراء والتي تزداد يوماً بعد يوم ، لأن التعاون الدولي الهادف قادر على أن يؤدي دوراً مهماً في التغلب على قضايا العالم الاقتصادية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي والسياسي .
- كما تستطيع البرلمانات بالتعاون مع حكومات دولها إيجاد تشريعات مناسبة وكذلك إلى مراجعة التشريعات المعمول بها من أجل المحافظة على أهداف التنمية المستدامة .
- على البرلمانات إنشاء لجان برلمانية خاصة بقضايا التنمية المستدامة .
- على البرلمانات التشجيع والتعاون على المستوى الإقليمي ما بين البرلمانيين فيما يتعلق بسياسات وخطط عمل تعزيز التنمية المستدامة عن طريق التجمعات البرلمانية الإقليمية .
- وبعد أن أصبحت التنمية حقيقة قائمة في القانون الدولي لحقوق الإنسان ، فإنه يتوجب على البرلمانيين الحث على التعاون بين جميع الدول ، وفي الإطار الدولي للحفاظ على استقرار النمو الاقتصادي واتخاذ الإجراءات التي تتيح للدول النامية منها الحصول على المزيد من المساعدات الاقتصادية بشروط تسهيلية ، وتحقيق الأمن الغذائي العالمي وإصلاح النظام النقدي الدولي وتحسين ظروف التبادل التجاري الدولي لمصلحة الجميع ، وإيجاد حل لأزمة المديونية التي تعاني منها الدول النامية ، وبالتالي مساعدة هذه الدول في تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.
- إن تطبيق مبادئ التنمية المستدامة ، يستدعي تدعيم وتفعيل أدوات الاقتصادي البيئي حتى تتوفر أدوات اقتصادية جيدة تساعد على استهلاك موارد الحاضر بأسلوب يراعي مصالح المستقبل . الأمر الذي يتطلب مجموعة من التشريعات لمواجهة السياسات الاقتصادية الفاشلة ، بالإضافة إلى المثابرة والشجاعة للتخلص من النظام الاقتصادي الدولي غير العادل ، الذي يؤدي إلى تفاقم فقر الدول النامية ومديونيتها . كما أن الأخذ بالتنمية المستدامة يتطلب بادئ ذي بدء التوضيح الكامل لمبادئ التنمية المستدامة وكيفية تطبيقها للوصول إلى مجتمع أكثر مصداقية وأكثر عدلاً .
- إن البرلمانات تستطيع أن تلعب دوراً مهماً في إصدار تشريعات تدعم المصادر المالية المحلية والمصادر العالمية من أجل التنمية المستدامة ، ومحاربة الفساد وزيادة قدرات الاقتصاد المحلي وجذب تدفقات الاستثمار المباشرة ، مما ينعكس إيجابياً على عملية التنمية المستدامة .
- كما أن البرلمانات ، عبر الدبلوماسية البرلمانية ، أصبح لها دور ذو شأن في السياسة الخارجية مما يفسح المجال أمام البرلمانات لممارسة دورها الريادي في تحقيق السلام العالمي وترسيخ القيم الديمقراطية وبالتالي تحقيق التنمية المستدامة من خلال مظلة الاتحاد البرلماني الدولي أن تعمل على تنفيذ إعلان الأفية لعام (2000) لتخفيض نسبة الفقر إلى النصف حول العالم بحلول (2015) من أجل تنمية مستدامة تتمتع بها جميع الشعوب التي تمثلها في أنحاء العالم .
- العمل على إدماج المرأة في عملية التنمية المستدامة وبخاصة في تنفيذ المشاريع والتخطيط لها، وزيادة وعي المرأة في مجال المحافظ على الموارد الطبيعية واستعمالاتها .
- على البرلمانات فهم أهمية بناء القدرات الوطنية للفهم والتعامل مع المتغيرات العالمية وما ينعكس منها من آثار جانبية .
- على البرلمانات الاهتمام بالتخطيط الاقتصادي الطويل المدى ذي الأهداف المحددة الواضحة .
- تعزيز دور البرلمانات باعتبارها مشروعاً ومراقباً للعمل الحكومي وتضطلع بدبلوماسية برلمانية تتميز أكثر من أي وقت مضى بإحداث لجان برلمانية لمتابعة التنمية المستدامة وأخرى حول البيئة ومن خلال تعزيز مشاركة البرلمانيين في منظومة الأمم المتحدة .
العدد 93 - دراسات
أهم التوصيات للبرلمانيين التي من شأنها أن تساهم في دعم عملية التنمية المستدامة بشكل عام :
التأكيد على أنه من أوائل متطلبات التنمية المستدامة التخطيط السليم للمستقبل والعمل المشترك بين الأطراف أو الشكاء في التنمية ، ووجود بيئة دولية وإقليمية تسمح بالاستقرار لكي تجني الشعوب ثمار مشروعات التنمية متوسطة المدى وبعيدة المدى وهذا هو فحوى « حق التنمية ومضمونه » بمعنى ألا تأتي سياسات خارجية لتغيير المشروعات قبل أن تعطي ثمارها . وكما هو معروف فإن الحروب والتوجه نحو حل المشاكل الدولية عن طريق الأعمال العسكرية لهو أمر يتنافى مع هدف التنمية المستدامة .
إن نقطة الانطلاق الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة ، تركز على تحقيق التقدم في مجال تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات لإعطاء دفعة للنمو الاقتصادي في الدول النامية ، فتكنولوجيا المعلومات تعتبر عنصراً هاماً في مجال تمويل التنمية لما لها من تأثير سريع على الأسواق الإنتاجية والمالية في العالم . فالتحديات التكنولوجية التي أفرزتها العولمة ، تتمثل في كيفية استخدام التكنولوجيا في تقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء ، وتجنب زيادة تهميش الدول النامية .
وبالنسبة لما جاء في تقرير التنمية البشرية لعام 2003 حول ما يقلق الفقراء ، فإنه ومن أجل تحقيق أهداف الألفية للتنمية لابد من تخفيض نسبة الفقر والجوع إلى النصف ، وتوفير التعليم الأساسي لجميع الأطفال ، ومحاربة الأمراض وتعزيز المساواة بين الجنسين ، والحصول على الماء الصالح للشرب ، فإنه لابد من تحقيق الاستقرار الوطني والإقليمي وتبني الديمقراطية والتخلي عن مركزية السلطة ، والعمل على تحقيق السلام والأمن .
إن الحفاظ على السلام والأمن والاستقرار وتحقيق التنمية المستدامة وكذلك احترام حقوق الإنسان وإرساء حكم ديمقراطي يتطلب الأخذ بالحسبان مجموعة من القضايا التي لابد من أن تتضافر جهود الدول والبرلمانات من أجل إيجاد حلول فاعلة لها عبر التعاون المشترك . فالأسرة الدولية ممثلة بحكوماتها وبرلماناتها، مطالبة بالضغط على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها التي تضعها أمام تحريك عملية السلام ، للوصول إلى سلام عادل ودائم وشامل قائم على أساس قرارات الشرعية الدولية ، ولاشك أن للبرلمانيين دوراً في هذا المجال ، فهي تشكل وسيلة ضغط على الحكومات لدعم وإقرار السلام وترسيخ الديمقراطية وتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة على كافة المجالات .
العمل على إدماج المرأة في عملية التنمية المستدامة وبخاصة في تنفيذ المشاريع الصغيرة وإشراكها في عمليات التخطيط ووضع السياسات واتخاذ القرارات المتعلقة بالبيئة .
ملاحظة (1) عن مجلة « رسالة مجلس الأمة » الصادرة عن مجلس الأمة الأردني العدد 55 – آذار (مارس) 2005 .
العدد 93 - دراسات
المراجـع :
الأجندة 21 الأردنية .
مجلة البيئة والتنمية ، عدد 49 ، نيسان 2002 .
مجلة البيئة والحياة ، العدد 2 ، نيسان 2002 .
مؤتمر الاتحاد البرلماني الدولي ، مراكش 17-23 مارس 2002 .
مجلة الاتحاد البرلماني العربي ، العدد 81 ، تشرين الأول 2001 .
وليد حماد ، المنظمات النسائية الأردنية ودورها في التنمية المستدامة / مركز الأردن الجديد للدراسات.
عبد السلام أديب ، دراسة بعنوان : أبعاد التنمية المستدامة .
ليلى أبو الهيجاء ، دراسة بعنوان : التنمية المستدامة ونظام البيئة .
باتر محمد علي وردم ، دراسة بعنوان : كيف يمكن قياس التنمية المستدامة .
مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية عام 1992 .
مؤتمر قمة الأرض 1992 .
أوراق عمل قسم الدراسات ، مجلس النواب الأردني :
أ – التمويل من أجل التنمية .
ب – استراتيجيات التنمية .
ت – مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية العاشر .
ث – دور البرلمانيين في التنمية المستدامة .
العدد 93 - دراسات
|