|
مجلــة البرلمــان العــربي
|
|
|
|
| ||
|
دراسات ماهية القانون الدولي الإنساني وطبيعته وعلاقته بالقانون الدولي لحقوق الإنسان |
. |
وعلاقته بالقانون الدولي لحقوق الإنسان الأستاذ الدكتور محمد عزيز شكري خلافاً لما يأمل المثاليون ، فالأصل في العلاقات الدولية على ما يبدو هو الحرب والاختصام وليس الوئام والسلام ، فقد أثبتت الإحصائيات أن هناك 13 سنة من الحرب مقابل كل سنة من السلام . وقد نكب العالم خلال الأعوام الستين التي انقضت منذ وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها بما يزيد على مائة حرب بينها حروب اتسع نطاقها إلى درجة مفزعة رهيبة ، وحروب طال أمدها على الرغم من ضيق نطاقها ، وحروب خاطفة بلغت أقصى درجات الشراسة والضراوة على الرغم من أنها لم تدم سوى بضعة أيام أو أسابيع . معنى ذلك أن البشرية تواجه مرة كل خمسة شهور على وجه التقريب نزاعاً مسلحاً عنيفاً في مكان ما من العالم وغالباً ما ينجم عن هذا النزاع كوارث إنسانية مروعة وخسائر جسيمة في الأرواح والأموال والمعدات ، ونحن لو تأملنا عالمنا اليوم في هذه الساعة لوجدنا نزاعات مسلحة قائمة في زوايا العالم الأربع : في الشيشان ، وفي جنوب لبنان ، وفي الأرض المحتلة ، وفي السودان، وفي الكونغو وفي أفغانستان وفي الفلبين وفي العراق وقس على ذلك.وإذا كانت أسباب الحروب متنوعة ومتجددة فإن النظرة إلى الحرب من زواياها المتعددة – سواء من الوجهة الاجتماعية أو الفلسفية أو الأخلاقية أو السياسية أو العسكرية أو التاريخية أو الإنسانية – تعطي انطباعات تختلف باختلاف زاوية الرؤية ، وزاويتنا في هذه العجالة هي الزاوية الإنسانية . ومن هذا المنطلق يمكن القول بلا تردد إن الحرب هي « مستنقع الإجرام الدولي » . ذلك أن الحرب كما يقول أستاذنا العلامة الراحل عبد الوهاب حومد هي في جوهرها « ضد القيم الإنسانية ، والحياة ، لأنها مبعث الدمار وسبب اليُتم والثُكل » . لذلك فهي وبهذا المعنى لا يمكن أن تكون إنسانية حتى ولو كانت مشروعة ودفاعية ، فمشروعيتها صفة قانونية أما آثارها فواقع ملموس وأليم . ومن المفارقات العجيبة أن الإنسان – وهو في التحليل النهائي نواة المجتمع البشري – هو الذي ابتدع أسباب الحرب وانخرط فيها ، وهو ذاته الذي اكتوى ويكتوي بنارها ويكابد لظاها . الإنسان هو الذي يشن الحرب في لحظات التهور والطيش ، وهو ذاته الذي يرفع عقيرته بالشكوى وفظائعها ويسعى في لحظات التعقل إلى الحد منها أو ضبطها . الإنسان هو الذي يخوض غِمار الحرب بلا رحمة ولا شفقة ، وهو ذاته الذي يعمل في لحظات اليقظة الوجدانية إلى جعلها إنسانية والتخفيف من ويلاتها . الإنسان هذا المخلوق العجيب الغريب هو أصل الداء وهو مبتدع الدواء ، بين نزعتي الخير والشر ، في هذا المخلوق العجيب الغريب تسعد البشرية أو تشقى . تقول مقدمة دستور اليونسكو « لما كانت الحروب تبدأ في عقول الناس . ففي عقول الناس يجب أن تبنى حصون السلام » . والحق أن محاولات بناء حصون الدفاع عن السلام في عقل الإنسان قديمة جداً ، فقد تبنتها الأديان السماوية وجهر بها الفلاسفة والمفكرون منذ أقدم العصور . كما سعى الكثيرون لترشيد الحرب وتحديد أسبابها وإقرار ما أسموه « بالحروب العادلة » فقط منها . ثم انتقلت المحاولات هذه لأفكار السياسيين والعسكريين من قادة الدول أنفسها فسعوا أو سعى بعضهم باستمرار لتقنين الحرب وتنظيمها والحدّ منها حتى توصلوا ، على الورق ، إلى حصرها في الحرب الدفاعية وحدها في ميثاق الأمم المتحدة بعدما أوحوا - على الورق أيضاً – بنبذها كهواية رياضية من هوايات الملوك والقادة أو كأداة من أدوات السياسات الوطنية إبان عهد عصبة الأمم بخاصة. وجنباً إلى جنب مع محاولات الإنسان لترشيد الحرب وتقنينها وتحريمها سارت محاولات جعلها إنسانية ، وهذه المحاولات هي ما يركز عليه حديثنا اليوم . ماهية القانون الدولي الإنساني وتطوره التاريخي الفكر الإسلامي ، مثلاً لا يقرّ الحرب إلا كضرورة مفروضة ، وقد وضع لهذه الحرب نظاماً صارماً لجعلها أكثر إنسانية ، ويتضح هذا النظام في القيود التالية التي يجب على المسلمين الالتزام بها في قتالهم الأمم الأخرى :
وعندما بدأت قواعد القانون الدولي التقليدي في الظهور في القرن السابع عشر (1648م)، لم تكن هناك قيود على أساليب القتال بين الدول المتحاربة سوى تلك القيود التي اوردها بعض المحاربين ، اختياراً على تصرفاتهم ، وذلك بوقف أعمال السلب والنهب في المدن ومنح النساء والأطفال نوعاً من الحماية ، أو ما كانت تختلج به نفوس « الفرسان » من محاربي القرون الوسطى من عواطِفَ إنسانية نمت في ظلها القواعد الخاصة بمواساة الجرحى والمرضى ووجوب العناية بهم وعدم جواز الإجهاز عليهم وعدم التعرض لغير المقاتلين ، وللآمنين من سكان دولة العدو . كما كانت مبادئ الشريعة الإسلامية قد انتقلت إلى بعض الكتّاب المسيحيين من دعاة الرحمة وتجنب القسوة مثل فيكتوريا وسواريز فأخذوا ينادون في مؤلفاتهم بضرورة التقيّد ببعض القواعد الإنسانية في القتال للتقليل من وحشية ما جرى عليه العمل في الحروب . وكان من نتيجة ذلك تلطيف العادات الهمجية التي كانت متّبعة في حروب ذلك العصر بما كانت تأمر به كتابات أولئك القديسين ورجال الكنيسة من اتباع الرأفة والرفق وبما أدخلوه من نظم دينية مثل « صلح الرب » ، و « هدنة الرب » ، وبما كان يدعو إليه رجالها من اجتماعات ومؤتمرات دينية كان من نتيجتها إلغاء عدد من عادات الحرب الوحشية . ومع غروشيوس نصل إلى أحد عرّابي القانون الدولي التقليدي حيث قام بتأليف كتابه المعروف بـ « قانون الحرب والسلم » 1623 – 1624 ، على ضوء التجربة المفزعة لحرب الثلاثين عاماً الدينية التي اجتاحت أوربا آنئذ . وقد رأى غروشيوس وجوب مراعاة بعض القواعد التي تضبط سلوك المتحاربين والتي يجب مراعاتها لاعتبارات إنسانية ودينية واعتبارات الأمن والسلامة كذلك قرر غروشيوس أنه لا يصح قتل المهزوم إلا في الحالات الاستثنائية الخطيرة . كما أنه لا يجوز تدمير الملكية إلا لأسباب عسكرية ضرورية ، ومثل هذه القيود تمثل أهم جزء من كتابات غروشيوس في قانون الحرب ، وتعد مثابة مساهمة منه ذات شأن كبير في قواعد القانون الدولي التي تنظم حالة الحرب . وهي من جهة أخرى تعكس مدى تأثره بالأفكار الإسلامية التي أشرنا إليها والتي يرى الأستاذ مارين أنها كانت وراء كثير من آرائه وآراء فكتوريا وسواريز . على أن العمل الكبير الذي تحقق على مستوى عالمي تمثل في اتفاقية جنيف لعام 1864 م لتحسين أحوال جرحى الحرب ، وتلاها دستور الاتحاد السويسري عام 1874 م الذي نصت مادته الـ 12 على تخويل المحكمة الاتحادية « النظر في الجنايات والجنح الموجهة ضد قانون البشر » . تعدّ اتفاقية 1864 ذات مغزى خاص ، على الرغم من العيب الكبير فيها ، وهو أنها لم تتضمن عقوبات محددة لمعاقبة الجرائم الواردة فيها وقد نبتت فكرتها من التحولات الجذرية في الضمائر . غير أن شرف الدعوة إلى وضعها يعود إلى رجل سويسري من أهل جنيف هو « هنري دونان » الذي شاء له القدر أن يشهد ما تركته حرب سولفارينو في ايطاليا التي اندلعت نيرانها بين جنود نابليون الثالث الفرنسي وجيوش « ماكسيميليان » النمساوي عام 1859 م ، من آثار مدمرة ، وهاله بصورة خاصة رؤية الجرحى الذين يموتون دون عناية وإسعاف من جراء نزف دمائهم وهم يستنجدون ولا من منجد . وقد تأثر هذا الإنساني الكبير بما لديه من إحساس قوي بالشفقة والرحمة فكتب كتاباً أسماه « ذكرى سولفرينو » كوفئ عليه فيما بعد بجائزة نوبل الأولى للسلام عام 1901 ( مع شخص آخر اسمه باسي وهو فرنسي اشتهر بدفاعه عن مذهب السلام وتوفي عام 1912 م ) . ومما قيل في هذا الكتاب « أنه عرّى جميع هذه الفظاعات والمجازر ، التي أصبحت كالصدمة الكهربائية بالنسبة لمذهب محبة الإنسانية » . فكتب إليه عدد من المشاهير يشجعونه ويؤيدونه ومن هؤلاء فيكتور هوجو الذي قال له : « إنك تسلّح الحرية وتخدم الإنسانية وإني أصفق لجهودك النبيلة » . وكتب إليه الفيلسوف الفرنسي رينان « إن دعوتك أعظم عمل في هذا القرن وسوف تكون لأوربا مناسبات تتذكر فيها مآثرك » . كانت دعوة دونان تهدف إلى إنشاء « جمعيات لإسعاف الجرحى » في الحروب وقد أيدها كثيرون ، وأعرض عنها آخرون ، شكّوا في إمكانية إنشائها أولاً ، وفي قيمتها العلمية ثانياً ، فقالوا كيف ننشئ في أيام السلم جمعيات لا يستفاد منها إلا أيام الحرب ، ولا يستطيع أحد أن يعرف متى تقع هذه الحرب ، في سنة أو في خمس سنوات أو أكثر . كان على « دونان » أن يتحرك بهمة وسرعة فزار برلين وبتروغراد وفيينا وميونيخ وباريس حيث وُفّقَ دونان بإقناع نابليون الثالث بدعوته رغم معارضة كبار عسكره ، وكانت محصلة جهوده عام 1864 موافقة ست عشرة دولة وأربع جمعيات إنسانية على السير في مشروعه الرامي إلى إنشاء لجنة إنسانية . وقد وقعت الامبراطورية العثمانية ( التي كانت أقطار الوطن العربي جزءاً منها ) على اتفاقية عام 1864 م والاتفاقيات التي تلتها ، ولكنها أبدت تحفظاً بشأن استعمال الهلال الأحمر بدلاً من الصليب الأحمر ، وتمت الموافقة على ذلك ، ثم طالبت إيران بأن يقبل شعار الأسد والشمس كما طالبت سيام بقبول الشعلة البوذية ، ولم تجد الصين واليابان في شعار الصليب الأحمر أي بأس إذ كان مشابهاً لعلم سويسرا وليس له أي معنى ديني مع أن هذا الرأي خلافي لاشك . وفي عام 1929 م عقد مؤتمر دبلوماسي في جنيف قام بوضع ثلاث اتفاقيات خاصة بحماية ضحايا الحرب من العسكريين ، وهذه الاتفاقيات هي : الاتفاقية الأولى : وهي خاصة بتحسين أحوال الجرحى والمرضى من القوات المسلحة في الميدان ، وقد جاءت تعديلاً للاتفاقيات الخاصة بهم من قبل وهي اتفاقية جنيف لعام 1864 م . الاتفاقية الثانية : وهي خاصة بتحسين حال الجرحى والمرضى والغرقى من القوات البحرية وجاءت تعديلاً لاتفاقيتي لاهاي لعامي 1899 و 1907 م . الاتفاقية الثالثة : وهي خاصة بمعاملة أسرى الحرب وتضمنت نصوص اتفاقيات لاهاي الخاصة بأسرى الحرب لعامي 1899 م و 1907 م . لكن الإنسان الذي لا يرعوي عاد إلى حمأة الحرب العالمية من جديد ، فنشبت الحرب العالمية الثانية بأسلحتها الرهيبة فأغرقت العالم في بحار من الدماء والدموع والمآسي ، أدت إلى إبادة عشرات الملايين من البشر محاربين ومدنيين نساءً وأطفالاً وعجزة ممن لم يكن لهم أي دور في المعركة ، فتقرر إجراء مفاوضات على مستوى عالمي لمواجهة هذه النكبات والحد من ويلات الإجرام الدولي ، وإذا كانت محاكمات نورمبرغ وطوكيو تولتا معالجة مجرمي الحرب من المنهزمين ، وأرست قواعد لمعاقبة مجرمي المستقبل ، فإن اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 ، تولت ضمان الحقوق الإنسانية في فترات الحرب . الاتفاقية الأولى : وهي خاصة بتحسين أوضاع الجرحى والمرضى من أفراد القوات المسلحة في الميدان . الاتفاقية الثانية : وهي خاصة بتحسين مرضى وجرحى القوات المسلحة البحرية . الاتفاقية الثالثة : وهي خاصة بمعاملة أسرى الحرب . الاتفاقية الرابعة : فخاصة بحماية المدنيين أثناء الحرب ، وتتضمن هذه الاتفاقيات ، أو ما يعرف بـ « قانون جنيف » القسم الأعظم من قوانين الحرب ، والقواعد الخاصة بالأشخاص ، لكن بعض القواعد الدولية المنصوص عليها في اتفاقيتي لاهاي عام 1899 م و 1907 م ، وفي بروتوكول جنيف عام 1925 م الخاص بمنع استخدام الأسلحة الخانقة والسامة والأسلحة الجرثومية لم تُلغ ، فهي سارية المفعول ، وتعتبر هي وهذه الاتفاقيات مجموعة نصوص متكاملة تشكل القانون الدولي الإنساني ( خلافاً لرأي بعضهم في التمييز بين قانوني لاهاي وجنيف ) . ما كاد يجف الحبر الذي سطر به ميثاق الأمم المتحدة ، وهو دستور العلاقات الدولية في عصرنا الذي منع الحرب إلا في حالات درء العدوان ، حتى عاد البشر يقتتلون من جديد وفي حروب فاقت شراستها وضراوتها والخسائر والآلام التي سببتها الحرب العالمية الثانية ولو ضاق نطاقها الجغرافي . وفي الوقت الذي وجدت اتفاقيات جنيف الأربع محلاً للتطبيق حيناً فإنها خرقت أحياناً ، كما أن « عبقرية الإنسان » في القتل والتدمير والتخريب وابتداع وسائلها أثبتت من خلال الحروب « المحدودة » التي شهدناها منذ عام 1945 م وجود أوجه القصور والنقص في نصوص الاتفاقيات ذاتها ولاسيما ما يتعلق منها بأحكام الحماية الخاصة بضحايا الحرب من المدنيين وهم الذين جاءت أساليب الحرب تعرضهم لأخطار وويلات ما خطرت على البال قبلاً دون تمييز في كثير من الأحيان بينهم وبين العسكريين . لكل هذا برزت ضرورة تطوير « قانون جنيف » واستكماله بأحكام جديدة مكملة له ، وقد بدأت الجهود الدولية نحو تحقيق هذا الهدف ، وكانت أهم هذه الجهود جهود اللجنة الدولية للصليب الأحمر صاحبة المشروع الأول لهذه الاتفاقيات . وقد قامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بإجراء مشاورات مع عدد من الهيئات والمنظمات الدولية والإقليمية الوطنية أسفرت عن ضرورة تقسيم بحث الموضوع إلى قسمين ، يتناول الأول قواعد الحماية من حالات المنازعات المسلحة الدولية ، ويتناول الثاني قواعد الحماية في حالات المنازعات المسلحة غير الدولية التي غدت ظاهرة لا يمكن تجاهلها في حياة البشر . وقد أعدت اللجنة صياغة لمشروعي بروتوكولين قامت بإرسالهما إلى الدول المدعوة للاشتراك في مؤتمر الخبراء الحكوميين الذي انعقد في المدة من 24 أيار إلى 12 حزيران 1971 م وناقشت هذين المشروعين ، إلا أن الحاجة دعت إلى عقد دورة ثانية لمؤتمر الخبراء الحكوميين وذلك لعدم توصل خبراء الدورة الأولى لنتيجة نهائية حول الموضوع . وقد راوح المشروعان في دورات متتالية للمؤتمر الدبلوماسي حتى العام 1977 حيث تم في الدورة الرابعة 17 آذار إلى 10 حزيران إقرارهما بحضور ممثلين عن 192 دولة ويبلغ عدد المصدقين على البروتوكول الأول 167 دولة في حين انضم إلى الثاني مايزيد عن 160 دولة . وقد صدرت عن المؤتمر الدبلوماسي نتيجة دوراته الأربع الوثيقتان التاليتان :
طبيعة القانون الدولي الإنساني وعلاقته بالقانون الدولي لحقوق الإنسان على أساس هذا التحديد يعرف الأستاذ جان بيكته القانون الدولي الإنساني بأنه « فرع مهم من فروع القانون الدولي العام يدين بوجوده لإحساس بالإنسانية ويركز على حماية الفرد في حالة الحرب » . ويعرفه عامر الزمالي « بأنه فرع من فروع القانون الدولي العام تهدف قواعده المعرفية والاتفاقية إلى حماية الأشخاص المتضررين في حالة نزاع مسلح بما انجرّ عن ذلك النزاع من آلام كما تهدف إلى حماية الأموال التي ليست لها علاقة مباشرة بالعمليات العسكرية » . ويعرفه ستانيلاف أنهليك بأنه « مجموعة قواعد القانون الدولي التي تستهدف في حالات النزاع المسلح حماية الأشخاص الذين يعانون ويلات هذا النزاع وفي إطار واسع حماية الأعيان التي ليس لها علاقة مباشرة بالعمليات العدائية » . ويذهب د. زيدان مريبوط على أنه « مجموعة قواعد القانون الدولي التي تستهدف في حالات النزاع المسلح حماة الأشخاص أو الإنسان المصاب ويعاني جراء هذا النزاع وفي إطار واسع حماية الأعيان التي ليس لها علاقة مباشرة بالعمليات العدئية » . ويرى د. اسماعيل عبد الرحمن أن القانون الإنساني الدولي هو مجموعة القواعد القانونية الآمرة التي أقرها المجتمع الدولي ذات الطابع الإنساني التي يتضمنها القانون الدولي العام والتي تهدف إلى حماية الأشخاص والأعيان من جراء العمليات العدائية العسكرية والتي نجد مصدرها في المعاهدات الدولية والعرف الدولي » . وبأي من التعريفات السابقة أو سواها أخذنا فإن النقاط التالية متفق عليها وهي تحدد ماهية القانون الدولي الإنساني أو القانون الإنساني الدولي مع ترجيحنا للمصطلح الأول :
أولاً – نقاط الالتقاء : يركز جـان بيكته على أهمية النظر إلى القانون الإنساني Humanitarian Law نظـرة شمولية عريضة بحيث يمكن القول بأن هذا القانون يشتمل على فرعين : قانون النزاعات المسلحة ( أو الحرب ) وقانون حقوق الإنسان ، وبهذا يمكن القول بأن القانون الإنساني يتكون من كافة الأحكام القانونية الدولية سواء التشريعات أو القوانين العامة التي تكفل احترام الفرد وتعزز ازدهاره وذلك في محاولة منه لإيجاد علاقة ترابطية بين القانونين بحيث يمكن إعطاؤهما تسمية أفضل هي القانون الإنساني بالمعنى الأوسع لهذه التسمية . ويؤكد بيكته على أنه لا يقصد من وراء ذلك إلا إثبات أن المجالين متداخلان على الرغم من أنهما متميزان ويجب أن يظلاّ كذلك . ومن هذا الرأي العميد الدكتور سيد هاشم . في حين يذهب فقيهنا العلامة محمد طلعت الغنيمي إلى أن هناك قانونين الأول أسماه « القانون الإنسانوي » أي قانون حقوق الإنسان والثاني هو « القانون الإنساني » فالأخير ينسب إلى « الإنسانية » و « الإنسانوي » ينسب إلى الإنسان وبذا يفرق الغنيم بين القانون الإنساني الذي هو القانون الذي يهتم بحقوق الإنسان وقت الحرب والقانون الإنسانوي وهو الذي ينظم حقوق الإنسان زمن السلم . والحقيقة إنه ، وبعيداً عن محاولة أستاذنا الغنيمي لفلسفة الأشياء ومحاولة تأصيلها لغوياً وفقهياً فإن ثمة نقاط التقاء كثيرة بين القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان . فكلاهما يسعى إلى حماية قيم إنسانية سامية تدور في فلك حماية شخص الإنسان في ذاته دون النظر مطلقاً للتفرقة المجحفة بين بني الإنسان على أساس اللون أو الجنس أو المعتقد أو الأصل أو أي اعتبارات أخرى . هذه القاعدة تتصل بالإنسان أياً كانت هويته أو موطنه طالما كان له موقع على الكرة الأرضية . ومن أهم هذه القيم التي تمثل قاسماً مشتركاً بين القانونين : تحريم التعذيب، العقاب المذلّ الحاطّ من الكرامة الإنسانية ، احترام حقوقه العائلية ، حرية المعتقد ، الحق المادي ، عدم مساءلة إنسان عن عمل لم يرتكبه وحظر الأعمال الانتقامة والعقوبات الجماعية وأخذ الرهائن وأن لكل إنسان الحق في الانتفاع بالضمانات القانونية التي تقرها الشعوب المتمدنية . من هذا يبدو أن صيانة حرمة الإنسان هي القاسم المشترك الأعظم بين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان وما يتفرع عنه من مجموعة من الحقوق المتصلة بالإنسان . ثانياً – نقاط الاختلاف : من البيّن أن غاية القانون الدولي الإنساني الرئيسة هي حماية الأفراد الذين أصبحوا عاجزين عن القتال والذين لا يشاركون في العمليات العسكرية العدائية وضمان معاملتهم معاملة إنسانية . لذا فإن تطور القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان نشأءا في اتجاهين متمايزين ويتأكد ذلك عند بعض الكتّاب مما يلي :
ما أرمي إليه هو تأييد فكرة الارتباط الأساسي بين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان فكلاهما يستهدف حماية الإنسان وكلاهما ما عاد يشكو كثيراً من نقص في النصوص التشريعية أو وجود الأعراف الدولية لتأمين هذه الحماية ، لكن كلاهما يشكو من ضعف في الآليات تُفقد الكثير من هذه الحماية أثرها . فالمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان وهي النموذج الأقرب للكمال في تطبيق القانون الدولي لحقوق الإنسان قاصرة على قارة معينة وتعتنق أفكاراً هي لصيقة بالقيم الأوربية النصرانية دون غيرها أما المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان فقد ولدت نظرياً على شاكلة المحكمة الأوربة في بدايات أيامها في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي ولكنها لم تجد دولة افريقية تستضيفها حتى الآن فيما أعلم (2004 م) . وفي القارة الأمريكية صدرت في سان خوزيه San Jose الاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان ودخلت حيز النفاذ بدءاً من 18/7/1978 بين ست وعشرين دولة هي غالبية الدول الأميركية وحاولت هذه الاتفاقية السير على خطى الاتفاقية الأوربية لكن انتهاك حقوق الإنسان في أميركا اللاتينية يبقى الأصل على خلاف الحال في الدول الأوربية . وفي الوطن العربي وبعد محاولات كثيرة أعدت لجنة مختصة عام 1971 مشروع الإعلان العربي لحقوق الإنسان الذي رحل من قمة عربية إلى أخرى بعد تعديله مرات آخرها عام 2004 والله وحده يعلم متى يعمل به بعد إقراره إن عمل به . مع أن الوطن العربي شهد ويشهد ولادة معاهدات ومؤسسات يقال بأنها تعنى بحقوق دون أن يقترن عملها بتصرف حكومي جماعي عربي . والإعلان العربي لا ينص على محكمة لحقوق الإنسان كما أنه مليء بالثغرات . أما في إطار القانون الدولي الإنساني فقد ظننا أن ولادة المحكمة الجنائية الدولية عام 1ودخول نظامها الأساسي حيز التنفيذ في 1/7/2002 سيحل جزءاً كبيراً من مسألة ضعف آليات تنفيذ هذا القانون خاصة وأن عدد الدول المنظمة لهذا النظام حتى الآن بلغ مئة دولة . لكن ما اعترى نظام المحكمة من ثغرات ( عدم تعريف العدوان ) وما صاحبها من مواقف رافضة ( كموقف الولايات المتحدة وإسرائيل ) أو غير مبالية ( كمواقف معظم الدول العربية ) أو التفافات على نظامها ( مثلاً الاتفاقات الثنائية التي أبرمتها واشنطن مع عدد متزايد من الدول بعدم تسلم مواطنيها للمحكمة حتى لو طلبتهم ) يجعل الآمال التي بنيناها على المحكمة العتيدة تتضاءل أو تحمل العالم للعودة إلى المحاكم الإقليمية التي ينشئها مجلس الأمن كيفياً . والحـل ؟ الحل عندي بيد الإنسان . هذا الإنسان الذي وصفه رب العالمين بأنه خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً . فهل يغير الله الأرض غير الأرض والناس ونرى الإنسان في السلم والحرب يخدم أخاه الإنسان ؟ آمل ذلك وأدعو من أجله . |